المقال رقم 85 من 84 في سلسلة تاريخ الإخوان والسلطة
تاريخ الإخوان والسلطةwp-content/uploads/2024/09/تاريخ-الإخوان-والسلطة.webp

ميدان التحرير يشهد حركة غير طبيعية تنبئ بأن اليوم لن يكون عاديًا في حياة كل المصريين، فقد كان الجميع يترقب حدثًا تاريخيًا طال انتظاره، وكانت الاستعدادات تجري على قدم وساق منذ الصباح الباكر لاستقبال المصريين الذين بدأوا الزحف على الميدان منذ ساعات النهار الأولى، وآلاف المصريين يتدفقون على الميدان للمشاركة في مليونية جديدة، وسط إجراءات أمنية مشددة من قبل المعتصمين، وكأن الثورة تبدأ من جديد، يحملون إصرارًا غريبًا على شيء واحد هو إسقاط النظام.

أحد أبرز أسباب هذا الإصرار هو خيبة الأمل التي ألحقها بهم الرئيس مبارك بعدم تخليه عن السلطة في خطاب ناقض كل التوقعات؛ وفي الوقت نفسه، بدأ جزء كبير من الحشود بالوصول إلى قصر العروبة للحاق بمن سبقوهم في الليلة الماضية، تزامنًا مع إذاعة البيان الثاني للمجلس الأعلى للقوات المسلحة.

نظرًا للتطورات اللاحقة للأحداث الجارية التي يتحدد فيها مصير البلاد، وفي إطار المتابعة المستمرة للأحداث الداخلية والخارجية، وما تقرر من تفويض للسيد نائب رئيس الجمهورية من اختصاصات، وإيمانًا بمسؤوليتنا الوطنية بحفظ واستقرار الوطن وسلامته، قد قرر المجلس:
أولًا ضمان تنفيذ الإجراءات الآتية: إنهاء حالة الطوارئ فور انتهاء الظروف الحالية، الفصل في الطعون الانتخابية وما يلي بشأنها من إجراءات، إجراء التعديلات التشريعية اللازمة، وإجراء انتخابات رئاسية حرة ونزيهة في ضوء ما تقرر من تعديلات دستورية.
ثانيًا: تلتزم القوات المسلحة برعاية مطالب الشعب المشروعة والسعي لتحقيقها من خلال متابعة تنفيذ هذه الإجراءات في التوقيتات المحددة بكل دقة وحزم حتى تمام الانتقال السلمي للسلطة وصولًا للمجتمع الديمقراطي الحر الذي يتطلع إليه أبناء الشعب.
ثالثًا: تؤكد القوات المسلحة على عدم الملاحقة الأمنية للشرفاء الذين رفضوا الفساد وطالبوا بالإصلاح، وتحذر من المساس بأمن وسلامة الوطن والمواطنين، كما تؤكد على ضرورة انتظام العمل بمرافق الدولة وعودة الحياة الطبيعية حفاظًا على مصالح وممتلكات شعبنا العظيم، حمى الله الوطن والمواطنين.

(البيان الثاني للمجلس الأعلى للقوات المسلحة)

أمام قصر العروبة وصلت الأعداد المرابضة أمام القصر إلى ما يقرب من ثلاثين ألف متظاهر، الذين شرعوا فور وصولهم في إقامة المستشفيات الميدانية وتجهيز سبل الإعاشة استعدادًا لبدء الاعتصام أمام القصر، في نفس الوقت الذي كانت فيه قوات الحرس الجمهوري تحيط بالقصر إحاطة السوار بالمعصم بقبضة حديدية من الأسلاك الشائكة والدبابات.

حدثت بعض المناوشات والاعتداءات من قبل الحرس الجمهوري والشرطة العسكرية، ومن قبل قائد الشرطة العسكرية شخصيًا، مما أعطى صورة مقلقة لما يمكن أن يحدث لاحقًا، فقد يحدث انفلات للأعصاب من أحد المتظاهرين في محيط القصر الجمهوري، والقانون في تلك الحالة يعطي للحرس الجمهوري حق الدفاع عن القصر وساكنه باستعمال السلاح، باختصار لا يمكن السيطرة على ما قد يحدث أمام قصر العروبة، خصوصًا أن الجيش حتى الآن لم يتخذ موقفًا محددًا، ويمكن في أي لحظة أن يوضح انحيازه لمبارك، والشيء المؤكد أن الموقف أمام القصر لم يكن آمنًا بالمرة.

