في آيات في الكتاب المقدس، نقف قدّامها كأنّها باب أو صندوق مقفول محتاج مفتاح.. فنقراها بسرعة ونعدّيها، وهي في الحقيقة محتاجة وقفة تانية، بس مش أي وقفة؛ وقفة بموقفٍ حياتيّ يبقى هو المفتاح اللي يفتح معناها قدّامنا:

ولكن مَتَى جاءَ ابنُ الإنسانِ، ألَعَلَّهُ يَجِدُ الإيمانَ علَى الأرضِ؟

(إنجيل لوقا 18: 8)

المسيح قالها كخاتمة مُرعبة لمَثل هو -في رأيي- من أصدق ما يفسّر وقتنا الحالي: مَثل الأرملة والقاضي الظالم، وسط كلامه عن الأيام الأخيرة وما يصاحبها من تأخير العدل وثِقَل الانتظار [1].

وصورة المَثل بتتكرّر حوالينا بشكل موجِع: أمّ بتصرخ ليل نهار، بتجري بين أبواب “السُّلطة” و”المسؤولين” و”المكاتب”، وبتخبط على كل باب تقدر عليه.. تروح للكنيسة، ولأبواب كبارها، وتبصّ حوالَيها فتلاقي احتفالات واستقبالات وابتسامات في العيد، كأنّ الوجع بعيد عنهم.. بينما بنتها مخطوفة من حضنها. وتطرق أبواب القسم، والنيابة، والمحكمة.. وفي الآخر تسمع حكمًا يوجع: «غير مُختصّين»؛ فتخرج وهي شايلة همّها، وقلبها بيزيد فيه الوجع، وبرُعب الأم اللي بتدور على بنتها الضايعة منها.

دي أمّ شبه الأرملة في المَثل.. مش لأنها فقدت زوجها بالضرورة، لكن لأنها واقفة قدّام منظومة أكبر منها، وخصم أقوى منها، وأبواب بتتقفل في وشّها.

المسيح كان دايمًا بيحكي أمثال طالعة من قلب الواقع: الزرع والحصاد، السوق والبيت، القاضي والديّان، الأب والابن. أمثال آه… لكنها بتلمس الحياة اليومية البسيطة، وتفتح في نفس الوقت بابًا على الحياة الداخلية الروحية بطريقة عملية جدًا؛ وعشان كده مَثل الأرملة مش “حكاية” بنسمعها ونمشي.. ده مراية لأيامنا: أيام يتأخر فيها العدل، ويتعب فيها القلب، ويجي السؤال اللي يوجع: هتفضّل مؤمن بيَّا، ومصدّق إنّك ابني، وإنّ حقّك وحياتك في حضني؟ هتفضل في محضري بتناديني -بالرغم من كلّ الوجع والمرارة والضيق والظلم الخارجي؟.. ولا هتسيب الإيمان يِنكمِش جواك.. لحدّ ما يِبرد ويموت؟

المعرفة بتزيد والإيمان بينقص

العالَم بينمو في المعرفة بطريقة مذهلة… ومش بتكلم عن الأكاذيب ولا عن “معلومات ناقصة ومُضلِّلة”، لكن عن معرفة حقيقية: علوم بتتقدّم، وأدوات بتسهّل الفهم، وتعليم أسرع، ووعي أوسع بالإنسان والطبيعة، وحتى بالدين وبالله وبالنفس وبالعلاقات. وده مش بعيد عن إشارات كتابية بتتكلم عن اتّساع المعرفة في الأزمنة الأخيرة: …تَكْثُرُ المَعرِفَةُ [2].

لكن وسط نموّ المعرفة ده، فيه حاجة تانية بتتحرّك عكسه جوا الإنسان: الإيمان الحَيّ… الإيمان اللي مش “شِعار” ولا “انطباع ديني”، لكن زي ما بولس سمّاه بوضوح: إيمانٌ عامِلٌ بالمحبّة [3]. يعني إيمان يِبان في الثبات، وفي الرحمة، وفي الصبر، وفي محبّة ما بتِبردش مع الوقت، ولا بتِقفِل على نفسها وتتحوّل… مش مجرّد كلام حلو.

