لم تمر أيام قليلة منذ جلس الأنبا شنودة، أسقف التعليم، على كرسي القديس مرقس في 14 نوفمبر 1971 ليكون البابا رقم 117، إلا وأعلن موقفه الرافض للائحة 1938 الخاصة بالأحوال الشخصية للمسيحيين، وأطلق عبارته الشهيرة “لا طلاق إلا لعلة الزنا” التي تحولت فيما بعد على يده، ومن بعده الأساقفة الموالين له ومحبيه، إلى آية من ضمن نصوص الكتاب المقدس.
وهي ليست المرة الأولى، فقد تم اختراع عبارة تقول “من يكرمكم يكرمني, ومن يكرمني يكرم الذي أرسلني”، لإضافة هالة من الكرامة على الإكليروس. وهذه لم يقلها المسيح، بل هي من إضافات البابا شنودة، وروجها من بعده أساقفة مثل الأنبا بولا، معد مشروع قانون الأحوال الشخصية الذي يتم الترويج له حاليًا، ويحمل ألغامًا قد تنفجر في وجه المجتمع كله. [1]
أربعة أيام فقط كانت الفاصل بين جلوس البابا شنودة على الكرسي وصدور القرار البابوي رقم 7 في 18 نوفمبر 1971 بعنوان “ﻻ طلاق إلا لعلة الزنا”، ونشرت هذه القرارات فيما بعد في مجلة الكرازة في عام 1972.
1- عملا بوصية الرب في اﻹنجيل المقدس، لا يجوز التطليق إلا لعلة الزنا. فقد ورد في تعليم السيد المسيح له المجد في عظته على الجبل، قوله:وأما أنا فأقول لكم أن من طلق امرأته إلا لعلة الزنا يجعلها تزني. (متى 5: 32). وقد كرر الرب هذه الوصية في إجابته على الفريسيين إذ قال لهم:
أقول لكم إن كل من طلق امرأته إلا بسبب الزنا وتزوج بأخرى يزني(متى 19: 9)من طلق امرأته وتزوج بأخرى يزني عليها(مرقس 10: 11)
2- كل طلاق يحدث لهذه لغير هذه العلة الواحدة لا تعترف به الكنيسة المقدسة وتعتبر أن الزواج- الذي حاول هذا الطلاق أن يفصمه- ما يزال قائما.صدر بالمقر البابوي
في ١٨/ ١١/ ١٩٧١البابا شنودة الثالث
بابا اﻹسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية
اللافت للنظر في هذا القرار هو الخطأ في كتابة رقم اﻵية من الشاهد اﻹنجيلي في اﻻقتباس من إنجيل متى ويبدو أن هذا خطأ مطبعي ليس إلا، ومن التاريخ الصادر فيه القرار بعد 4 أيام من الجلوس على الكرسي فإن هذا أمر يشغل البابا الجديد قبل جلوسه على الكرسي.
واستكمل البابا شنودة بالقرار رقم 8 الصادر في 18 ديسمبر 1971 بعنوان “عدم زواج المطلقات”، ما جاء بالقرار السابق، وأكد فيه أنه لا يجوز زواج المطلقة عملا بوصية السيد المسيح له المجد
، وأعاد ذكر اﻵيات من إنجيل متى في القرار السابق، وغيرها من اﻵيات من إنجيلي مرقس ولوقا، وأضاف المرأة المطلقة إما أنها طلقت بسبب زناها، أو لسبب آخر غير الزنا. فإن كانت طلقت بسبب زناها فإن اﻹنجيل المقدس لا يسمح لها بالزواج مرة ثانية حسب النصوص المقدس التي أوردناها، إذ أن هذه المرأة ﻻ يمكن أن تؤتمن على زواج جديد
. 
ثم أكمل البابا شنودة في قراراه أما إن كانت قد طلقت لقرار غير الزنا. فإن هذا الطلاق يعتبر باطلا حسب وصية الرب في اﻹنجيل ويكون الزواج الذي حاول هذا الطﻻق أن يفصمه ما يزال قائما، فإن تزوجت تكون قد جمعت بين زوجين وتعتبر زانية حسب وصية الرب
.
وأضاف أنه أما إن حدث التطليق لسبب زنا الزوج، فإن المرأة البريئة من حقها أن تتزوج. ويدخل في نطاق زنا الزوج، زواجه بامرأة أخرى بعد طلاق بغير علة الزنا لا تقره الكنيسة
. ومنع الكهنة من عقد زواج لمطلقة إلا بعد عرضه على المجلس اﻹكليريكي اﻷعلى للأحوال الشخصية.
هنا قرر البابا شنودة استخدام اﻵيات بمعنى حرفي ودون ذكر السياق الذي عاشه الناس في زمن السيد المسيح، وكيف نفهم ما قاله السيد المسيح عن الزواج والطلاق وفق ظروف زمنه ومشكلاتهم، وهل ما ينتهجه البابا شنودة يسير مع نهج المسيح في تغليب الرحمة على الذبيحة؟ وتغليب راحة اﻹنسان أمام قيود الشريعة؟ [2]
سؤال آخر يطرح نفسه لماذ هذا الموقف المُبيّت الرافض الطلاق؟ ولماذا هو ضد الزواج الثاني؟
ربما تكون اﻹجابة بالعودة إلى طفولة الطفل نظير جيد، الذي ولد في 3 أغسطس عام1923، وتوفيت والدته بعدها بعدة أيام بسبب حمى النفاس، وتركه أبوه ﻹخوته ثم تزوج مرة أخرى، فقد حرم الطفل نظير جيد من أمه بسبب الموت ومن أبوه بسبب الزواج مرة أخرى فلم يهتم اﻷب بتسجيل ابنه واستخراج شهادة ميلاد له ، وهذا قد سبب له جرح كبير في داخله، خاصة أنه حصل على الرضاعة من أكثر من سيدة في قرية السلام بأسيوط التي ولد بها. [3]
وبسبب ما حدث له في الطفولة وهو أمر صعب على طفل، قد يكون أثر ذلك على قرراته حينما اعتلى سدة الكرسي المرقسي، وقرر الحفاظ على اﻷسرة والزواج من وجهة نظره وعدم السماح بالزواج الثاني مرة أخرى. [4]
فإن كنا نتضامن مع الطفل نظير جيد ونشعر بآﻻمه، لكن لا يجب أن تتحكم مخاوف هذا الطفل في البابا شنودة الثالث ولا في الكنيسة كلها حتى من بعد رحيله، ﻷن ما أعتبره خطأ وحاول منعه -من وجهة نظره- واستمرار تكراره وفرضه على المسيحيين في مصر، يؤدي إلى أخطاء أكبر وأكثر مما نتخيل.
باحث وكاتب صحفي متابع للشأن الكنسي وشؤون الأقليات.
زميل برنامج زمالة الأقليات- مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان- الأمم المتحدة، جنيف/ ستراسبرج 2023.
زميل برنامج "الصحافة للحوار" مركز الحوار العالمي (كايسيد) لشبونة 2022.

