بعد ظهور بوادر لإقرار تعديلات على قوانين الأحوال الشخصية في مصر، طالبتُ في المقال السابق [1]، بأمرين:

أولهما أن تؤدي الدولة دورها تجاه مواطنيها بإقرار موحد لكل المواطنين المصريين، يضع قواعد محددة تُطبّق عند عقد الزواج وعند فضه بالطلاق، ويكون مبنيًا على المواثيق والمعاهدات الدولية المرتبطة بهذا الموضوع التي صدّقت عليها مصر، بعيدًا عن سلطة المؤسسات الدينية، وأن تُراعى مصلحة الأطفال عند فض الزواج.

والأمر الثاني هو إجراء حوار مجتمعي حقيقي لمعرفة آراء أصحاب الشأن الذين يُطبّق عليهم القانون، ولأننا أمام أمر واقع، فهذا المقال يناقش مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين.

لمحة تاريخية

كانت الأحوال الشخصية للمسيحيين تحكمها لائحة صدرت في عام 1938 عن العام، وكانت أفضل المتاح في التعامل مع ملف الأحوال الشخصية؛ لأنها وضعت 9 أسباب للطلاق، وهي: الخيانة (الزنا)، خروج أحد الزوجين عن المسيحية، غياب أحد الزوجين 5 سنوات متتالية، سجن أحد الزوجين سبع سنوات فأكثر، الإصابة بالجنون أو أي مرض غير قابل للشفاء أو العنة، إذا اعتدى أحد الزوجين على الآخر، إذا ساء سلوك أحد الزوجين وانغمس في الرذيلة، إذا أساء أحد الزوجين معاشرة الآخر وأخل بواجباته وحدث نفور وفرقة لمدة 3 سنوات متوالية، وإذا ترهبن الزوجان أو أحدهما. [2]

وفي عام 2008، تَمَّ إلغاء 7 من المواد الخاصة بالطلاق وتعديل بعض الأمور في المادة الخاصة بالزنا وما في حكم الزنا والإبقاء على تغيير الدين، وصدرت تصريحات من عديد من الأساقفة على مر السنوات الماضية تنتقد تلك اللائحة، باعتبار أن من وضعها ون، وكأن العلمانيين ينقصهم الإيمان.

مع أن هذه اللائحة بموادها رغم قدمها تتماشى مع تعاليم المسيح في إنجيل متى: ولكن أقول لكم: إن ههنا أعظم من الهيكل! فلو علمتم ما هو: إني أريد رحمة لا ذبيحة، لما حكمتم على الأبرياء! فإن ابن الإنسان هو رب السبت أيضا [3].

ومع ما جاء في الفقرة اﻷولى من المادة 16 من اﻹعلان العالمي لحقوق اﻹنسان الصادر في 10 ديسمبر 1948: للرجل والمرأة، متى أدركا سنَّ البلوغ، حقُّ التزوُّج وتأسيس أسرة، دون أيِّ قيد بسبب العِرق أو الجنسية أو الدِّين. وهما متساويان في الحقوق لدى التزوُّج وخلال قيام الزواج ولدى انحلاله. [4].

بمنطق مسيحي كانت هذه اللائحة تقدم الرحمة، ووفق نهج حقوقي كانت تضع أسباباً تحترم ية الزوجين للسماح لهما بالطلاق، وهو ما يراه الأساقفة ومن قبلهم البابا الراحل الأنبا بأنها مخالفة لتعاليم المسيح [5].

ومع التعديلات التي جرت على يد البابا شنودة ورئاسة مطران طنطا للمجلس الإكليريكي للأحوال الشخصية منذ عام 1985 وحتى عام 2012، صارت الأحوال الشخصية قنبلة موقوتة تنفجر في وجه المجتمع المصري كله وليس المواطنين المسيحيين فقط [6].

