بصراحة، الفترة الأخيرة بقيت ألاحظ ظاهرة غريبة جدًا ومخيفة في نفس الوقت. جروبات وصفحات كاملة هدفها مراقبة الناس، والدخول في معارك، وتوزيع اتهامات، واعتبار أي اختلاف أو سؤال أو رأي مختلف كأنه معركة لازم يتم سحق صاحبها. والأغرب إن عدد كبير من المشاركين في الحكاية دي من جيل صغير جدًا، داخل بحماس حقيقي، ومقتنع فعلًا إنه “بينصر الدين” أو “يحمي الفضيلة”.

لكن السؤال المهم هنا: إمتى الدفاع عن القيم يتحول لمطاردة للناس؟ وإمتى الاختلاف يبقى سبب لحملات شتيمة وبلاغات وتحريض وكأننا داخلين حرب؟ أنا شخصيًا شايف إن المشكلة مش في التدين أبدًا، لأن التدين الحقيقي عمره ما كان قائم على الكراهية أو مطاردة البشر. المشكلة لما الإنسان يقتنع إنه بقى مسؤول عن محاسبة الناس كلها، وإن أي حد مختلف لازم يتم الهجوم عليه أو إسكات صوته.

السوشيال ميديا للأسف خلت ناس كتير تحس بقوة ضخمة، فجأة ضغطة زر تخليك تجمع مئات الأشخاص ضد شخص واحد، وتخليك تحس إنك “بتنتصر”، حتى لو الطريقة نفسها مليانة عنف وكراهية. وده أخطر شيء ممكن يحصل لأي مجتمع: إن الناس تتحول من الحوار… للمحاكمات. أنا لا عندي مشكلة مع الدين، ولا مع الأخلاق، ولا مع أي إنسان مختلف معايا. لكن عندي مشكلة حقيقية مع فكرة إننا بقينا نعيش في حالة تفتيش مستمرة على بعض.

وبرأيك: هل فعلًا السوشيال ميديا زودت الوعي؟ ولا حولت ناس كتير إلى قضاة على بعض؟

أخطر حاجة ممكن تعملها السوشيال ميديا في الإنسان إنها تقنعه إنه بقى “بطل”.
بطل بيحارب الشر.
وفع عن الدين.
وبيكشف الناس.
وبيطارد “الأعداء”.

ومع الوقت يبدأ الشخص يصدق فعلًا إن عنده مهمة مقدسة، وإن أي حد مختلف معاه لازم يتم الهجوم عليه أو إسكاته أو فضحه. وده للأسف اللي حاصل دلوقتي بشكل واضح جدًا.

ناس كتير بقت تدخل أي نقاش بعقلية: “إما معي… أو ضد الدين.” وده تفكير مرعب، لأن الحياة مش أبيض وأسود بالشكل الساذج ده، والبشر أعقد بكتير من مجرد تصنيف سريع بين مؤمن وكافر، صالح وفاسد، ملاك وشيطان.

اللي لفت انتباهي أكتر إن بعض الناس لم تعد تبحث عن الحقيقة أصلًا، هم فقط يبحثون عن “العدو”. أي شخص مختلف، أو بيسأل، أو بيناقش، أو حتى بيهزر بطريقة مش عاجباهم، يتحول فورًا لهدف جاهز للهجوم الجماعي. والغريب إن كل ده بيحصل تحت شعارات الفضيلة والأخلاق. مع إن الفضيلة الحقيقية عمرها ما كانت قائمة على التشهير والكراهية والتحريض.

أنا مؤمن إن أي فكرة قوية لازم تتحمل النقاش. وأي إيمان حقيقي لا يخاف من السؤال. لكن المشكلة لما يتحول الخوف من الاختلاف إلى حالة هوس جماعي بالمطاردة. ساعتها المجتمع كله يخسر، حتى الناس اللي فاكرة إنها “بتنتصر”.

