يقول بيت الشعر الشهير للمتنبي:

يا أَعدَلَ الناسِ إِلّا في مُعامَلَتي *** فيكَ الخِصامُ وَأَنتَ الخَصمُ وَالحَكَمُ
أُعيذُها نَظَراتٍ مِنكَ صادِقَةً *** أَن تَحسَبَ الشَحمَ فيمَن شَحمُهُ وَرَمُ

()

الشطر الثاني من البيت الأول ينطبق على ال، سواء كانوا رهبانًا صاروا أساقفة وبطاركة، أو كهنة من القمامصة والقسوس المتزوجين، فيما يخص ملف الزواج والطلاق “الأحوال الشخصية”.

فالإكليروس يلعبون دور القضاة الذين يفصلون في قضايا الأحوال الشخصية، لكن في نفس الوقت قد يكونون الخصم لأحد الأطراف المشتكين.

وهنا يحدث “تضارب مصالح” تمنعه القوانين في أروقة القضاء المدني.

في درجات التقاضي المختلفة أمام المحاكم المدنية يمكن ﻷحد اﻷطراف المتنازعين رد المحكمة (القاضي)، بل وفي أحيان أخرى يعتذر القاضي عن نظر قضية ما لاستشعار الحرج.

أما في ملف الأحوال الشخصية، فالكاهن الذي يصلي القداس، ويجري الزيجة، ويحصل على التبرعات من المؤمنين ويشرف على أوجه صرفها داخل الكنيسة، هو نفس الكاهن الذي يفصل في قضايا الأحوال الشخصية.

وﻷننا بشر فلا يمكن أن نفصل علاقاتنا الشخصية عن علاقاتنا المهنية طول الوقت، وإذا كان البعض ينجح في هذا الفصل فالبعض اﻵخر لا يستطيع. هذه هي طبيعة الحياة.

الخلط بين الروحي والمدني

يحمل في المسيحية بُعدًا روحيًا عميقًا، فهو يُمثل عهدًا مقدسًا بين رجل وامرأة، مُباركًا من الله، ومُرادًا أن يكون انعكاسًا لمحبة المسيح للكنيسة. وإلى جانب هذا البُعد الروحي، للزواج أيضًا بُعد مدني تُشرف عليه الدولة. يتضمن هذا البُعد المدني إضفاء الطابع الرسمي على هذه الرابطة من خلال عقد قانوني، هو شهادة الزواج، التي تُحدد حقوق ومسؤوليات كلا الزوجين منذ لحظة إبرام العقد وحتى إمكانية فسخه.

تضمن هذه الطبيعة المزدوجة الاعتراف بالزواج وحمايته من قِبل كلٍ من الدين والقانون، مما يُوفر إطارًا للالتزام والأسرة والنظام الاجتماعي.

الوضع الحالي هو أن الكنيسة تأخذ الدورين الروحي والمدني، ولكن للأسف لا تؤدي الكنيسة دورها الروحي الخاص بتكوين المسيحيين وإعدادهم للزواج على أكمل وجه. والدليل هو كثرة مشكلات الطلاق أمام المجالس الإكليريكية، أو قصص لنساء تعاني فتترك بيتها. وكل يوم ينشغل المجتمع بسيدة أو فتاة تركت بيتها. وتهتم الكنيسة فقط بالشق المدني بتعطيل الطلاق بقدر الإمكان بدعوى الحفاظ على الأسرة من التفكك، لكنها بذلك تمارس سياسة “كنس التراب تحت السجاد”.

في واقعة طلاق فنانة شهيرة تعثرت في زيجتها الأولى، وبسبب القرب من البابا الراحل الأنبا شنودة الثالث، انحاز البابا لروايتها ضد رواية زوجها، حتى حصلت على طلاق من المحكمة وتصريح ب. ثم تصاعد الانحياز أكثر حين تعامل ال بالمنطق الأبوي الذكوري، أي موقف الأب الذي يقف للدفاع عن ابنته، فعادى زوجها الذي طلب تصريحًا للزواج مرة أخرى مثل طليقته، ولكن البابا شنودة رفض ودخل في تحدٍ شخصي معه أمام ساحات القضاء [1] [2].

