المقال رقم 3 من 2 في سلسلة ملكوت وجحيم

أوريجينوس السكندري

يرى العلامة السكندريّ أن جوهر الحياة الأبدية يتألَّف من معرفة الله ويسوع المسيح قائلًا: [1]

لكن الآن دعَّنا نر ماذا يُعطَى مَن يطلبون هذه الأشياء. يقول: 'الحياة الأبدية‘. ويُعلِّمنا المخلِّص عن هذه الحياة عندما يقول: وهذه هي الحياة الأبدية: أن يعرفوك أنت الإله الحقيقيّ وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته [2]. بهذه الكلمات يُعرِّفنا أن جوهر الحياة الأبدية يتألف من معرفة الله ويسوع المسيح. لكن كيفية اقتنا ء معرفة الله هو ما تعلَّمناه في سفر المزامير حين يقول: كفوا واعلموا أني أنا الله [3].

(أوريجينوس، تفسير الرسالة إلى رومية ج1)

ويُؤكِّد العلامة أوريجينوس على نفس المعنى مُشِيرًا إلى أن أيّ أحد لا يعرف أبا ربنا يسوع المسيح، الإله الحقيقيّ وحده، وابنه يسوع المسيح، فهو غريب عن الحياة الأبدية كالتالي: [4]

هل تود أن تعرف أنه لا أحد يملك الحياة الأبدية سوى مَن يؤمن بالمسيح فقط؟ إذًا، لتسمع صوت المخلِّص نفسه يقولها بوضوحٍ في الأناجيل: وهذه هي الحياة الأبدية: أن يعرفوك أنت الإله الحقيقيّ وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته [5]. لذلك فأيّ أحد لم يعرف أبا ربّنا يسوع المسيح، الإله الوحيد الحقيقيّ، وابنه يسوع المسيح، فهو غريب عن الحياة الأبدية . بلا شك، هذه المعرفة ذاتها وهذا الإيمان يُوصَفان في هذا النص بالحياة الأبدية. إذًا، المكانة الأولى تخص المسيحيين الذين ستُعطَى لهم الحياة الأبدية؛ لأنهم يطلبون المجد والكرامة وعدم الفساد بالجهاد في الأعمال الصالحة. وهذه بالتأكيد نفس الحياة الأبدية التي تقول: أنا هو الطريق والحق والحياة [6]. لكن في المسيح، الذي هو الحياة الأبدية، يوجد الملء الكامل للصالحات [7].

(أوريجينوس، تفسير الرسالة إلى رومية ج1)

ويُشدِّد العلامة أوريجينوس على أن الحياة الأبدية هي الخير الأسمى، وأن هذه الحياة الأبدية هي أن يعرف الناس الإله الحقيقيّ وحده وابنه يسوع المسيح كالتالي: [8]

لكن تأمل الآن مَن يُدافِع عن حق الله، ومَن هو فيلسوف بحسب المسيح، الذي هو حق الله وحكمة الله [9]، كيف يعلم الناس أن الخير الأسمى هو الحياة الأبدية. فضلًا عن ذلك، هذه هي الحياة الأبدية أن يعرف الناس الإله الحقيقيّ وحده وابنه يسوع المسيح [10].

(أوريجينوس، تفسير الرسالة إلى رومية ج1)

غريغوريوس العجائبي

يُشِير ق. ّ إلى أن غايتنا النهائية نحن البشر تكمن في التشبُّه بالله بنقاء العقل، وأن ندنو منه ونخلد فيه قائلًا: [11]

أعتقد أن غايتنا النهائية تكمن في التشبُّه بالله بنقاء العقل، وأن ندنو منه، ونخلد [أو نسكن] فيه.

