في الأيام الأخيرة انتشرت مقاطع وصور لطلاب إحدى المدارس المصرية وهم يمزقون كتبهم الدراسية بشكل جماعي داخل فناء المدرسة، بعد انتهاء امتحانات شهر أبريل، وكأنهم أنهوا العام الدراسي بالكامل. المشهد بالنسبة للكثيرين كان صادمًا ومستفزًا، وظهرت سريعًا تعليقات تتهم الطلاب بالجهل، وانعدام المسؤولية، وعدم تقدير قيمة التعليم.
لكن الحقيقة أن قراءة المشهد بهذه البساطة قد تكون نوعًا من الهروب من السؤال الأهم: لماذا وصل الطلاب أصلًا إلى هذه الحالة من النفور تجاه التعليم؟ لماذا تحول الكتاب إلى عبء؟
من المهم أولًا أن نفهم أن فكرة التخلص من الكتب بعد انتهاء العام الدراسي ليست أمرًا جديدًا في الثقافة المصرية. أجيال كثيرة كانت تعتبر نهاية العام الدراسي لحظة راحة وتحرر من الضغط، فيتم بيع الكتب القديمة أو توزيعها على من يحتاجها أو حتى إلقاؤها في القمامة بعد انتهاء الامتحانات وظهور النتيجة. بل إن كثيرًا من الأسر قديمًا كانت تحتفظ بالكتب والكشاكيل ليستفيد منها الإخوة الأصغر سنًا، أو للرجوع إليها لاحقًا عند الحاجة.
لكن المختلف هذه المرة أن الأمر لم يحدث بعد انتهاء العام الدراسي، بل بعد امتحانات شهرية فقط، وقبل امتحانات نهاية العام بأيام قليلة، وبصورة جماعية واستعراضية داخل المدرسة نفسها. وهنا يتحول المشهد من مجرد “تصرف طلابي متهور” إلى رسالة نفسية واجتماعية أعمق بكثير.
الطلاب -خصوصًا في مرحلتي الطفولة والمراهقة- لا يمتلكون دائمًا اللغة الفكرية أو النفسية التي تمكنهم من التعبير عن شعورهم بالضغط أو فقدان المعنى، لذلك يتحول الاحتقان أحيانًا إلى سلوك جماعي صاخب: تمزيق، فوضى، صراخ، احتفال مبالغ فيه، أو سخرية من كل ما يرمز إلى المدرسة.
وكأن الرسالة الخفية تقول: “نحن لا نحتمل هذا كله.”، ربما لا يكون الجهل هو السبب الحقيقي لما حدث، بل الكبت والضغط المستمر وفقدان الهدف. فالطالب اليوم يعيش داخل منظومة مزدحمة:
- مناهج ضخمة ومكدسة.
- معلومات كثيرة لا يرى ارتباطها بحياته الواقعية.
- امتحانات وتقييمات شبه يومية.
- ضغط نفسي متواصل على الأسرة والطالب والمعلم معًا.
- احساس متزايد بأن التعليم أصبح مجرد سباق درجات لا رحلة فهم واكتشاف.
وفي الوقت نفسه، يعيش هذا الجيل داخل عالم مختلف تمامًا عن الأجيال السابقة؛ عالم يرى فيه أن الشهرة السريعة على مواقع التواصل قد تصنع نجاحًا وثروة أسرع من سنوات طويلة من الدراسة والعمل التقليدي.
لذلك يشعر كثير من الطلاب أن التعليم يُفرض عليهم فرضًا، لا لأنه يحمل معنى حقيقيًا بالنسبة لهم، بل لأنه مجرد مسار إجباري يجب اجتيازه. ومن هنا تصبح المشكلة أخطر من مجرد تمزيق كتاب.
المشكلة الحقيقية تبدأ حين يفقد الطالب علاقته الطبيعية بالمعرفة نفسها، وحين يتحول الكتاب الذي كان يومًا رمزًا للتعلم إلى رمز للضغط والاختناق والرغبة في الهروب.
لا يعني هذا تبرير السلوك أو اعتباره أمرًا طبيعيًا تربويًا، لكن من الخطأ أيضًا اختزال القضية في اتهام الأطفال وحدهم بالفساد أو انعدام التربية.
فالمنظومة بأكملها تعاني: الأسرة مرهقة. المعلم مضغوط. الطالب فاقد للحافز. والمدرسة في كثير من الأحيان تتحول إلى ماكينة امتحانات أكثر من كونها مساحة للنمو والتفكير.
وربما يكون أخطر ما كشفه هذا المشهد هو أن عددًا كبيرًا من الطلاب لم يعودوا يشعرون أن ما يتعلمونه يحمل قيمة حقيقية لمستقبلهم أو لحياتهم.
وعندما يفقد التعليم معناه، يتحول إلى عبء ثقيل يحاول الجميع التخلص منه بأسرع طريقة ممكنة. ولهذا، بدلًا من الاكتفاء بالغضب من الأطفال، ربما نحتاج أولًا أن نسأل أنفسنا بصدق: هل ما زال التعليم الذي نقدمه لأبنائنا قادرًا فعلًا على إقناعهم بأنه يستحق كل هذا العناء؟
