المقال رقم 1 من 0 في سلسلة ملكوت وجحيم
ملكوت وجحيمwp-content/uploads/2026/04/ملكوت-وجحيم.webp
  • الملكوت والجحيم في الكتاب المقدس

نستعرض في هذا البحث طبيعة وماهية الملكوت والجحيم بحسب تعالم آباء الكنيسة، وذلك ردًا على الإدعاءات الواهية بأن الملكوت والجحيم مجرَّد مكان ماديّ جغرافيّ، بالتالي محاولة تجسيم الملكوت والجحيم وجعلهم أشياءً ماديةً لا تختلف في شيء عن باقي الأمور المادية والحسية في هذه الحياة، ولكن كيف يستقيم تجسيم الملكوت والجحيم مع العالم الروحانيّ غير الماديّ الذي يعيش فيه الله؟

الله طبيعته روحانية غير مادية ولا يوجد في مكان جغرافيّ مُحدَّد الأبعاد، كما أن الملائكة سواء ملائكة صالحة أو ملائكة أشرار، أي شياطين، طبيعتهم طبيعة روحية غير مادية، فالملائكة الصالحون هم أرواح نورانية تعيش مع الله في عالم روحانيّ غير ماديّ، وغير مكانيّ، وغير جغرافيّ، كذلك الشياطين طبيعتهم روحية غير مادية مظلمة تعيش بمعزل عن الله في ظلمة، فكيف تلك الطبائع الروحية غير المادية تعيش في أماكن مادية جغرافية محددة الأبعاد، كما يدَّعي البعض عن جهل وضيق أفق بالحياة الأبدية الروحية غير المادية؟!

كما أن المسيح أعلن أن البشر سيكونون في السماء كملائكة الله، وسوف يلبس الفاسد عدم الفساد، وسوف يلبس البشر أجسادًا روحانيةً ونورانيةً غير مادية، هي أجساد القيامة الممجَّدة، فكيف يسكنون في أماكن مادية وجغرافية مُحدَّدة الأبعاد سواء في الملكوت أو الجحيم؟! كما يُؤكِّد أن ملكوت الله ليس أكل وشرب، بل برّ وفرح وسلام في الروح القدس، فهل البرّ والفرح والسلام هي أماكن مادية جغرافية مُحدَّدة الأبعاد؟! وهل بولس الرسول كان مُخطئًا في مفهومه عن طبيعة الملكوت والجحيم باعتبارهما حالة البر والفرح والسلام في الملكوت أو العكس الحزن والخوف والقلق في الجحيم؟!

سوف نحاول في هذا البحث الوقوف على حقيقة طبيعة الملكوت والجحيم حسب تعاليم آباء الكنيسة، وهل هي مجرَّد مكان ماديّ جغرافيّ مُحدَّد الأبعاد، أم حالة نفسية ذهنية غير مادية وغير مكانية وغير جغرافية تناسب وتلائم طبيعة العالم الروحانيّ غير الماديّ وغير المنظور وغير الحسيّ؟!

أود التنويه إلى أن النصوص الكتابية والآبائية المذكورة في هذا البحث الموجز هي بعض من كل، فهناك العديد والعديد من النصوص الكتابية والآبائية التي تُؤكِّد على عدم مادية وعدم مكانية الملكوت والجحيم.

الملكوت والجحيم في الكتاب المقدس

يتحدَّث السيد المسيح عن أن الأبرار سوف يضيئون في ملكوت الآب السماويّ كالشمس، ولا يمكن أن يكون هذا النور نورًا ماديًا مخلوقًا، مثل النور الطبيعيّ للشمس المادية، بل هو نور إلهيّ غير مخلوق، وهكذا يعكس الأبرار نور أبيهم السماويّ الإلهيّ كالتالي: حِينَئِذٍ يُضِيءُ الأَبْرَارُ كَالشَّمْسِ فِي مَلَكُوتِ أَبِيهِمْ [1].

يُؤكِّد السيد المسيح على حقيقة وجود الملكوت داخل كل إنسان، فملكوت الله ليس مكانًا أرضيًا حسيًا، بل هو سُّكنى الله نفسه داخل الإنسان بروحه القدوس كالتالي: وَلَمَّا سَأَلَهُ الْفَرِّيسِيُّونَ: 'مَتَى يَأْتِي مَلَكُوتُ اللهِ؟‘ أَجَابَهُمْ وَقَالَ: 'لاَ يَأْتِي مَلَكُوتُ اللهِ بِمُرَاقَبَةٍ، وَلاَ يَقُولُونَ: هُوَذَا ههُنَا، أَوْ: هُوَذَا هُنَاكَ! لأَنْ هَا مَلَكُوتُ اللهِ دَاخِلَكُمْ‘ [2].

