المقال رقم 6 من 3 في سلسلة كرازة المسيح في الجحيم

نواصل مع آباء الكنيسة حول كرازة المسيح في الجحيم.

مكاريوس الكبير

يتحدث ق. مكاريوس السكندري عن إخراج المسيح للنفوس من الجحيم والموت وردها إليه مرةً أخرى، وهكذا أطلق نفوس أبناء المأسورين لدى إبليس، وأعاد نفوس آدم وبنيه إليه كالتالي: [1]

هنا يأتي الرب إلى الموت، ويحاوره ويأمر سلطان الموت أن يُخرِج النفوس من الجحيم والموت، ويردها إليه. وكأن الموت قد انزعج من أمر الرب، وكأنه يذهب إلى خدامه ويجمعهم معًا مع كل قواته، ويأتي رئيس الشر بوثيقة الدَّين، وكأنه يقول: 'أنظر فإنهم قد أطاعوا كلماتي، أنظر كيف صار بني البشر عبيدًا لنا‘. ولكن الرب لكونه ديَّان عادل يُظهِر عدله هنا أيضًا، وكأنه يقول للشيطان: 'إن آدم قد أطاعك، وأنت قد امتلكت قلوب كل البشر، وكل البشرية أطاعتك، ولكن ما الذي يفعله جسدي هنا، إن جسدي هو بلا خطية، وإن كان جسد آدم الأول قد صار تحت سلطانك، ولك الحق أن تستعبده بسبب الخطيئة، ولكن من جهتي أنا فالجميع يشهدون أني لم أخطئ قط، ولذلك ليس لك فيَّ شيء بالمرة، بل الكل يشهدون أني أنا ابن الله، وقد جاء الصوت من أعلى السماوات، وشهد لي على الأرض قائلاً: هذا هو ابني الحبيب له اسمعوا [2]، [3]. لقد شهد يوحنا أيضًا قائلًا: هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم [4]. ويقول الكتاب أيضًا: الذي لم يفعل خطية، ولا وُجِدَ في فمه غش [5]، [6]، وأيضًا: رئيس هذا العالم يأتي وليس له فيَّ شيء [7]. وكأن الرب يقول للشيطان، وأنت نفسك شهدت لي قائلًا: أنا أعرفك مَن أنت، قدوس الله [8]، أنك أنت ابن الله [9]، وقلت أيضًا: ما لنا ولك هل أتيت قبل الوقت لتهلكنا [10]. إن هناك ثلاثة شهود يشهدون لي -الأول هو الآب الذي أرسل الصوت من السماء، والثاني هم الذين شهدوا لي على الأرض، والثالث هو أنت بعينك. وكأن الرب يقول للشيطان: 'ولذلك فأنا أفتدي الجسد الذي باعه لك آدم الأول، وأُبطِل صكوكك بصليبي. لقد دفعت ديون آدم حينما صُلِبت ونزلت إلى الجحيم، والآن أنا آمرك أيها الجحيم، والظلمة، والموت، أن تُطلِق نفوس أبناء آدم المأسورين‘، وهكذا فالقوات الشريرة تُصاب برعبٍ شديدٍ، وتضرب بالفزع، وتعيد نفوس آدم وبنيه التي كانت محبوسة.

(، عظات ق. مكاريوس الكبير)

ويتحدث ق. مكاريوس عن نزول المسيح إلى أعماق الجحيم لينقذ النفس الإنسانية الغارقة في هوية الظلمة وعمق الموت من أعماق الجحيم والموت كالتالي: [11]

وبنفس الطريقة فإن النفس التي غطست وغرقت في هاوية الظلمة وعمق الموت، تنفصل عن الله في صحبة الحيوانات المخيفة، [هذه النفس] مَن الذي يستطيع أن ينزل إلى الأماكن المخيفة وإلى أعماق الجحيم والموت لينقذها إلا ذلك الخبير والصانع العظيم الذي خلق النفس والجسد. وهو بشخصه يدخل إلى الناحيتين، إلى عمق الجحيم وإلى عمق القلب، حيث يكون الموت ممسكًا بالنفس وأفكارها، ويُخرِج آدم المائت من الهاوية المظلمة. إذًا، فحتى الموت نفسه -عن طريق التمرن والخبرة- يصير مساعدًا للإنسان، كما يفعل الماء مع السبَّاح.