(غريغوريوس العجائبي، خطاب إلى المعلم أوريجينوس)

يرى ق. غريغوريوس العجائبيّ أيضًا أن فضيلة الألوهة بحسب القدماء هي نفسها فضيلة البشر، فإذَا اكتسبت الروح مهارة تأمل ذاتها كما في مرآة، ورؤية ذاتها كانعكاس للعقل الإلهيّ، وحافظت دومًا على كرامة هذه المشاركة، تُصبِح قادرةً على سلوك الدرب غير الموصوف، درب التألُّه قائلًا: [12]

أصاب القدماء في اعتبارهم، أن في تلك الوصية، تعبيرًا عن الدور الخاص للفطنة البشرية، لأن فضيلة الألوهة [بحسب رأيهم] هي نفسها فضيلة البشر. فإذَا ما اكتسبت الروح مهارة تأمُّل ذاتها كما في مرآة، ورؤية ذاتها كانعكاس للعقل الإلهيّ، وحافظت دومًا على كرامة هذه المشاركة، تُصبِح قادرةً على سلوك الدرب غير الموصوف، درب التألُّه.

(غريغوريوس العجائبي، خطاب إلى المعلم أوريجينوس)

فهل التألُّه والتشبُّه بالله يكون في مكان ماديّ جغرافيّ محدَّد الأبعاد كما يدَّعي البعض عن جهل وضيق أفق بالأمور الروحية والعالم الروحانيّ غير الماديّ؟!

ميثوديوس الأوليمبي

يُؤكِّد ق. الأوليمبيّ على أننا سوف ننال الفهم الدقيق والكامل لما يتعلق بال، الذي فيه تنمو أمنا وتتهلَّل، وتبتهج حتى تعود إلى الحياة الجديدة، عندما تأتي إلى الجماعة في السماء، حيث تُشاهِد أهيه، الله الكائن، مُباشرةً وبوضوحٍ في المسيح دائمًا كالتالي: [13]

وألف ومئتان وستون يومًا، التي نقضيها هنا أيتها العذارى، هي الفهم الدقيقو الكامل فيما يختص بالآب والابن والروح القدس، الذي فيه تنمو أمنا وتتهلَّل، وتبتهج خلال هذا الوقت؛ حتى تعود إلى الحياة الجديدة، عندما تأتي إلى الجماعة في السماء، حيث لا تعود تُفكِّر في 'أهيه‘ [14] من خلال وسائل المعرفة الإنسانية، لكنها تُشاهِده مُباشرةً وبوضوحٍ في المسيح دائمًا.

(ميثوديوس الأوليمبي، )

يُوضِّح ق. ميثوديوس مظاهر الحياة الملائكية السمائية في الملكوت، حيث يرى أنها تخلو من الأمور، التي تبدو عظيمة على الأرض، ولكنها ضئيلة جدًا هناك، مثل: الثروة، والمجد، والزواج، والإنجاب. فهؤلاء الذين يحلقون عاليًا نحو السماء، إلى جوٍ طاهرٍ، يحلقون إلى الحياة التي تُشبِه حياة الملائكة، ويُتوِّجهم الربّ بأكاليل زهور الخلود، وتستقبلهم الملائكة بالفرح كالتالي: [15]

لكن أولئك الذين بأجنحةٍ خفيفةٍ يرتفعون إلى الحياة السماوية، ويرون من بعيد ما يعجز الآخرون عن رؤيته -مروج الخلود- حاملين كثير من زهور الجمال الذي لا يُدرِكه العقل، يُحوِّلون أنفسهم مرةً أخرى إلى المناظر هناك. ولهذا السبب، فإن هذه الأشياء التي تُعتبَر عظيمةً هنا، تبدو لهم ضئيلةً جدًا، كالثروة، والمجد، والزواج، والإنجاب؛ فلا يعودوا يُفكِّرون في مثل هذه الأمور. […] والآن ليس صحيحًا، أن أجنحة البتولية بطبيعتها تنجذب نحو الأرض، بل تُحلِّق عاليًا إلى السماء، إلى جوٍ طاهرٍ، إلى الحياة التي تُشبِه حياة الملائكة. وأيضًا بعد دعوتهم ورحيلهم -أولئك الذين بحقٍ وإيمانٍ جاهدوا كبتوليين من أجل المسيح- يحملون جائزة الانتصار، ويُتوِّجهم الربّ بأكاليل زهور الخلود. لأنه بمُجرَّد رحيل أرواحهم عن هذا العالم، يُقَال إن الملائكة تستقبلهم بالفرح، وتُوصِّلهم إلى المروج السابق الحديث عنها، والتي كانوا يشتاقون إلى المجيء إليها، مُفكِّرين فيها من بعيد، عندما كانوا يسكنون أجسادهم بدت سماوية أمامهم.