قبل صلاة الجمعة بقليل كان ميدان التحرير كامل العدد ولا يوجد موطئ لقدم، حتى امتدت حشود الثوار إلى الشوارع الجانبية من ميدان التحرير وإلى الميادين الفرعية القريبة من وسط القاهرة، وبينما كان الشعب منهمكًا في صلاة الجمعة، وتحديدًا الساعة 12:30 ظهرًا، استقل مبارك طائرة هليكوبتر من القصر الرئاسي إلى مطار النزهة، منفردًا على أن تلحق به باقي الأسرة بعد قليل، ورأى مبارك بأم عينه المتظاهرين المحاصرين لقصره، والمؤكد أنه لم يدر بخلد المتظاهرين القابعين على أسوار القصر أن تلك الطائرة التي حلقت فوق رؤوسهم تقل مبارك الذي يهتفون مطالبين برحيله، ومن مطار النزهة استقل مبارك طائرة رئاسية إلى مقر إقامته في شرم الشيخ.

في الواحدة والنصف ظهرًا، هبط مبارك في مطار شرم الشيخ ومنه إلى مقره هناك، بينما كان الثلاثي و و لا يزالون في مواقعهم في قصر الاتحادية، ثم أرسلوا في طلب وزير الداخلية ووزير الخارجية للاجتماع بهم، لكن ما لبث أن تم إبلاغهم من قبل الجيش بضرورة إخلاء القصر كنوع من التأمين، وبالفعل غادر الخمسة إلى غرفة عمليات القوات المسلحة للاجتماع بالمشير.

ثم اجتمع الثلاثي وشفيق وسليمان بمفردهم، وبادر شفيق بالحديث موجهًا كلامه إلى طنطاوي: أعتقد يا سيادة المشير أنه آن الأوان لكي تتسلموا قيادة البلد، فأجاب طنطاوي بالرفض، فكرر شفيق: مينفعش.. الرئيس هايتنحى وأنتم تمسكوا البلد.، فأجاب طنطاوي: لاء.. الرئيس مش هايتنحى.، فكرر شفيق الأمر على مسامعه مرة أخرى مؤكدًا: يا سيادة المشير.. الرئيس سيتنحى وأنتم ستتسلمون البلد.، فأجاب طنطاوي بأن عليه أن يسأل ويستشير القوات المسلحة أولًا.

غادر طنطاوي الاجتماع لدقيقتين، ثم عاد وأعلن موافقته، ثم طلب شفيق من عمر سليمان أن يتحدث هاتفيًا إلى مبارك ليستشيره، وأوضح الأمر لمبارك الذي وافق على فكرة التنحي، لكنه طلب إرجاءها إلى المساء، إلى ما بعد إقلاع الطائرة التي كانت موجودة في مطار ألماظة لحمل علاء وجمال وأسرتيهما إلى شرم الشيخ، حرصًا على سلامتهم، وعاد سليمان إلى شفيق وطنطاوي وأخبرهم بفحوى الحوار، فبادر شفيق بالاعتراض مرة أخرى على إرجاء إعلان التنحي، لأن المتظاهرين بالفعل على أسوار القصر الجمهوري، لكن لم يكن أمامهم سوى الانتظار.

وعلى الفور بدأ الثلاثي في صياغة بيان التنحي حسبما طلب مبارك منهم، لأنه كان يريد بيانًا قصيرًا، ثم اتفقوا على أن يقرأه عمر سليمان وليس المشير طنطاوي، حتى لا يبدو الأمر وكأنه انقلاب عسكري، ثم تحدث سليمان هاتفيًا مرة أخرى مع مبارك، وأخبروه أن الوقت ضيق وأنهم بالفعل قد صاغوا خطاب التنحي ولا توجد فرصة لإرساله لشرم الشيخ لتوقيعه، والعودة به مرة أخرى للقاهرة، فطلب مبارك من سليمان أن يقرأه له، ثم طلب تغيير كلمة “تنحي” إلى “تخلي”.

ويقال إن مبارك قد طلب منهم التأكد من دستورية وقانونية هذا الانتقال للسلطة، حتى لا يتسبب في أي مشاكل لاحقًا، وسرت أخبار غير مؤكدة عن حوار بين مبارك ونائبه، عما إذا كان مبارك يحتاج إلى أي ضمانات تعفيه من أي مسؤولية وتقيه من المحاسبة مستقبلًا، وعما إذا كان يرغب في الرحيل خارج البلاد، فأجاب مبارك بالنفي، مؤكدًا أنه لم يرتكب أي خطأ ليحاسب عليه، وليس لديه الرغبة في أي شيء سوى أن يكمل حياته في شرم الشيخ.

