Search
Close this search box.
المقال رقم 23 من 23 في سلسلة دفتر تبرعات

مر أبونا بطرس في الصباح الباكر على منزل أبونا يوناثان ليذهبا معًا إلى المطرانية ليحضرا ترقية أبونا أنجيلوس قمصًا، وهما في الطريق نظر أبونا يوناثان تجاه أبونا بطرس محدثًا إياه:
– مالك يا أبونا بطرس؟! شكلك منمتش كويس!!

– حلمت حُلم غريب أوي يا أبي، صاحي حاسس إن صدري مقبوض.

– خير يا أبونا حلمت إيه؟!

حاول أبونا بطرس أن يرسم ابتسامة خفيفة يخفي ورأها ضيقه من الحُلم:
– حلمت إن سيدنا الأسقف مجمّع كل الكهنة في المطرانية، مش عارف بقى كانت محاكمة كنسية، ولا مجلس إكليريكي، ولا جلسة تأديبية، المهم الشباب أتجمعوا واتظاهروا وآراخنة كتير جدًا من الكنيسة كانوا موجودين ومنتظرين الحكم عليَّ، بس أحلى حاجة في الحُلم: قدسك، كنت كالعادة مثال صادق للأب الحقيقي، كنت خايف عليَّ أوي.

ضحك أبونا يوناثان وهو يقول :
– ده تلاقي بس دماغ قدسك كانت مشغولة بحوارنا أمبارح، المهم سيدنا حكم عليك بإيه؟!!

– ما هو ملحقتش أعرف بقى، المنبه رن، وقدسك واقف بتبكي عند الهيكل عند أيقونة العدرا والمسيح وبتشتكي لهم، وبتطلب منهم يتصرفوا.

– طب الحمد لله إن المنبه رن وقدسك صحيت، حاكم أنا راجل عجوز ومش حمل عياط.

ضحك كلاهما، بينما كانا قد وصلا إلى المطرانية، فنزلا من السيارة، وأسرعا إلى داخل المطرانية حتى يحضرا باكر من بدايته، وعندما دخلا هرول تجاههما أبونا أنجيلوس وهو في غاية السعادة والسرور، وحضنهم وقبلهم بشدة وشكرهم على الحضور.

ورأهم الأسقف من بعيد وأشار إليهم حتى يأتوا إليه، فذهبا وضرب كلاهما ميطانية، فمد الأسقف يده ليرفع أبونا يوناثان إليه ويساعده على النهوض:
– أنا أسف يا أبونا على أمبارح، أرجوك حاللني.

فغر أبونا يوناثان فاه، وقال متعجبًا:
– يا خبر أبيض، العفو يا سيدنا، الحِل والسلطان لنيافتك.

فأكمل الأسقف حديثه، وكأن أبونا يوناثان لم يقاطعه:
– كون إن قدسك تيجي النهاردة وتجيب معاك أبونا بطرس، ده معناه إن قدسك أب، ومش أي أب، لكن أب حكيم والروح القدس مالي قلبك بالمحبة وعقلك بالحكمة، فقدسك هتفضل كبير الكنيسة مش علشان الكبير ده وظيفة بنديها لواحد ونشيلها من واحد تاني، لأ، لكن علشان الكبير ده فعل محبة، وقداسة، واحتواء ورعاية وتدبير، ده غير اللي قدسك عملته وقلته أمبارح بعد ما مشيتوا من هنا.

فغر كلا من أبونا يوناثان وأبونا بطرس فاه، ولم يستطع أبونا بطرس السكوت :
– إيه ده أزاي؟!! نيافتك شفتنا أزاي؟!! هو حتى في كنيستنا فيه كاميرات مراقبة متوصلة بالمطرانية؟!!

ضحك الأسقف -أول مرة- وهو يقول:
وهركب كاميرات في عربيتك برضه يا أبونا، وفي الشارع قدام الكنيسة، يا أبونا أنا أسقف مش سوبر مان.

– يعني هل ممكن نيافتك تبقى من الآباء السياح؟! معقولة؟!

قاطعه صوت من خلفه كان يعرفه جيدًا ولكنه لم يسمعه منذ وقت طويل، وقت أن كان في فترة الأربعين في الدير:
– يا أبونا بطرس، مش قلت لك كذا مرة، إن أفلام الآباء القديسين اللي بتتفرج عليها كتير ديه، واكله عقلك.

