الواقع الذي تعيشه النساء في مصر الآن مفزع وحزين. وحين نرصد هذا الواقع العنيف الذي يلاحقنا جميعاً في كل خطوة نخطوها، فذلك ليس من باب المذكرات الشخصية أو كوسيلة لـ”الندب الجماعي” ضد إخوتنا رجال الوطن. ربما لن يضير شيئاً البدء في سماع النساء دون تعالٍ غير مبرر، إلا بالقوانين والأعراف التي اتفقت جميعها ضد النساء.
كنّا شركاء
نعيش الحياة جنبًا إلى جنب، نتحمل الظروف الاقتصادية الطاحنة ونشارك في مواجهتها، ونحاول جميعنا أن نمارس الحياة. لكن يُضاف إلى نوعنا الاجتماعي، منذ الولادة، ضغوط لا تفارقنا حتى الممات.
وحين نفتح ملف “الأحوال الشخصية”، نجد أننا أمام واقعٍ -كما جرت العادة- مُقتطعٍ من سياقه، يفتح المجال لمقولات مثل “بلاش تعميم” التي تُستخدم كستارٍ لحجب الرؤية عن المأساة الحقيقية.
نحن نواجه العنف في كل خطوة من خطوات الحياة؛ فلا يوم يخلو من نظرات، وألفاظ، وتهديدات، وربما الضرب والانتهاك والتعدي الذي يصل حد الاغتصاب والقتل. هذا ما ترصده أخبار الحوادث، وهو موثق بالأرقام والتقارير التي يصدرها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، والتي تؤكد أن الشريك والأقارب هم الطرف الأكثر تورطًا في العنف ضد النساء [1].
هناك امرأة تلقى حتفها كل ١١ دقيقة على يد شريكها.[2].(مؤسسة إدراك، مرصد جرائم العنف ٢٠٢٥)
نظرياً، تكمن فائدة قوانين الأحوال الشخصية في تنظيم العلاقة وحماية الأسرة، لكن على أرض الواقع، تتحول بعض الإجراءات إلى أدوات ضغط وابتزاز؛ مثل “إنذار الطاعة” الذي لا يزال أداةً قانونية لتقييد حركة المرأة، وقضايا النفقة، سواء في قانون الأحوال الشخصية للمسلمين أو في تعقيدات اللوائح الكنسية للأقباط، التي تتحول إلى ماراثون قانوني يُنهك المطلقة أو الراغبة في الانفصال.
في محاكمنا، تضيع سنوات طويلة في “إثبات الضرر”، وقطاع كبير من النساء في مصر يعشن تحت رحمة لائحة 1938 وتعديلات 2008 التي تفرض قيودًا تجعل من الطلاق رحلة مستحيلة [3] إلا في أضيق الحدود؛ ما يترك آلاف النساء في “زيجات معطلة”؛ لا هن متزوجات يتمتعن بالاستقرار، ولا هن مطلقات يحصلن على حق البداية من جديد.
هذا العجز عن إثبات الضرر -سواء كان عنفاً جسديًا أو نفسيًا- يجعل من الخروج من علاقة عنيفة “مغامرة” قد تكلف المرأة حضانة أطفالها، أو ربما كما شهدنا مؤخرًا: حياتها.
صرنا نخاف
تعيش النساء في مصر كل يوم حياةً يملؤها الخوف؛ الخوف الذي يبدأ من داخل جدران البيت الذي كان يُفترض أن يكون ملاذاً آمناً، والقيود التي تُفرض تحت اسم “التأديب”، والخوف من الشارع وفي المدرسة والعمل، والخوف من عدم إثبات الذات في محيط عام يضع النساء في كفة مائلة، تضطرها أن تبذل الكثير وتبرر الكثير؛ حتى في أفكار مثل “بمئة رجل”، وكأنها لا يمكن أن تصبح هي، نفسها فقط، كافية كما هي بلا محاولات إقناع.
الخوف من فقدان هويتها الحقيقية في مقابل ما يضعها فيه المجتمع نفسه ويختزلها في دور واحد فقط وهو الزوجة والأم، فإن فشلت في هذا الدور لم يعد لوجودها دليل أو معنى. ومع ذلك، تحاربها الأعراف الجائرة طوال الوقت حتى تجد نفسها أيضاً مسلوبة الاختيار.
هذا الواقع المفزع والحزين يتغذى على الصمت، ويزيد العنف، ويتمدد بالالتفاف حول الحقائق وليّها، والبحث عن أسباب واهية بعيدةٍ عن أرض الواقع؛ لأن “صراخ النساء” ومطالبهن بالأمان “تخدش مشاعر” الباحثين عن عدم “التعميم”؛ بحجة أن هناك رجلاً، وسط كل هذا العنف الذي تتعرض له النساء، قد ظلمته امرأة.
ولهذا الرجل نعتذر حقًا، ونؤكد على أن الظلم مرفوض في كل صوره، لكن ثمة فروقًا جوهرية يتجاهلها الكثيرون؛ فحين تسيء امرأة لرجل، فهي تفعل ذلك بسلوك فردي نابع من شخصيتها، ولا تجد مجتمعًا يصفق لها، أو دينًا يُفسر لصالحها، أو قانونًا يمنحها “حق التأديب”، أو حتى أعرافًا تساندها. في حين أن العنف الممارس ضد النساء هو عنف هيكلي مدعوم بسلطة المجتمع وتبريراته، حيث يمنح الرجل “حق” الوصاية والضرب والتربية بمباركة القانون.
إن المُطالبات بتعديل قوانين الأحوال الشخصية ليست ترفاً أو رفاهية، بل ضرورة للحياة. نحن في أمس الحاجة لقانون مدني موحد يرفع عن كاهل النساء تعقيدات مثل “إثبات الضرر”، ويضمن نفقة عادلة مُنتظمة، ويحمي حضانة الأم كحقٍ وليس ورقة ضغط في يد الزوج. إن هذا الواقع المؤلم والسكوت عليه لا يحمي الأسرة المصرية، بل يراكم الضغوط التي تنفجر يوماً بعد يوم في حوادث لا تخطئها العين.
النساء لا يبحثن عن الانتصار في هذه المعركة من أجل “الانتصار”، بل يبحثن عن الحياة؛ الحياة البسيطة بلا تعقيدات، وبلا خوف أو تهديد بالإنذار أو الحرمان؛ فالقوانين التي لا تضمن سلامة الأفراد تحتاج بالضرورة إلى مُراجعة بعين العدالة.