(مكاريوس الكبير، عظات ق. مكاريوس الكبير)

مار أفراهاط الفارسي

يتحدث مار أفراهاط عن نزول المسيح إلى الجحيم، وحينما رأه الموتى ذهبوا إليه ليصعدوا معه وهكذا أخرج المسيح بسلطانه كل المحبوسين فخرجوا إليه ليروا النور كالتالي: [12]

وحين جاء يسوع قاتل الموت، لبس جسدًا من زرع آدم، وصُلِبَ بجسده وذاق طعم الموت. وحين أحسَّ الموت أنه نزل إليه، أخذ يرتجف في موضعه، ويضطرب لما رأى يسوع. فأوصد أبوابه، وما أراد أن يستقبله. حينئذ حطَّم يسوع أبوابه ودخل يسلبه مقتنياته. وحين رأى الموتى النور في الظلمة، رفعوا رؤوسهم من سجن موتهم، وتطلعوا فرأوا بهاء الملك المسيح. حينئذ جلست قوات الظلمة تبكي، لأن الموت ذُلَّ وحُرِمَ من سلطانه. ذاق الموت السم الذي يقتله، فتراخت يداه وعرف أن الموتى سيحيون ويفلتون من عبوديته. وحين أُجبِرَ الموت على التجرُّد من مقتنياته، ولول وصرخ بصوت كله مرارة، وقال ليسوع: 'أُخرج من موضعي ولا تعد تدخل إليه. مَن هو هذا، ليدخل حيًا إلى موضعي!‘، وأخرج الموت أصواتًا غريبةً، إذ رأى أن الظلمة بدأت تنقشع، وأن الأبرار الراقدين قاموا ليصعدوا معه. وعرف أنه حين يأتي في نهاية الزمن، يُخرِج بسلطانه كل المحبوسين، فيخرجون إليه ليروا نوره. وحين أتَّم يسوع خدمته لدى الموتى، أفلته الموت من موضعه، ولم يتحمل أن يبقى هنا. ولم يلذ له أن يأكله كسائر الموتى، كما لم يكن له سلطان على الطاهر، فلم يمسه الفساد [13].

(أفراهاط الفارسي، المقالات)

الليتورجية القبطية

وهناك العديد من الإشارات إلى نزول المسيح إلى الجحيم وكرازته للأرواح التي هناك موجودة في ال القبطية، سوف نستعرض بعضها في بحثنا هذا، حيث يصلي الكاهن في طلبة ”تجسد وتأنس“ في صلاة الصلح بالقداس الباسيلي، مشيرًا إلى نزول المسيح إلى الجحيم من قِبل الصليب قائلًا: [14]

هذا الذي أحب خاصته الذين في العالم، وأسلَّم ذاته فداءً عنا إلى الموت الذي تملك علينا. هذا الذي كنا ممسكين به، مبيعين من قِبل خطايانا، نزل إلى الجحيم عن طريق الصليب.

(، ال المقدس وخدمة الشماس)

ويصلي الكاهن أيضًا في طلبة ”أنت الكائن في كل زمان“ في صلاة الصلح ب، مؤكدًا على إطلاق المسيح للأسرى في الجحيم قائلًا: [15]

وباركت طبيعتي فيك. وأكملت ناموسك عني. وأريتني القيام من سقطتي. أعطيت إطلاقًا لمن قُبِضَ عليهم في الجحيم. أزلت لعنة الناموس. أبطلت الخطيئة بالجسد.

(إيسيذوروس البراموسي، الخولاجي المقدس وخدمة الشماس)

ويصلي الكاهن أيضًا في قسمة للابن تُقال في ، مشيرًا إلى نزول المسيح إلى الجحيم وإبطاله عز الموت كالتالي: [16]

يا يسوع المسيح ذا الاسم المخلص الذي بكثرة رحمته نزل إلى الجحيم وأبطل عز الموت. أنت هو ملك الدهور، غير المائت، الأبدي، كلمة الله، الذي على الكل.

(إيسيذوروس البراموسي، الخولاجي المقدس وخدمة الشماس)

ويصلي الكاهن أيضًا في قسمة للابن تُقال في القيامة، مشيرًا إلى نزول المسيح إلى الجحيم وإبطاله عز الموت، وسبيه للأرواح من يد إبليس، وإعطائه للناس الكرامات كالتالي: [17]

هذا هو الجسد الذي أخذه من سيدتنا وملكتنا كلنا القديسة مريم، وجعله واحدًا مع لاهوته. هذا هو الذي نزل إلى الجحيم، وأبطل عز الموت، وسبى سبيًا، وأعطى الناس كرامات. رفع قديسيه إلى العلاء معه، أعطاهم قربانًا لأبيه. بذوقه الموت عنا خلَّص الأحياء، وأعطى النياح للذين ماتوا. ونحن أيضًا الجلوس في الظلمة زمانًا، أنعم علينا بنور قيامته من قِبل تجسده الطاهر. فليضيء علينا نور معرفتك الحقيقة لنضي بشكلك المحيي.