والحقيقة أن حسني مبارك حتى وفاته لم يوقع على أي قرار مكتوب يعلن فيه استقالته أو تخليه أو عجزه عن ممارسة سلطاته، والبيان الذي قرأه عمر سليمان قد جرت مراجعته سريعًا، دون العودة إلى أي فقيه قانوني أو دستوري، مما جعل البيان لمن يقرؤه خاليًا من أي إشارة إلى دستور أو قانون أو مبررات لهذا التنحي.

فور انتهاء المكالمة، خرج سليمان على عجل، ليقرأ البيان أمام الكاميرا في مكان أشبه بممر بين مجموعة من الغرف وأمامه منصة بسيطة يبدو جليًا أنه تم إعدادها على عجل وميكروفون وحيد، بينما ظهر خلفه اللواء حسين كمال مدير مكتبه بوجه شديد الاقتضاب، وبدون سبب واضح لظهوره في خلفية المشهد، ويبدو أن أحدًا لم يطلب منه الابتعاد خارج الكادر عند التصوير.

بعد ساعة تقريبًا، وفي الخامسة والنصف، وصل اللواء إسماعيل ، المتحدث باسم المجلس الأعلى للقوات المسلحة ومدير الشؤون المعنوية، إلى مبنى التليفزيون المصري () بكورنيش النيل، وواجه مصاعب شديدة لاختراق جموع الحشود الكبيرة التي كانت تحيط بمبنى التليفزيون؛ ليلتقي ب، رئيس قطاع الأخبار، بعد أن أفهمه بالأمر.

فتح عتمان معطفه وأخرج من جيبه الداخلي شيئًا ما وهو يقول: معي البيان، وأخرج شريط كاميرا رقمية صغيرًا، لا يتجاوز حجمه حجم شريط الكاسيت، مسجلًا عليه بيان التنحي، وقال للمناوي: كنت أخفيه خوفًا من أن أفقده وسط الحشود، ثم استدرك قائلًا: قرر مبارك التنحي.. وعمر سليمان أعد هذا البيان، وجلس الاثنان في انتظار الأوامر بإذاعة بيان التنحي؛ لأن علاء وجمال وأسرتيهما وسوزان لم يغادروا القصر بعد.

في هذا الوقت كان جمال وعلاء وأسرتاهما في المطار الملحق بالقصر الرئاسي في انتظار ، وركبت العائلة كلها الطائرة وبدأت بالفعل حركة المراوح، فخرجت سوزان مهرولة إلى المجمع الرئاسي وإلى “الفيلا” بالتحديد، وهي مقر إقامة العائلة، وهناك انهارت سوزان من أثر الحزن الشديد، حيث انهار العالم كله من حولها، وتم العثور عليها جالسة على الأرض تبكي وتعجز عن السيطرة على نفسها أو الوقوف على قدميها، فحاول الحراس مساعدتها على الوقوف، واتكأت على كتف ضابط شاب حيث حملوها داخل المنزل، فاستعادت بعض مقتنياتها القريبة إلى قلبها، ثم مسحت دموعها، وألقت نظرة أخيرة على الفيلا، واتجهت للطائرة ومنها للمطار.

وعندها تلقى عتمان تعليمات إذاعة الشريط، واتجه مع المناوي إلى حجرة البث، حيث شرع العاملون بها في النحيب والعويل بصوت مسموع حزنًا على تنحي مبارك فور معرفتهم بالخبر، وفي تمام الساعة السادسة أعلنت مذيعة التلفزيون المصري عن بيان هام للأمة يلقيه نائب الرئيس السيد عمر سليمان، وتوقف ميدان التحرير عن التنفس تقريبًا، وحل صمت رهيب على الميدان لسماع الخطاب المرتقب.

في السادسة والدقيقتين بتوقيت القاهرة، خرج عمر سليمان بقسمات وجهه الصلب، وبعيون زاغت حزينة، وبصوت بذل صاحبه جهدًا حقيقيًا لإخفاء نبرة الأسى فيه، وبدون أي مقدمات قال:

أيها المواطنون، في هذه الظروف العصيبة، التي تمر بها البلاد، قرر الرئيس؛ محمد حسني مبارك، تخليه عن منصب رئيس الجمهورية. وكلف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد. والله الموفق والمستعان.