(ميثوديوس الأوليمبي، وليمة العشر عذارى)

ديونيسيوس السكندري

يرى ق. ّ، بطريرك الإسكندرية ومُعلِّم المسكونة، أن ترك الإنسان بلا عناية وبلا افتقاد من الله هو أعظم عقاب لذنوبه الجسيمة قائلًا: [16]

أن يُترَك [الإنسان] بلا عناية وبلا افتقاد من الله، وأن نصير يتامى ومتروكين، فهذا هو أعظم عقاب لذنوبنا الجسيمة التي تجعلنا غرباء في الحال.

(ديونيسيوس السكندري، ترجمة وتقديم: رشدي)

‎ ‎ هوامش ومصادر: ‎ ‎
  1. أوريجينوس، تفسير الرسالة إلى رومية ج1، ترجمة: ، القاهرة: للدراسات المسيحية، 2020، 2: 5: 8، ص 134. [🡁]
  2. إنجيل يوحنا 17: 3[🡁]
  3. مزمور 46: 10 [🡁]
  4. أوريجينوس، تفسير الرسالة إلى رومية ج1، ترجمة: عادل ذكري، القاهرة: ، 2020، 2: 7: 4، 5، ص 141، 142. [🡁]
  5. إنجيل يوحنا 17: 3[🡁]
  6. إنجيل يوحنا 14: 6 [🡁]
  7. رسالة بولس اﻷولى إلى كورنثوس 1: 19 [🡁]
  8. أوريجينوس، تفسير الرسالة إلى رومية ج1، ترجمة: عادل ذكري، القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، 2020، 3: 1: 15، ص 204. 142. [🡁]
  9. رسالة بولس الأولى إلى كورنثوس 1: 24؛ إنجيل يوحنا 14: 6 [🡁]
  10. إنجيل يوحنا 17: 3[🡁]
  11. غريغوريوس العجائبي، خطاب إلى المعلم أوريجينوس، ترجمة: مكاريوس جبور وناتاشا يازجي، لبنان: ، 2000، 12: 149، ص 25. [🡁]
  12. غريغوريوس العجائبي، خطاب إلى المعلم أوريجينوس، ترجمة: مكاريوس جبور وناتاشا يازجي، لبنان: منشورات النور، 2000، 11: 142، ص 24. [🡁]
  13. ميثوديوس الأوليمبي، وليمة العشر عذارى (الكتابات النسكية في القرون الثلاثة الأولى)، ترجمة: الراهب القمص ، القاهرة، 2009، الحوار 8: 11، ص 180. [🡁]
  14. سفر الخروج 3: 14 [🡁]
  15. ميثوديوس الأوليمبي، وليمة العشر عذارى (الكتابات النسكية في القرون الثلاثة الأولى)، ترجمة: الراهب القمص تيموثاوس المحرقي، القاهرة، 2009، الحوار 8: 2، ص 169. [🡁]
  16. ديونيسيوس السكندري، ترجمة وتقديم: أمجد رفعت رشدي، القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، 2016، شذرة إلى أفرو، ص 233. [🡁]

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي 0 حسب تقييمات 0 من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

‎ ‎ جزء من سلسلة: ‎ ‎ ملكوت وجحيم[الجزء السابق] 🠼 الملكوت والجحيم عند الآباء
أنطون جرجس
بكالوريوس اللاهوت اﻷرثوذكسي في    [ + مقالات ]

صدر للكاتب:
ترجمة كتاب: "الثالوث"، للوس أسقف هيبو [٢٠٢١]
كتاب: عظات القديس على سفر الجامعة [٢٠٢٢]
ترجمة كتاب: "ضد "، للقديس غريغوريوس النيسي [٢٠٢٣]
كتاب: الطبيعة والنعمة بين الشرق والغرب [٢٠٢٣]
كتاب: مونارخية الآب في تعليم آباء الكنيسة [٢٠٢٤]