(إيسيذوروس البراموسي، الخولاجي المقدس وخدمة الشماس)

ويصلي الكاهن أيضًا في قسمة للآب تُقال في والخمسين، مؤكدًا على نزول المسيح إلى الجحيم من قِبل الصليب، ورده لأبينا آدم وبنيه إلى الفردوس وإبطاله عز الموت بموته كالتالي: [18]

أيها السيد الرب الإله ضابط الكل أبو ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح، الذي من قِبل صليبه نزل إلى الجحيم، وردَّ أبانا آدم وبنيه إلى الفردوس. ودفننا معه، بموته أبطل عز الموت، وفي ثالث يوم قام من الأموات.

(إيسيذوروس البراموسي، الخولاجي المقدس وخدمة الشماس)

وتصلي الكنيسة ترنيمة القيامة من قداس عيد القيامة المجيد من ليلة العيد إلى الأحد الخامس من الخماسين وباكر ، حيث يذكرون سبي المسيح للجحيم سبيًا، وتحطيمه لأبوابه ، وكسره لمتاريسه الحديد، وتجديده للأجسام والأرواح، وإبداله العقوبة خلاصًا، وإعادته آدم إلى الفردوس، وفوز المؤمنين بالصفح عن القصاص كالتالي: [19]

قد قام الرب مثل النائم. وكالثمل من الخمر. ووهبنا النعيم الدائم. وعتقنا من العبودية المرة. وسبى الجحيم سبيًا. وحطَّم أبوابه النحاس. وكسَّر متاريسه الحديد كسرًا. وأبدَّل لنا العقوبة بالخلاص. وأعاد آدم إلى الفردوس. بفرح وبهجة ومسرة. اليوم انتشرت أعلام الخلاص. وتجددت الأجسام والأرواح. هو وبنيه الذين كانوا في الحبوس. محل النعيم دفعة أخرى. وفاز المؤمنون بالصفح عن القصاص. ومجَّدوا الله بالتسابيح والأفراح.

(ترتيب أسبوع الآلام حسب طقوس الكنيسة الأرثوذكسية، تقديم ومراجعة: القس غبريال)

وتحتفل الكنيسة في إبصالية واطس في باكر يوم سبت الفرح بخلاص آدم و وجنسهما من الجحيم المملوء كآبةً كالتالي: [20]

يا يسوع الحي غير المائت، أبطلت الموت بموتك، وحرَّرت العالم كله، وسحقت شوكة ، والحية الصماء، وأخزيتهما بقوتك. ثم خلَّصت شعبك آدم وحواء وجنسهما من الجحيم المملوء كآبةً. فلنقل بفرحٍ مع داود المبارك قم يارب لماذا تنام؟ مَن يشبهك في الآلهة أنت هو إله الآلهة نسبحك بأنواع كثيرة، تباركت يا يسوع المصلوب؛ لأنك أبدَّلت حزننا إلى فرح، وخلَّصتنا من عبوديتنا المرة.

(ترتيب أسبوع الآلام حسب طقوس الكنيسة الأرثوذكسية، تقديم ومراجعة: القس غبريال)

وتصلي الكنيسة في طرح الإنجيل الرابع في الساعة التاسعة من يوم مؤكدةً على كرازة المسيح في الجحيم للمسبيين هناك كالتالي: [21]

وصاح بصوتٍ عظيمٍ وأسلَّم الروح. مَن يبشر المسبيين بالذي ذاق الموت عنهم، ومَن الذي يسبق إلى الفردوس فيهيئ الطريق للملك. افرحوا اليوم أيها الأبرار والأنبياء والبطاركة والصديقين. والإنسان الأول الرأس الذي عتق في الحزن، قد تجدد اليوم بالإنسان الجديد الذي قتل الموت، وأبطل عزه، وشوكته المرة كسَّرها وقطَّعها. الله الكلمة بكمالها ومضى إلى الجحيم بالنفس التي أخذها من طبيعة آدم، وجعلها واحدًا معه والنفوس التي كانت في السجن أصعدها معه كعظيم رحمته، والعدو الأخير الذي هو الشيطان قيَّده بالقيود والسلاسل. فما رآه البوابون الأشرار والقوات الكائنة في الظلمة هربوا، ولم يطيقوا الثبوت؛ لأنهم عرفوا قوته وكثرة جبروته، فكسَّر الأبواب بسلطانه، والمتاريس الحديد سحقها، وأما المسبيون إذ رأوا الرب يسوع مخلص نفوسهم، صرخوا بصوت قائلين: حسنًا جئت، أيها المنقذ عبيده، ثم أمسك أولاً بيد آدم فاجتذبه وأصعده وبنيه معه. وأدخلهم إلى الفردوس مسكن الفرح والراحة.

