واجه مجموعة من الرهبان بدير الملاك غبريال بالفيوم جهات تنفذ القانون التي قدمت يوم الإثنين 20 أبريل الجاري، لإزالة تعديات أقامها رهبان الدير على أراض ليست ملكهم حول الدير وهذه الواقعة هي محور هذا المقال.
حب القنية
منظر مؤسف أوصلنا له ضياع الهدف من الرهبنة ومفهوم الامتلاك.
من ضمن شروط الرهبنة القبطية الموت عن العالم والفقر الاختياري.
لقد خرج الأنبا أنطونيوس من العالم لا يحمل شيئا وكذلك الأنبا مقار، وغيرهم من آباء البرية.
لم يعدوا لأنفسهم سوى مكان يسندون فيه رأسهم، غالبًا ما تكون مغارة محفورة في الجبل بدون أي أثاث، ومكان بسيط يصلون فيه معا في شركة، لأن الذي مات لا يملك شيئا.
حتى عندما دخل الأباطرة الرومان إلى المسيحية وبنوا الكاتدرائيات في كل أنحاء الإمبراطورية، لم يستغل الرهبان هذا الوضع لإنشاء كاتدرائيات ضخمة في أديرتهم. وعندما ترهب بعض الأمراء مثل مكسيموس ودوماديوس وأرسانيوس لم يشيدوا الكاتدرائيات في البرية.
لقد تركوا القصور والكاتدرائيات الفخمة في روما والقسطنطينية والإسكندرية ليسكنوا المغائر وشقوق الأرض والقلالي البسيطة في برية شيهيت لا ليبنوا قصور في الصحراء.
أتخيل لو أن دقلديانوس الوثني أو قسطنطين المؤمن أرسل قوة عسكرية من الشرطة تصادر قلالي الأنبا أنطونيوس أو الأنبا مقار، ماذا سيكون رد فعلهم؟
أعتقد أنهم كانوا سيتركونها بكل سهولة فهم يؤمنون أنه ليس لهم مدينة باقية على الأرض، كانوا سيطيعون قول المسيح “من أخذ ثوبك فاترك له الرداء أيضًا”، كانوا سيطيعون قول بولس الرسول “لتخضع كل نفس للسلاطين الفائقة”، كانوا سيطبقون ما هو مكتوب في بستان الرهبان من ترك القنية.
نرى الآن أديرة في منتهي العظمة.. كاتدرائيات.. قصور ضيافة.. مصانع.. مخازن.. منافذ بيع منتجات الدير من البرجر والكفتة الصيامي بل أن بعض الأديرة بنوا قرى سياحية تحتوي بلاجات وحمامات سباحة وغرف خمس نجوم.
اعتراضات:
1. أحدهم سيعترض على ويقول: هل بعد أن يبنوا الكنائس والكاتدرائيات والمصانع والمخازن تأتي الدولة لتستولى عليها بكل بساطة؟
– يا صديقي ما هو السبب والغرض من كل هذه المباني؟ هل تركوا الفخامة في المدن ليستنسخوها في الصحراء؟
– كما أنه في أغلب الأحوال يكون هناك مخالفات قانونية التي تستوجب الإزالة.
– ما دام هؤلاء الرهبان الشجعان قادرين على الوقوف أمام الحكومة والشرطة، أليس من الأولى الوقوف للدفاع عن البنات والسيدات المختطفات بدلًا من الدفاع عن المباني؟
2. اعتراض ثاني: الشعب المسيحي يحتاج هذه المشاريع، فهي تساعدهم في توفير بعض المنتجات الرخيصة في ظل هذا الغلاء.
– اتفق مع هذا الطرح، ولكن إذا كان الدير قادر على إقامة هذه المشروعات الخدمية.. فلماذا لا تقوم بها الإيبارشيات؟ على الأقل توظف فيها العاطلين عن العمل وفي نفس الوقت توفر المنتجات الرخيصة والجيدة. ونترك الرهبان في هدوءهم وصلاتهم وتأملاتهم.
في النهاية نرفض أيضًا كل استعمال مفرط للقوة من الشرطة يتخطى حدود القانون.
العمل والفقر الاختياري
كلنا يتذكر قصة الأنبا أنطونيوس عندما شعر بالملل فظهر له ملاك على هيئة راهب يصلي بعض الوقت ثم يجلس ليضفر الخوص إلى أن يتعب من ضفر الخوص ليقوم ليصلي وهكذا. وبذلك تعلم ووضع الأنبا أنطونيوس نظام العبادة والعمل البسيط في النظام الرهباني، و كان الهدف واضح:
أولا: كسر الملل ومحاربة الفراغ.
ثانيا: أن يعول الراهب نفسه ولا يكون عالة.
ثالثا: ممارسة المحبة بالتصدق بالمال المتبقي كاملًا للفقراء.
ليتبقى رصيد الراهب المالي صفر، ليكمل نذر الفقر الاختياري. وفي كثير من الأحيان كان الرهبان يعيشون على الإعانات من الشعب المحب.
في أخر 50 سنة ظهر نظام آخر للعمل في الأديرة، وهو نظام مشاريع ضخمة.. مزارع حيوانات ومزارع نباتية.. ألبان.. لحوم.. عسل.. شموع.. مصانع.. محاجر
مشاريع تتضخم وتنمو ..
مشاريع تستدعي فتح حسابات بنكية..
وبناء مخازن ضخمة لحصد ثروات كبيرة تكفي لسنين كثيرة.
الفقر الاختياري هو شرط هام في رهبنة أنطونيوس.. فقد الفقر الاختياري يحولها إلى أي شئ آخر إلا رهبنة أنطونيوس.
نرجو أن ترجع الرهبنة لزمن أنطونيوس ومكاريوس.
أما بالنسبة للمشروعات التنموية تقوم عليها الإيبارشيات لتوفير فرص عمل للعاطلين من جهة، ومن جهة أخرى توفر منتجات جيدة بأسعار مناسبة، أيضا بشرط أن لا يكون هدفها المكسب والربح بل المساعدة والمحبة والبذل.
