هل السخرية تعليم كتابي آبائي؟ أعتقد أن العنوان كافٍ لأن يرفضه الجميع، لذلك سأستمر في كتابة هذا المقال.
للتوضيح وتجنب سوء الفهم، هناك فرق بين السخرية والتنمر. فالتنمر يكون على الإنسان وهو مرفوض تمامًا، أما السخرية من موقف أو حدث أو فكرة، فهذا إطار عرض فني، وموجود في كثير من المدارس الأدبية.
فإذا نظرنا إلى الأدب، سنجد فيه نوعًا معروفًا يسمى الأدب الساخر، وهو يستخدم السخرية كأداةً فنية، مثل: نقد المجتمع أو العادات الخاطئة، أو فضح التناقضات بطريقة ذكية، أو إيصال فكرة عميقة بشكل مبسط وغير مباشر.
أمثلة معروفة:
- كتابات چورچ أورويل فيها سخرية سياسية.
- أعمال برنارد شو مليانة سخرية ناقدة.
- في الأدب العربي: أحمد رجب، وأحيانًا نجيب محفوظ أوقات كتير.
لكن في نفس الوقت، مش كل سخرية تُعتبر أدبًا. لو السخرية هدفها الإهانة أو التقليل من الآخرين، دي مش أدب. لو مفيهاش فكرة أو رسالة، تبقى مجرد استهزاء مش فن.
طبعاً ربما كمسيحيين نخشى، أو لم نعتد على هذا الأسلوب في تعاملنا مع الأمور، ولكن لكي لا يصيب المرء مكروه، وبما أننا أمام مواقف نقف فيها عاجزين عن تغيير الأحداث، فعلى الأقل نسخر منها.
أولًا: أكتب هذا الكلام بعد موجة الهجوم الشديدة بسبب أي شيء نحاول إبداء الرأي فيه بالأحداث الجارية في الكنيسة، وكان رد الفعل: يعني أنت هتفهم أكثر من الآباء؟
؛ لقد استاء الكثيرون من الأسلوب، وتطوع الجميع لتعليمي التقوى في الكلام والكتابة، وأن هذا الأسلوب لا يليق بأولاد الله، ولو أردت أن يتقبل الناس كلامك فتحدث بأسلوب مهذب يا ولد – بصوت السادات.
ثانيًا: لا أكتبُ هذا الكلامَ دفاعًا عن نفسي أو عمّا كتبته، فكما قال بيلاطس: ما كَتَبْتُ قَدْ كَتَبْتُ
[1].
ثالثًا: ولا هي محاولة للتلزيق (ده مش أسلوبي)، لكن هي محاولة للعصف الذهني والفكري (وربنا يسترها).
رابعًا: أي حاجة بكتبها دي قناعتي الشخصية، مش بفرضها عليك، بس يعني – أهو كله بيكتب، اشمعنى أنا؟
خامسًا: خليك في وداعتك وطيبتك وبساطتك أحسن، يبقى ماتقراش حاجة (أديني بحذرك أهو).
سادسًا: لو دورت في حسابي بفيسبوك هتلاقي استخدامي للأسلوب -اللي مش عاجب ناس كتيرة وبتقول سخرية- لا يتعدى 3٪ من الكتابات، واللي غايظنى إن الـ97٪ الباقيين، محدش بيقراهم أصلًا.
سابعًا: هل فيه في الكتاب المقدس ناس استخدموا الأسلوب الساخر، ومحدش فينا قِدر يفتح بُقه ويقولهم ده عِيب الكلام ده؟ أو ميصحش ده في التعليم؟ خلينا نشوف!
أشهر شخص هو إيليا (اللي بدأ قصته بأنه شتم الملك. آه صدقني، بس لأنها مكتوبة بلغة مهذبة مش قادرين نقول كده:
ولما رأى أخآب إيليا قال له أخآب: «أأنت هو مكدر إسرائيل؟»[2]
فقال: «لم أكدر إسرائيل، بل أنت وبيت أبيك، بترككم وصايا الرب، وبسيرك وراء البعليم.(سفر الملوك الأول ١٧: ١٧-١٨)
وعند الظهر سخر بهم إيليا وقال: «ادعوا بصوت عال لأنه إله! لعله مستغرق أو في خلوة أو في سفر! أو لعله نائم فيتنبه!»[3](سفر الملوك الأول ١٨: ٢٧)
أهو يعنى إيليا بيسخر من أنبياء البعل، والكتاب قالها بوضوح “سخر بهم”، لكن احنا نبلغ لإيليا الجمل، ونمسك لجميل البعوضة.