التفت أبونا بطرس إلى مصدر الصوت وهو يقول بصوت مرتفع:
– أبونا يوئيل البراموسي!

أشار الأسقف وأبونا يوئيل في آن واحد بالصمت، لأن صوته المرتفع لفت أنظار الكهنة والشمامسة الحضور وأشار له الأسقف مع أبونا يوناثان للرجوع للوقوف بعيدًا، فذهبا، وسأل أبونا يوناثان أبونا بطرس:
– مين أبونا الراهب العجوز ده؟!

– ده أبونا يوئيل البراموسي، أتعرفت عليه في فترة الأربعين في الدير، شخص تحس فيه كده بالقداسة، والحكمة والإفراز، ورهبان كتير في الدير واخدينه أب اعتراف، يكونش هو أب اعتراف أبونا الأسقف؟!!

هز أبونا يوناثان كتفه، علامة عن عدم المعرفة، ثم صمتا، وانخرطا في الصلاة مع باقي الآباء، حتى حان وقت العظة، فأمسك الأسقف بالمايك وتحدث إلى الجموع:
– باسم الآب، والابن، والروح القدس، إله واحد.. أمين..
أريد أن أتحدث إليكم في عظة اليوم عن موضوع هام، معظم الحاضرين من الآباء الكهنة والشمامسة والخدام والشعب، وأظن في نفسي أن موضوع اليوم يخصنا جميعًا، يخص الكنيسة، وأنتم يا أحبائي الكنيسة، فالكنيسة ليست جدران و مقاعد، ولكن الكنيسة هي أنتم، شعب المسيح، والكنيسة يا أحبائي تحتاج إلى آباء وليس أسيادًا، نعم يا أحبائي، أنتم في حالة ماسة إلى أب، ويبدو أنني طوال الأعوام الماضية كنت سيدًا ناجحًا وأب أخفق في أبوته لسنوات طويلة.. أخطيت حاللوني..

وانبطح الأسقف أمام الشعب وعمل ميطانية كاملة أمام الشعب، وسط تعجب ال والشعب وبين همهمات كثيرة، وقام الأب الأسقف ووقف مرة ثانية ليكمل عظته:

– عندما أتيت هنا إلى الأسقفية في بداية الأمر، كانت كل كنيسة عبارة عن أسقفية مستقلة، لها نظامها الإداري والمالي وأيضًا التعليمي المستقل والمختلف عن الكنيسة جارتها في الشارع الذي يليها، وكنتم أنتم أيضًا تعانون من كل شخص يظن نفسه كبيرًا فوق المحاسبة، يتصرف في الكنيسة وكأنها ملكية خاصة، يحرم من يختلف معه ويقرب إليه من يتودد إليه، طبعا لا أعمم ولا أتكلم عن الجميع، ولكني أتحدث عن الأغلبية، وصار هناك احتياج شديد لشخص واحد يصلح هذا الهرج الإداري، وكان يلزم لهذا الإصلاح قوة وحزم حتى لا تنفلت الأمور.

صمت الأب الأسقف لبرهة:
– أعترف إليكم اليوم، أنه ربما أسأت في تقدير بعض الأمور، وفرط مني الحزم، وغلب على الأبوة، حتى هرب من حولي طاقات كثيرة، لو كنت تحليت بحكمة ولطف أكثر لربحتهم الكنيسة، ولكن الله يعلم أنني بحُسن نية كنت أتصرف، لا هدف أمامي سوى خير الكنيسة وشعبها، ولكن النوايا الحسنة لا تكفي، والحزم والبطش الفارغين من المحبة والحنان قسوة وبطش وليست أبوة.

صمت مرة ثانية، ثم عاد ليقول:
– أعتذر أمامكم وأطلب الغفران من الآباء، آباء مجمع مطرانيتنا الحبيبة، أعتذر منكم حين قلت ذات مرة “اللي عاوز يمشي، يمشي.. اللي عاوز يستقيل، يستقيل.. اللي عاوز يقدم خلو طرف، يقدم وأنا هقبله.. الكنيسة و الخدمة مش بتقف على حد.”