وبرأيك: ليه بعض الناس بتحب دائمًا فكرة وجود “عدو” تحاربه؟

في رأيي السوشيال ميديا لم تكشف حقيقة الناس فقط، لكنها كشفت شيئًا أخطر: كمية الغضب الموجودة داخل البشر. أحيانًا تدخل تقرأ التعليقات على أي موضوع مختلف شوية، فتشعر إن الناس لم تعد تناقش، بل تنتظر لحظة الهجوم فقط. أي رأي مختلف= خيانة. أي سؤال= تشكيك. أي نقد= حرب على الدين أو الأخلاق أو المجتمع. وكأننا فقدنا القدرة على التعايش مع فكرة إن البشر طبيعي جدًا يختلفوا.

اللي يخوف فعلًا إن بعض الناس لم تعد تبحث عن الفهم، بل عن الإدانة. يدخل الشخص النقاش وهو حاسم قراره مسبقًا: “أنا الصح… والباقي لازم يسكت”، وده مع الوقت بيخلق مجتمع متوتر طول الوقت، الكل فيه خائف من الكلام، وخائف من السؤال، وخائف حتى من التفكير بصوت عالي.

أنا شايف إن أخطر مرحلة يصل لها أي مجتمع، لما يتحول الحوار فيه إلى محاكمات. ولما يصبح الهدف من النقاش ليس الوصول للحقيقة بل تحطيم الخصم. وقتها الناس لا تتعلم، ولا تتقارب، ولا تفهم بعض. كل اللي بيحصل إن الكراهية بتزيد، والصوت الأعلى هو اللي يكسب.

الغريب إن ناس كتير تظن أن العنف اللفظي نوع من القوة، مع إن القوة الحقيقية في القدرة على النقاش بدون شتيمة، وعلى الاختلاف بدون كراهية.

وبرأيك: هل نحن فعلًا أصبحنا نعيش زمن “النقاش” أم زمن “الإلغاء”؟ زمان كان الإنسان لما يختلف معاك… يناقشك. دلوقتي أحيانًا أول رد فعل : “هاتوا الناس عليه”، بلاغات، شتيمة جماعية، تحريض. قص ولزق لكلام خارج سياقه. ثم تبدأ حفلة الإعدام الإلكتروني.

المشكلة إن كثير من الناس لا تدرك خطورة ما تفعله، لأنها تتعامل مع الأمر كأنه مجرد “دفاع عن الحق”، بينما الحقيقة إن التحريض الجماعي نوع من العنف، حتى لو تم من وراء شاشة. والأخطر إن الشخص داخل الجروب يشعر بقوة غريبة. يشعر إنه جزء من جيش، وإنه محمي وسط الحشد، فيقول أشياء ربما لا يجرؤ أن يقولها وحده. وده بالضبط اللي يجعل عقلية القطيع خطيرة جدًا. لأن الإنسان داخل المجموعات الغاضبة يفقد جزءًا كبيرًا من فرديته، ويتحول تدريجيًا من شخص يفكر… إلى شخص يكرر.
يكرر نفس الكلمات.
نفس الاتهامات.
نفس الغضب.

وأحيانًا بدون أن يسأل نفسه: “هل أنا فعلًا مقتنع؟ أم فقط مندمج مع الحشد؟”،  أنا لا أكتب هذا دفاعًا عن نفسي، ولا طلبًا للتعاطف. أنا فقط أحاول فهم ظاهرة أصبحت تكبر يومًا بعد يوم: لماذا أصبح الناس أسرع إلى الكراهية من الحوار؟ ولماذا يشعر البعض براحة نفسية عندما يرى شخصًا آخر يتم الهجوم عليه جماعيًا؟

السؤال الأهم:
هل نحن نربي جيلًا يفكر؟ أم جيلًا يحاكم؟

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي 0 حسب تقييمات 0 من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

سعيد فايز
رئيس لجنة حقوق الإنسان في    [ + مقالات ]