كيف انفرد اﻷنبا بولا بوضع القانون؟

رغم أن القبطية تمتد في مصر والخارج في أغلب قارات العالم، كان هناك مجلس إكليريكي مركزي ينظر في قضايا الأحوال الشخصية في العالم كله برئاسة الأنبا بولا منذ أن خرج البابا شنودة من فترة التحفظ عام 1985 وحتى رحيله في 17 مارس 2012.

وبسبب التضييق على المسيحيين في الحصول على الطلاق، ظهرت أزمة لجوء بعض المسيحيين للتحول إلى الإسلام للحصول على الطلاق، وبعدما تم ذلك أرادوا العودة للمسيحية مجدداً، وعُرفت وقتها بأزمة العائدون للمسيحية، وكانت هناك قضايا في القضاء الإداري من أجل إثبات المسيحية في خانة الديانة مجدداً، أبرزها عام 2008 لـ 12 مواطناً مسيحياً [7].

وكان مسك الختام في يوليو عام 2011، حينما تظاهرت واعتصمت مجموعة من المسيحيين أمام مقر المجلس الإكليريكي في الكاتدرائية؛ بسبب تعنت الكنيسة معهم في حل قضاياهم والحصول على الطلاق أو تصاريح ، وحينما تجمهروا، أُطلقت عليهم كلاب الحراسة الخاصة بالمقر البابوي وقتها لتفريقهم، وعُرفت إعلاميًا باسم موقعة الكلب [8].

يد البابا تواضروس المرتعشة

ورث البابا تركة ثقيلة، خاصة فيما يخص ملف الأحوال الشخصية، وعانى من تلك التركة عندما تظاهر في عظته يوم 3 يونيو 2015 مجموعة من متضرري الأحوال الشخصية، واضطر معها لإلغاء العظة [9].

ولحل تلك الأزمة، أعاد البابا تواضروس تنظيم المجلس الإكليريكي، بإبعاد الأنبا عن الملف وتفكيك المجلس المركزي إلى 6 مجالس إقليمية، وأعاد بعض المواد المُلغاة من لائحة 1938، مثل شرط الثلاث سنوات لمن ليس لديهم أطفال والخمس سنوات لمن لديهم أطفال، وبدأت الكنيسة في التعامل بجدية مع الأزمات والمشاكل مرة أخرى.

هدأت الشكاوى على ساحة الإعلام بتلك الإجراءات، لكن في نفس الوقت عندما تم اقتراح إعداد قانون موحد للأحوال الشخصية للمسيحيين عام 2014، تم اختيار الأنبا بولا ليكون ممثل الأرثوذكسية في لجنة إعداد القانون، ولا أفهم كيف حاول البابا حل المشاكل التي تسبب فيها الأنبا بولا ونظام إدارته للمجلس الإكليريكي بإبعاده، ثم يختاره لإعداد القانون!

عداء الكنيسة للزواج المدني

في أول مشروع أعدته وزارة العدل عام 2014، تم اقتراح وجود باب للزواج المدني بين المسيحيين بعيداً عن سلطة الكنائس، لكن وقتها ثارت ثائرة ممثلي الكنائس في إعداد القانون، وقالوا إنه قانون للمسيحيين فلا يجب أن يكون للزواج المدني وجود في داخله، وتم حذف هذا الباب في حينها.

وإن كان ممثلو الكنائس على حق في هذا الفصل، إلا أنه على الدولة دور وواجب تؤديه تجاه مواطنيها بإقرار قانون للزواج المدني بعيداً عن سلطة المؤسسات الدينية؛ فالزواج له شق مدني يخص العقود والانفصال وحقوق وواجبات كل طرف، وهذا أمر يجب أن تنظمه الدولة ولا دخل للمؤسسات الدينية فيه.