ويدحض الربُّ يسوع فكرة أن الملكوت هو مكان حسيّ يتزوج فيه البشر، بل أكَّد على الطبيعة الروحية غير المادية وغير المكانية للملكوت الذين يكون فيه البشر كملائكة الله كالتالي: فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ: 'تَضِلُّونَ إِذْ لاَ تَعْرِفُونَ الْكُتُبَ وَلاَ قُوَّةَ اللهِ. لأَنَّهُمْ فِي الْقِيَامَةِ لاَ يُزَوِّجُونَ وَلاَ يَتَزَوَّجُونَ، بَلْ يَكُونُونَ كَمَلاَئِكَةِ اللهِ فِي السَّمَاءِ‘ [3].

ويُوضِّح السيد المسيح ماهية وطبيعة الحياة الأبدية الروحية غير الحسية وغير المادية وغير المكانية، فيصف الربُّ يسوع الحياة الأبدية بحالة المعرفة للإله الحقيقيّ وحده ومعرفة الرب يسوع المسيح، فالمعرفة هنا معرفة روحية عقلية ذهنية غير مادية وغير مكانية، بل معرفة تفوق الحواس الطبيعية، ولا تخضع لقوانين الزمان والمكان كالتالي: وَهذِهِ هِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ: أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ الإِلهَ الْحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ وَيَسُوعَ الْمَسِيحَ الَّذِي أَرْسَلْتَهُ [4].

ويدحض بولس الرسول أيضًا فكرة مادية أو مكانية الملكوت، بل يرفض أن يكون ملكوت الله أكل وشرب، بل هو حالة البرّ والسلام والفرح في الروح القدس قائلاً: لأَنْ لَيْسَ مَلَكُوتُ اللهِ أَكْلاً وَشُرْبًا، بَلْ هُوَ بِرٌّ وَسَلاَمٌ وَفَرَحٌ فِي الرُّوحِ الْقُدُسِ [5].

ويُشِير بولس الرسول أيضًا إلى حالة التغيُّر والتبدُّل التي يخضع لها البشر بعد الرقاد وعند القيامة الأموات، حيث نتغيَّر من حالة الفساد لنقوم في عدم فساد، وهكذا ننال الحالة الأفضل عند القيامة العامة كالتالي: هُوَذَا سِرٌّ أَقُولُهُ لَكُمْ: لاَ نَرْقُدُ كُلُّنَا، وَلكِنَّنَا كُلَّنَا نَتَغَيَّرُ، فِي لَحْظَةٍ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ، عِنْدَ الْبُوقِ الأَخِيرِ. فَإِنَّهُ سَيُبَوَّقُ، فَيُقَامُ الأَمْوَاتُ عَدِيمِي فَسَادٍ، وَنَحْنُ نَتَغَيَّرُ [6].

ويُشدِّد بولس الرسول على أن جسدنا الفاسد والمائت سوف يلبس عدم الفساد وعدم الموت، وهي حالة عدم الخضوع لقوانين الزمان والمكان، بل هي حالة فائقة للطبيعة المادية المنظورة كالتالي: لأَنَّ هذَا الْفَاسِدَ لاَبُدَّ أَنْ يَلْبَسَ عَدَمَ فَسَادٍ، وَهذَا الْمَائِتَ يَلْبَسُ عَدَمَ مَوْتٍ. وَمَتَى لَبِسَ هذَا الْفَاسِدُ عَدَمَ فَسَادٍ، وَلَبِسَ هذَا الْمَائِتُ عَدَمَ مَوْتٍ، فَحِينَئِذٍ تَصِيرُ الْكَلِمَةُ الْمَكْتُوبَةُ: ابْتُلِعَ الْمَوْتُ إِلَى غَلَبَةٍ. أَيْنَ شَوْكَتُكَ يَا مَوْتُ؟ أَيْنَ غَلَبَتُكِ يَا هَاوِيَةُ؟[7].

ويشرح بولس الرسول ماهية المعاينة الإلهية الطوباوية، حين ننظر مجد الرب بوجهٍ مكشوفٍ، وهنا لا يصف رؤيا مادية أو مكانية خاضعة لقوانين الزمان والمكان، بل رؤيا روحية غير مادية وغير حسية ولا تخضع لقوانين الزمان والمكان، ويؤكد بولس الرسول على حالة التغيُّر والتبدُّل التي تصير لنا من الحالة المادية الحسية الخاضعة لقوانين الزمان والمكان إلى الحالة الروحية الطوباوية المجيدة المجرَّدة من خبرة الحواس، وغير الخاضعة لقوانين الزمان والمكان كالتالي: وَأَمَّا الرَّبُّ فَهُوَ الرُّوحُ، وَحَيْثُ رُوحُ الرَّبِّ هُنَاكَ حُرِّيَّةٌ. وَنَحْنُ جَمِيعًا نَاظِرِينَ مَجْدَ الرَّبِّ بِوَجْهٍ مَكْشُوفٍ، كَمَا في مِرْآةٍ، نَتَغَيَّرُ إِلَى تِلْكَ الصُّورَةِ عَيْنِهَا، مِنْ مَجْدٍ إِلَى مَجْدٍ، كَمَا مِنَ الرَّبِّ الرُّوحِ [8].

