أقدمت بسنت سليمان، “سيدة مطلقة” على إنهاء حياتها يوم الأحد 12 أبريل، لتسلط الضوء برحيلها المأساوي على ثغرات قوانين الأحوال الشخصية وافتقارها للعدالة. فهذه المنظومة لا تجور على حقوق النساء والأطفال فحسب، بل ترهق كاهل الرجال أيضًا؛ إذ تمنحهم صلاحيات واسعة مقابل تحميلهم مسؤوليات فردية تفوق طاقتهم.
وفي ظل واقع اقتصادي تجد فيه النساء أنفسهن مضطرات لتحمل العبء الأكبر في رعاية الأسرة بسبب الضغوط اﻻقتصادية التي نعشها، تستمر منظومة اﻷحوال الشخصية في تهميشهن بدلًا من ترسيخ قيم المساواة والتشاركية. ما يؤثر بالسلب على أجيالٍ جديدة تعاني من ندوب نفسية عميقة، قد تدفعهم مستقبلًا إما لتكرار ذات المآسي أو العزوف تمامًا عن فكرة الزواج وتكوين أسرة.
إذا كانت بسنت أقدمت على اﻻنتحار وإنهاء حياتها فهناك واقعة لسيدة مصرية تدعى چيهان كيرلس قتلت على يد زوجها في 18 مايو 2019 في أستراليا، فرغم أن القوانين تسمح لها في أستراليا باﻻنفصال بسهولة إذا تعرضت للعنف، لكنها استمعت لتعليمات كهنة الكنيسة الذين لا يؤيدون الطلاق، وكان النتيجة مقتلها.
عقب واقعة بسنت اﻷليمة، دعا الرئيس عبد الفتاح السيسي مجلس النواب لمناقشة تعديلات قوانين اﻷحوال الشخصية، سواء فيما يخص القانون العام الذي يحكم غالبية المواطنين المصريين من المسلمين، أو قانون اﻷحوال الشخصية الموحد الذي يُناقش منذ عام 2014، ولم تتفق الكنائس المختلفة في مصر على مشروع القانون حتى اﻵن، وما كان يتسرب من نسخ مسودات خلال اﻷعوام الماضية، كان يوحي بأن القانون سيكون به مشاكل كبيرة، ولن يحل اﻷزمات التي تشكلت عبر السنوات في حبرية البابا الراحل شنودة الثالث، وهنا نحتاج لوقفة حتى ﻻ تصدر قوانين جديدة تزيد الطين بلة بدلًا من معالجة الأزمة.
ظهرت بودار تعديل قوانين اﻷحوال الشخصية حينما ناقش أكثر من مسلسل في الموسم الرمضاني هذا العام ظاهرة اﻻنفصال وموضوع الحضانة والرؤية بالنسبة للأب، وهو ما واجه انتقادات عدة على مواقع التواصل اﻻجتماعي من نساء منفصلات عن أزاجهن ويعانين من مشكلات مختلفة مع اﻷزواج السابقين فيما يخص النفقة والحضانة، وكما هو الحال في واقعة بسنت التي عانت مع طليقها.
وإذا كان الحكومة والبرلمان يريدون اﻻستجابة لتوجيهات الرئيس بتعديل قوانين اﻷحوال الشخصية فيجب أولا وقبل إصدار أي قانون إجراء حوار مجتمعي موسع مع مختلف الفئات من المواطنين خصوصًا من لديهم مشكلات تتعلق بالطلاق وما يترتب عليه من مشكلات واﻻستماع إلى معاناتهم وما ينتظرونه من القوانين.
إذا كنا نعاني من سيطرة المؤسسات الدينية على قوانين اﻷحوال الشخصية، فعلى الدول أن تؤدي دورها تجاه مواطنيها وﻷن تضع قانون عام فيما يخص إجراءات عقد الزواج أو اﻻنفصال، وتكون موحدة على كل المواطنين باختلاف أدايانهم، ومن يرغب في إقامة شعائر دينية فيما يخص زواجه فهذا يخص الطرفين المتزوجين ويكون شأن داخلي مع المؤسسة الدينية، التي لا يجب أن تظهر عند عقد الزواج أو الطلاق أمام الدولة.
وعلى الدولة أن تتجه إلى العهود والمواثيق الدولية التي وقعت عليها ليُبنى عليها قانون اﻷحوال الشخصية الجديد، فتساوي بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات، وأن تلجأ الدولة للمجتمع المدني ليساعدها في نشر ثقافة المساواة والتشاركية بين الرجل والمرأة، بدلًا من تهميش النساء وتحميل الرجال ما لن يستطيعوا تحمله بمفردهم، خاصة أن عالمنا اليوم يحتاج أن نتحرر من القوانين والمفاهيم القديمة، في ظل ظروف اقتصادية، تجعل النساء تشارك بقوة في سوق العمل، بل وفي أحيان كثيرة تكون المرأة هي العائل الوحيد للأسرة والمسؤول عن احتياجاتها المادية سواء لغياب اﻷب او الزوج بالوفاة أو الطلاق أو في حالات المرض والعجز التي لا تسمح للرجل بالعمل.
لذا فعلى الدول أن تحرر نفسها من أية قيود وتمارس دورها تجاه مواطنينها بقوانين واضحة وإجراءات بسيطة توضح حقوق وواجبات الرجل والمرأة عند عقد الزواج وعند فضه، وأن تراعي مصلحة اﻷطفال فوق كل اعتبار، فإجراءات غير هذه ستظل معاناة المواطنين مع قوانين اﻷحوال الشخصية بل وستزيد التعديلات الجديدة المشكلات وقد تؤدي ﻻحتقان أكبر داخل المجتمع.
باحث وكاتب صحفي متابع للشأن الكنسي وشؤون الأقليات.
زميل برنامج زمالة الأقليات- مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان- الأمم المتحدة، جنيف/ ستراسبرج 2023.
زميل برنامج "الصحافة للحوار" مركز الحوار العالمي (كايسيد) لشبونة 2022.