إن كان البابا الذي يُفترض حياده قد أصبح خصمًا لأحدهم، فماذا يفعل بقية الأساقفة والكهنة؟ يقول ال إن الإكليروس من الشعب، حسنًا، وماذا لو كان لأحد الإكليروس، أحد أقربائه أو ابنته، يعاني في زواجه؟ فهل سيكون محايدًا عند نظر القضية؟ وهل الأسقف سيكون محايدًا وهو يعرف أن الملف الذي أمامه يخص أقرباء أحد الكهنة؟ ما الضمانات الكنسية لتجنب المحسوبية والعواطف والانحياز لذوي القربى؟

مرة أخرى، لا أتهم أحدًا بالفساد، لكنني أشير إلى الوضع الذي يمكن من خلاله توجيه هذه التهمة للقائمين على الفصل في قضايا الأحوال الشخصية.

سرقة القضاء بمؤهلات أبوية

في مشروع القانون المزمع مناقشته داخل مجلس النواب، ومثّل المجمع في إصداره ومناقشته الأنبا بولا ، ستكون سلطة الطلاق في يد المحكمة، لكن تمت صياغة المادة بشكل يسمح للإكليروس بالتدخل في كل قضية تُنظر أمام المحكمة، إذ يقول نص المادة 24:

يتعين على المحكمة في دعاوى الخطبة، وال، وبطلان، وانحلال الزواج أن تطلب رأي الرئاسة الدينية المختصة في النزاع كتابةً، وذلك بموجب قرار موضح به سبب الدعوى،
ويتعين على الرئاسة الدينية إبداء الرأي في الأجل الذي تحدده لها المحكمة، على ألا تزيد مدته على خمسة وأربعين يومًا.
وفي حالة ما إذا انتهت المحكمة إلى رأي مخالف لما أبدته الرئاسة الدينية، فيتعين عليها تسبيب ذلك.
وفي حالة عدم الرد في الأجل المبين بالفقرة الأولى من هذه المادة تقضي المحكمة في موضوع الدعوى
.

(مادة ٢٤ من مشروع قانون اﻷحوال الشخصية للمسيحيين)

يبتعد الإكليروس عن النظر المباشر للقضايا كما هو الحال في الوضع الحالي، ولكن إذا صدر القانون وهذه المادة بنصها الحالي، فهذا يعني النيل من استقلال القضاء، القاضي يحتاج إلى نص قانون يحكم به في القضايا المختلفة، لا أن يتحول إلى سكرتارية تنفيذية تحت تصرف الإكليروس ويطلب رأيه العاطفي عند نظر كل قضية. فلماذا هذا الإصرار على التحكم في مصير القضايا حتى ولو من باب الاختباء خلف القضاة؟ [3]

لائحة 1938 التي ينتقدها الإكليروس بأن من وضعها ون، تظل من الناحية الموضوعية أفضل ما ظهر في ملف الأحوال الشخصية سواء في الشق المسيحي المرتبط بتغليب الرحمة على الكلام الحرفي وتعذيب الناس، وفيما يخص الجانب المدني والحقوقي فهي سابقة على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1948 لكن بنودها فيما يخص الطلاق تتفق مع الإعلان ومع العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية 1966. فمتى يعرف المصريون المسيحيون حقوقهم كمواطنين؟ ومتى ينضمون لادراجهم ضمن “الإنسان”!

‎ ‎ هوامش ومصادر: ‎ ‎
  1. ، : طليق هالة صدقي يقاضي «لائحة 1938».. ويحذر البابا شنودة من «العزل والحبس» [🡁]
  2. سحر طلعت، : إعادة طعن البابا شنودة ضد طليق هالة صدقى [🡁]
  3. : من أقامكم علينا قضاة ومشرعين؟ بتاريخ 28 مايو 2022. [🡁]

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي 0 حسب تقييمات 0 من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

پيتر مجدي
[ + مقالات ]

باحث وكاتب صحفي متابع للشأن الكنسي وشؤون الأقليات.
زميل برنامج زمالة الأقليات- مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان- ، جنيف/ ستراسبرج 2023.
زميل برنامج "" () لشبونة 2022.