يصف أيضًا بولس الرسول الخبرة الروحية التي عايشها بالانخطاف إلى السماء، ويؤكد على غموض هذه الخبرة الروحية فهي غير خاضعة لقوانين الجسد، لدرجة أنه لا يعلم هل هي في الجسد أم خارجه، وغير خاضة للحواس، فقد سمع كلمات لا يُنطَق بها، والسمع هنا غير السمع الطبيعيّ الماديّ الخاص بطبيعتنا، بل هنا خبرة روحية صرف لا تمت بصلة لمعرفة الحواس المادية الخاضعة للزمان والمكان، بل هي خبرة روحية غير مادية وغير حسية بحواس روحية أخرى تفوق الطبيعة وتلائم طبيعة السماء والعالم الروحانيّ كالتالي: أَعْرِفُ إِنْسَانًا فِي الْمَسِيحِ قَبْلَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً. أَفِي الْجَسَدِ؟ لَسْتُ أَعْلَمُ، أَمْ خَارِجَ الْجَسَدِ؟ لَسْتُ أَعْلَمُ. اللهُ يَعْلَمُ. اخْتُطِفَ هذَا إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ. وَأَعْرِفُ هذَا الإِنْسَانَ: أَفِي الْجَسَدِ أَمْ خَارِجَ الْجَسَدِ؟ لَسْتُ أَعْلَمُ. اللهُ يَعْلَمُ. أَنَّهُ اخْتُطِفَ إِلَى الْفِرْدَوْسِ، وَسَمِعَ كَلِمَاتٍ لاَ يُنْطَقُ بِهَا، وَلاَ يَسُوغُ لإِنْسَانٍ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهَا [9].

ويُؤكِّد بولس الرسول على أن الذي أعدَّه الله لمختاريه لا يخضع لخبرة الحواس، ولا يخضع لقوانين الزمان والمكان، فهو غير مرئيّ وغير مسموع، ولم يخطر على عقل بشريّ خاضع للتجربة الحسية والمكانية قائلًا: مَا لَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَالِ إِنْسَانٍ: مَا أَعَدَّهُ اللهُ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ[10].

ويرى يوحنا الرسول أن الحالة التي سنكون عليها هي سر، ولكننا نعلم أننا سنكون مثله متى أُظهِرَ، وأننا سنراه كما هو في مجده الإلهيّ وبهائه وهذا سر روحيّ غير خاضع لقوانين الزمان والمكان، بل يفوق الطبيعة والزمان والمكان كالتالي: أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، الآنَ نَحْنُ أَوْلاَدُ اللهِ، وَلَمْ يُظْهَرْ بَعْدُ مَاذَا سَنَكُونُ. وَلكِنْ نَعْلَمُ أَنَّهُ إِذَا أُظْهِرَ نَكُونُ مِثْلَهُ، لأَنَّنَا سَنَرَاهُ كَمَا هُوَ [11].

هناك العديد والعديد من النصوص الكتابية التي تؤكد على أن الملكوت والجحيم ليست أماكن جغرافية مادية خاضعة لقوانين الزمان والمكان، بل هما خارج قوانين الزمان والمكان، لأنهما لو كانا خاضعان لقوانين الزمان والمكان، لكان من السهل على الحواس المادية إدراكهم، وتحديد موقعهم الجغرافيّ مكانيًا وزمانيًا، وهذا يتعارض مع طبيعة العالم الروحانيّ غير الماديّ وغير الحسيّ وطبيعة الملكوت والجحيم الروحية البحتة.

‎ ‎ هوامش ومصادر: ‎ ‎
  1. إنجيل متى 13: 44 [🡁]
  2. إنجيل متى 17: 20-21 [🡁]
  3. إنجيل متى 22: 29، 30 [🡁]
  4. إنجيل يوحنا 17: 3 [🡁]
  5. رسالة بولس إلى رومية 14: 17 [🡁]
  6. رسالة بولس اﻷولى إلى كورنثوس 15: 51، 52 [🡁]
  7. رسالة بولس اﻷولى إلى كورنثوس 15: 53-55 [🡁]
  8. رسالة بولس الثانية إلى كورنثوس 3: 17، 18 [🡁]
  9. رسالة بولس الثانية إلى كورنثوس 12: 2-4 [🡁]
  10. رسالة بولس اﻷولى إلى كورنثوس 2: 9 [🡁]
  11. رسالة يوحنا اﻷولى 3: 2 [🡁]

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي 0 حسب تقييمات 0 من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

أنطون جرجس
بكالوريوس اللاهوت اﻷرثوذكسي في    [ + مقالات ]

صدر للكاتب:
ترجمة كتاب: "الثالوث"، للقديس وس أسقف هيبو [٢٠٢١]
كتاب: عظات القديس على سفر الجامعة [٢٠٢٢]
ترجمة كتاب: "ضد "، للقديس غريغوريوس النيسي [٢٠٢٣]
كتاب: الطبيعة والنعمة بين الشرق والغرب [٢٠٢٣]
كتاب: مونارخية الآب في تعليم آباء الكنيسة [٢٠٢٤]