الزواج له شقان: أحدهما مدني يخص المواطنين في كتابة عقودهم لدى الدولة، والآخر روحي مع الكنيسة. فإذا كانت الكنيسة تؤدي دورها تجاه أولادها، فلماذا تريد السيطرة على إرادتهم بخصوص توثيق الجانب المدني للزواج؟ ولماذا لا تكتفي بدورها الروحي بعقد صلاة الإكليل؟ ويكون لكل مسيحي ومسيحية إكليل واحد لدى الكنيسة، وليس لها علاقة بالطلاق والانفصال الذي لا تفضله.

وإذا كانت الكنيسة تؤدي دورها الروحي على أكمل وجه، سيمتثل أبناؤها لتعاليمها بخصوص الزواج مرة واحدة وعدم اللجوء للطلاق سريعاً؛ بل إنْ كانت الكنيسة تؤدي دورها فعلاً، فلن تحتاج لتلك السلطة التي تقيّد بها أبناءها لتخضعهم.

على أرض الواقع، ورغم كل السلطة التي تملكها الكنيسة وفق الوضع الحالي، فإنها لا تستطيع أن تمارس تلك السلطة على أبنائها؛ والدليل هو كثرة المشكلات الزوجية التي لم يتم الفصل فيها؛ لأن الطرفين -أو أحدهما- لا يعير الكنيسة وسلطاتها اعتباراً في الفصل بينه وبين الطرف الآخر [10].

إن إقرار قانون الأحوال الشخصية الذي أعده الأنبا بولا، بإضافة مواد تزيد من سلطوية ال وتدخلهم أكثر في أدق تفاصيل العلاقات بين المسيحيين، سيؤدي بنا إلى مزيد من المشاكل التي ستكون أصعب من الوضع الحالي؛ فاللائحة هي أمر داخلي يمكن تعديله بسهولة، لكن صدور قانون من مجلس النواب قد لا يكون مناسباً ويحتاج إلى تعديل، وستوجد تعقيدات كثيرة لتعديله في حال حدث خلاف بين الكنيسة وممثليها من جهة، والبرلمان والحكومة من جهة أخرى.

ثم إن الوضع الحالي، الذي يعتبر المصريين المسيحيين فاقدي الأهلية ولا يتمتعون بحق الزواج، بحيث لا تُوثَّق عقودهم إلا إذا جاء بها الكاهن الموكل بذلك من الكنيسة، هو أمر غير دستوري ويخالف كافة مواثيق حقوق الإنسان الدولية. وإذا صدر قانون يُقرُّ هذا الوضع فهو غير دستوري، وسيكون من الطبيعي الطعن في عدم دستوريته أمام المحكمة الدستورية العليا.

‎ ‎ هوامش ومصادر: ‎ ‎
  1. : لا تسلقوا “اﻷحوال الشخصية” [🡁]
  2. ال، ﻻئحة الأحوال الشخصية للأقباط الأرثوذكسيين [ لائحة ١٩٣٨ المعدلة في ٢٠٠٨ ] [🡁]
  3. إنجيل متى 12: 6-8 [🡁]
  4. : اﻹعلان العالمي لحقوق اﻹنسان. [🡁]
  5. : «لا طلاق إلا لعلة الزنا» والمشكلة الإزائية. [🡁]
  6. سارة قسط: انظروا إلى نهاية سيرتهن، ولا تتمثلوا بإيمانهن. [🡁]
  7. : بيان حول حكم “العائدون للمسيحية” [🡁]
  8. ، ، البابا شنودة يبدأ التحقيق مع الأنبا بولا فى”موقعة الكلب”. [🡁]
  9. ، ، البابا تواضروس يلغي عظته الأسبوعية بعد احتجاجات متضرري الأحوال الشخصية. [🡁]
  10. سارة قسط: بولا بولا: لماذا تُزعج المرأة؟ [🡁]

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي 5 حسب تقييمات 7 من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

پيتر مجدي
[ + مقالات ]

باحث وكاتب صحفي متابع للشأن الكنسي وشؤون الأقليات.
زميل برنامج زمالة الأقليات- مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان- الأمم المتحدة، جنيف/ ستراسبرج 2023.
زميل برنامج "" () لشبونة 2022.