(ترتيب أسبوع الآلام حسب طقوس الكنيسة الأرثوذكسية، تقديم ومراجعة: القس غبريال)

‎ ‎ هوامش ومصادر: ‎ ‎
  1. مكاريوس الكبير، عظات ق. مكاريوس الكبير، ترجمة: د. ، القاهرة: ، 2014، عظة 11: 10، ص 108، 109. [🡁]
  2. إنجيل متى 3: 17 [🡁]
  3. إنجيل متى 17: 5 [🡁]
  4. إنجيل يوحنا 1: 29 [🡁]
  5. سفر إشعياء 53: 9 [🡁]
  6. رسالة بطرس اﻷولى 2: 22 [🡁]
  7. إنجيل يوحنا 14: 30 [🡁]
  8. إنجيل مرقس 1: 24 [🡁]
  9. إنجيل مرقس 3: 11 [🡁]
  10. إنجيل متى 8: 29؛ إنجيل لوقا 4: 34 [🡁]
  11. مكاريوس الكبير، عظات ق. مكاريوس الكبير، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2014، عظة 11: 12، ص 111. [🡁]
  12. أفراهاط الفارسي، المقالات، ترجمة: الخوري ، لبنان: ، 2007، المقالة 22: 4، ص 337، 338. [🡁]
  13. مزمور 16: 10 [🡁]
  14. إيسيذوروس البراموسي، الخولاجي المقدس وخدمة الشماس، مراجعة وتقديم: نيافة الأنبا متاؤوس ، القاهرة: مكتبة مار جرجس بشبرا، 1994، ص 153. [🡁]
  15. إيسيذوروس البراموسي، الخولاجي المقدس وخدمة الشماس، مراجعة وتقديم: نيافة الأنبا متاؤوس أسقف ، القاهرة: مكتبة مار جرجس بشبرا، 1994، ص 201. [🡁]
  16. إيسيذوروس البراموسي، الخولاجي المقدس وخدمة الشماس، مراجعة وتقديم: نيافة الأنبا متاؤوس أسقف دير السريان، القاهرة: مكتبة مار جرجس بشبرا، 1994، ص 250. [🡁]
  17. إيسيذوروس البراموسي، الخولاجي المقدس وخدمة الشماس، مراجعة وتقديم: نيافة الأنبا متاؤوس أسقف دير السريان، القاهرة: مكتبة مار جرجس بشبرا، 1994، ص 251. [🡁]
  18. إيسيذوروس البراموسي، الخولاجي المقدس وخدمة الشماس، مراجعة وتقديم: نيافة الأنبا متاؤوس أسقف دير السريان، القاهرة: مكتبة مار جرجس بشبرا، 1994، ص 251. [🡁]
  19. ترتيب أسبوع الآلام حسب طقوس الكنيسة الأرثوذكسية، تقديم ومراجعة: القس غبريال، القاهرة: مؤسسة مينا للطباعة، 1994، ص 741. [🡁]
  20. ترتيب أسبوع الآلام حسب طقوس الكنيسة الأرثوذكسية، تقديم ومراجعة: القس غبريال، القاهرة: مؤسسة مينا للطباعة، 1994، ص 670. [🡁]
  21. ترتيب أسبوع الآلام حسب طقوس الكنيسة الأرثوذكسية، تقديم ومراجعة: القس غبريال، القاهرة: مؤسسة مينا للطباعة، 1994، ص 590، 591. [🡁]

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي 0 حسب تقييمات 0 من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

‎ ‎ جزء من سلسلة: ‎ ‎ كرازة المسيح في الجحيم[الجزء السابق] 🠼 الآباء والكرازة في الجحيم [٤]
أنطون جرجس
بكالوريوس اللاهوت اﻷرثوذكسي في    [ + مقالات ]

صدر للكاتب:
ترجمة كتاب: "الثالوث"، للقديس أسقف هيبو [٢٠٢١]
كتاب: عظات القديس على سفر الجامعة [٢٠٢٢]
ترجمة كتاب: "ضد "، للقديس غريغوريوس النيسي [٢٠٢٣]
كتاب: الطبيعة والنعمة بين الشرق والغرب [٢٠٢٣]
كتاب: مونارخية الآب في تعليم آباء الكنيسة [٢٠٢٤]