(عمر سليمان يتلو خطاب التنحي)

ثلاثون ثانية، كانت هي مدة الخطاب الذي أنهى ثلاثين عامًا من حكم مبارك.

ومع الكلمة الأخيرة للبيان، بلغت فرحة المصريين عنان السماء، وانتفض الميدان عن بكرة أبيه يصرخ بشكل هستيري من الفرحة الصادمة غير المتوقعة بعد صدمة خطاب الأمس، وانطلقت الألعاب النارية تشق سماء الميدان، وخرجت مصر كلها من شمالها إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها إلى الشارع تنتفض من الفرحة.

أمام قصر العروبة، أدارت مدافع الدبابات واجهتها المصوبة ناحية الجماهير إلى الناحية العكسية، ناحية القصر الذي بات مهجورًا في تلك اللحظة. ونجح المتظاهرون، بعد أقل من ثلاثة أسابيع من التظاهر، في إسقاط نظام ديكتاتوري دام لأكثر من ثلاثة عقود. وانطلق المتظاهرون يحيون جنود الجيش المعتلين دباباتهم ويلتقطون معهم الصور التذكارية.

تشكيل حكومة وطنية يتولاها أي شخصية وطنية مثل عمر سليمان، برئاسة أحمد شفيق أو بغيره، لتمثّل الشعب المصري وتقود المرحلة الانتقالية. ونحن نؤكد على الموقف الثابت للإخوان المسلمين، أننا كإخوان مسلمين لن نشارك لا في حكومة ولا في انتخابات رئاسية، لأن الهم الأكبر لنا كإخوان هو أن تكون مصر دولة عصرية مدنية متقدمة، أبناؤها يعيشون بكرامة وعزة، وتحت نظام قضائي مستقل وعادل.

(، )

الغريب أن د. عبد المنعم أبو الفتوح، القيادي بجماعة وقتها، كان أول من سارع بترشيح نفسه للانتخابات الرئاسية.

في الثامنة والنصف مساءً، ألقى اللواء البيان الثالث للمجلس العسكري:

في هذه اللحظة التاريخية الفارقة من تاريخ مصر، وبصدور قرار السيد ال بالتخلي عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد، ونحن نعلم جميعًا مدى جسامة هذا الأمر وخطورته أمام مطالب شعبنا العظيم في كل مكان لإحداث تغيرات جذرية، فإن المجلس الأعلى للقوات المسلحة يتدارس هذا الأمر مستعينًا بالله سبحانه وتعالى للوصول إلى تحقيق آمال شعبنا العظيم. وسيصدر المجلس الأعلى للقوات المسلحة لاحقًا بيانات تحدد الخطوات والإجراءات والتدابير التي ستتبع، مؤكدًا في نفس الوقت أنه ليس بديلًا عن الشرعية التي يرتضيها الشعب، ويتقدم المجلس الأعلى للقوات المسلحة بكل التحية والتقدير للسيد الرئيس محمد حسني مبارك على ما قدمه في مسيرة العمل الوطني حربًا وسلمًا، وعلى موقفه الوطني في تفضيل المصلحة العليا للوطن. وفي هذا الصدد، فإن المجلس الأعلى للقوات المسلحة يتوجه بكل التحية والإعزاز لأرواح الشهداء..
محسن الفنجري
..الذين ضحوا بأرواحهم فداءً لحرية وأمن بلدهم ولكل شعبنا العظيم. والله الموفق والمستعان.

(محسن الفنجري، البيان الثالث للمجلس العسكري)

وكان هناك في تاريخ مصر الحديث ١٨ يومًا لا مثيل لهم. أشفق حقًا على كل من لم يذق طعمهم.

شهادة علاء الأسواني

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي 0 حسب تقييمات 0 من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

‎ ‎ جزء من سلسلة: ‎ ‎ تاريخ الإخوان والسلطة[الجزء السابق] 🠼 ليلة الخميس
بيشوي القمص
[ + مقالات ]

صدر للكاتب:
كتاب: ﻻ أحد يتعلّم من التاريخ ٢٠١٧
كتاب: ﻻ أحد يتعلّم من التاريخ [قيصر جديد] ٢٠١٨
كتاب: ﻻ أحد يتعلّم من التاريخ [صراع العروش] ٢٠٢٢
كتاب: ﻻ أحد يتعلّم من التاريخ [العملية ظافر] ٢٠٢٤