طيب واحد من العهد الجديد ، هتتفاجأوا (مش عارف مكتوبه صح كده ولا لأ) هو: بولس الرسول!
أه صدقنى. بيتريق وبيسخر من بتوع كورنثوس:
إنكم قد شبعتم![يا سلام! [الكلام ده من عندي أنا علشان تتخيل بولس وهو بيقولها] آه بأمانة، زي ما بقولك]
قد استغنيتم![على إيه يا حسرة!]
ملكتم بدوننا![طيب!]
وليتكم ملكتم لنملك نحن أيضا معكم![إنتوا بُق ع الفاضي] [4](رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس ٤ : ٨)
دول مثالين فقط، ليس حصرًا، من الكتاب.
ثامنًا: هل في حد من الآباء كان بيستخدم هذا الأسلوب؟
أقولكم المفاجأة؟ القديس أثناسيوس في رده على آريوس (قال له أنت عامل زي -لمؤاخذة- الرقاصة).
[11]
لأن آريوس وهو يكتب الثاليا. كان يقلد الأسلوب النسائي المنسوب إلى سوتيادس. وكما أبهرت أبنة هيروديا هيرودس برقصها، كذلك أريوس سَخّر الرقص واللهو في التشهير والافتراء على المخلص.. وهو قد فعل هذا. من ناحية لكي يُمَوِّه ويُضَلِّل عقول هؤلاء الذين انغمسوا في الهرطقة لدرجة الجنون. ومن ناحية أخرى لكي يُبَدِّل اسم رب المجد إلى شِبه صورة إنسان زائل [5]. وهكذا يتّخذ مشايعوه اسم الآريوسيين بدلًا من لقب المسيحيين ويكون هذا دليلًا قاطعًا على كفرِهِم.[6](أثناسيوس الرسولي، المقالة الأولى ضد الآريوسيين)
ومرة أخرى ق. أثناسيوس يُسخر من أناشيد آريوس مثل أحد الشعراء الذي يتميز شعره بالأسلوب الداعر، ويشبه أناشيد آريوس بـأناشيده الراقصة
الأناشيد نفسها غير متزنة.
إِنَّ أَرِيُوسَ الغَرِيبَ فِي الوَاقِعِ لَمْ يُقَلِّدْ أَحَدًا وَقُورًا، وَإِذْ كَانَ يَجْهَلُ كِتَابَاتِ الرِّجَالِ الوُقُورِينَ مِنْ عُظَمَاءِ القَوْمِ، فَإِنَّهُ كَانَ يَخْتَلِسُ كَثِيرًا مِنَ الهَرْطَقَاتِ الأُخْرَى. وَلَا يُوجَدُ لَهُ مُنَافِسٌ فِي مَجَالِ الهَزْلِ وَالسُّخْرِيَّةِ غَيْرُ سُوتِيَادِسْ [7] وَحْدَهُ؛ لِأَنَّهُ مَاذَا كَانَ فِي وُسْعِهِ أَنْ يَعْمَلَ، سِوَى أَنْ يَرْغَبَ فِي التَّحَوُّلِ ضِدَّ المُخَلِّصِ، بِأَنَاشِيدِهِ الرَّاقِصَةِ، مُعَبِّرًا بِثرْثرَتِهِ المُمقوتةِ وَطَنْطَنَتِهِ البَغِيضَةِ عَنْ كُفْرِهِ وإلحادِه. [8](أثناسيوس الرسولي، المقالة الأولى ضد الآريوسيين)
بل ويسخر ق. أثناسيوس من الثاليا [الأناشيد التى كان يكتبها آريوس] ويشبهها بأن أسلوبها منسون [أنثوي]
إن بَدء ثاليا أريوس عبارة عن أقوال ركيكة جوفاء. وقد اتّخذَت لها أسلوباً أنثوياً.[9](أثناسيوس الرسولي، المقالة الأولى ضد الآريوسيين)
كده نكون حطينا الأساس اللي هنبني عليه السخرية، علشان محدش يقول إننا مش روحيين وناس وحشين خرجوا عن المِلّه.