صمت تام داخل المطرانية، والجميع يرى لأول مرة الأسقف الصُلب يزرف دمعًا كالأطفال:
– أنا أسف يا آباء، الكنيسة بتقف على واحد، أه، والخدمة بتحتاج كل واحد، والراعي الصالح هو اللي يجري ويدور على الواحد، مش يمشيه بإيده، أنا أسف ليكم ولأي حد جرحته ومعرفتش أعصب، الراعي الصالح “يجرح ويعصب، يسحق ويداه تشفيان”، آسف إني كنت بقيم خدمة كل أب فيكم من خلال دفتر تبرعاته، مش من خلال خدمته وتعليمه، أنتم دوركم أعظم من مجرد جمع دفتر تبرعات، أنتم ابريسڤيتيروس عن الشعب، آسف إني كنت جيد في التأديب والحكم، وكنت أب فاشل في المحبة والاحتواء، لا أقول أني كنت ظالمًا، بالعكس، حسب المعطيات التي توفرت لدي في كل الموضوعات أو معظمها راعيت فيها العدل، ولكن حتى العدل كان ينبغي أن يمتزج بالرحمة ويغلفان بالأبوة.

أمسك الأسقف منديلًا و مسح جبينه وهو يُكمل:
– لا أقول إني سأتغير بين ليلة وضحاها، ولكني سأحاول، سأحاول أن أكون الأب الذي طالما رجوتموه وحلمتم به، أطلب من كل شخص أسأت إليه، أو قسوت عليه، وزجرته بغضب أن يسامحني ويصلي من أجلي.

ثم التفت إلى آباء الكنيسة و رفع صليبه أمام وجوههم:
– وأنتم أيها الآباء الأحباء، عليكم أن تسلكوا كالمسيح، الذي ائتزر بمنشفة وانحنى ليغسل أرجل تلاميذه، إن السلطان الأقوى الذي وهبه المسيح لتلاميذه لم يكن إلا سلطان الحب.

ظلت هذه الجملة الأخيرة تتردد مرات ومرات في آذن أبونا بطرس وهو يفيق من نومه وسط طرقات مستمرة وأجراس متتالية على باب شقته وموبايله المحمول ليقوم ليفتح الباب ليجد أبونا يوناثان يصرخ في وجهه قائلًا:
– يلا يا أبونا، تأخرنا، فضلت مستني قدسك ولما لاقيتك اتأخرت، أخدت تاكسي وجيت لقدسك.

أبونا بطرس كان مندهش تمامًا، ويحاول أن يفيق نفسه، وظل يردد:
– حُلم جوه حُلم، حُلم جوه حُلم، حُلم جوه حُلم.

– يلا يا أبونا اجهز بسرعة، هنتأخر على أبونا أنجيلوس، هيبقى قمص من غيرنا؟!

في دقائق قليلة، غسل أبونا بطرس وجهه، وارتدى الفراجية، واستوعب ما حدث ونزل مع أبونا يوناثان، وهما في السيارة في طريقهم للمطرانية، حكى له الحلم الأول الذي يبدو في نهايته أغلق منبه الموبايل، ليستغرق في حلمه الثاني، وكيف أن الأسقف في الحُلم الثاني كان أبًا حنونا وطلب من الجميع الحل والغفران.

وسأل أبونا بطرس أبونا يوناثان:
– تفتكر يا أبونا ممكن الحلم ده في يوم الأيام يبقى حقيقة؟!

كانا قد وصلا إلى المطرانية، فنزلا من السيارة، وأسرعوا إلى داخل المطرانية حتى يحضروا باكر من بدايته، وعندما دخلا هرول تجاههم أبونا أنجيلوس وهو في غاية السعادة والسرور، وحضنهم وقبلهم بشدة وشكرهم على الحضور.

ورأهم الأسقف من بعيد وأشار إليهم حتى يأتوا إليه، فذهبا وضربا كلاهما ميطانية، فمد الأسقف يده ليرفع أبونا يوناثان إليه و يساعده على النهوض:
– أنا آسف يا أبونا على امبارح، أرجوك حاللني.

نظر أبونا بطرس بتعجب شديد تجاه الأسقف فقد رأى هذا المشهد وهو نائم في الحلم، فهل يا ترى سيتحول الحلم إلى حقيقة، أم أن الحُلم سيظل مجرد حُلم؟!!

تمت..

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي حسب تقييمات من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

جزء من سلسلة: دفتر تبرعات[الجزء السابق] 🠼 [٢٢] حكمة الكاهن الكبير