المؤلم إنك تلاقي ناس “بتتعلّم” فعلًا… بس من غير ما توصل لِـ الحقّ اللي يغيّر القلب. زي ما بولس وصف الحالة دي: دائمًا يَتَعَلَّمون، ولا يستطيعون أن يَبلُغوا إلى مَعرِفَةِ الحقّ [4]. معرفة كتير وعقل بينتفخ، لكن قلب ما بيتغيّرش… فالإيمان بدل ما ينمو وينضج، يِبتدي يِنكمِش ويضعف.

فوسط كلّ اللي بنفهمه وبنتعلّمه… ييجي وقت تُمتَحَن فيه المعلومة؛ وقت تكتشف إن المعرفة لوحدها ما بتسندش القلب في العَتَمة. ساعتها بتحتاج إيمانًا حَيًّا يِكمّل فينا ونِعبر بيه وقت الظُلمة. وعشان كده ربّنا يسوع المسيح أخَذَنا مباشرة إلى محضر الآب عمليًّا: الصلاة التي لا تَمَلّ… الإيمان اللي يِصرخ وهو موجوع، وهناك—بلمستِه—يحوِّل المرارة اللي جوّاه لِحلاوة، ويَهب سلامَه في القلب.

الإمهال وسؤال الإيمان

لوقا نفسُه ما سابناش نخمن الهدف من المثل، وكتب صراحة إنّ المسيح قاله: لكي يُعلّمهم أنّه ينبغي أن يُصلّوا كلَّ حين ولا يَملّوا [5]. يعني المشكلة اللي المسيح بيعالجها مش: “هل ربنا عادل؟”—دي محسومة—لكن المشكلة: هل إحنا هنكمّل؟ هل هنكمّل صلاةً وإيمانًا لما الإنصاف يتأخر؟ لما الإحباط يزيد؟ لما المنطق يقول: “مفيش فايدة”؟

المشهد اللي يسوع رسمه بسيط وقاسٍ:

قاضي “لا يخاف الله ولا يهاب إنسانًا”… يعني لا عنده ضمير قدّام ربنا، ولا عامل حساب لأيٍّ منَ الناس. وأرملة ضعيفة اجتماعيًا، بتطالب بحقّها. هي ما عندهاش نفوذ ولا ظَهر، وعشان كده إصرارها هو سلاحها الوحيد: بتروحله تاني وتالت وعاشر… لحدّ ما يستجيب. واللي يوجع إنّ القاضي ما استجابش لأنه “عادل”، لكن لأنه “زَهِق”!

وبعدين المسيح يعمل النقلة اللي بيسموها منطق “من الأقلّ إلى الأعظم” (قاعدة استدلال معروفة في التفسير): إذا كان قاضي ظالم في الآخر هيدي حقّ الأرملة… فكم بالحري الله، العادل الصالح، هينصف مختاريه اللي بيصرخوا ليه نهارًا وليلًا..

المسيح مش بيشبّه ربنا بالقاضي الظالم؛ بالعكس المقارنة بالتضاد: لو الظالم استجاب “بشرّ”، فالإله الصالح هيستجيب “بخير”.

طيب… لو ده كده، ليه المسيح قال بعدها: «أقولُ لكم: إنَّهُ يُنصِفُهُم سريعًا» ثم فجأة قلبها لسؤال يبدو غامضًا عن قدومه في آخر الأيام؟!

لأن “السُّرعة” هنا مش معناها “على توقيت ساعتنا”، لكن معناها إنّ لما ييجي وقتُ الله، الإنصاف يتمّ بحسمٍ كامل ومن غير مماطلة؛ زي ما اتكلم عن مجيئه إنّه بيجي بغتةً، “كلصّ” في وقت ما حدّش متوقّعه. أمّا الإحساس بالتأخير فالمَثل بيلمسه من زاوية “الإمهال/طول الأناة”، واللي بتظهر في العبارة اللي عليها نقاش في الأصل اليوناني: «وَيُطيلُ أَناتَهُ عَلَيهِم».

ربّنا بيمهِل—في اتجاهين كبار لمعنى «وَيُطيلُ أَناتَهُ عَلَيهِم» هنا: إمّا إن طول أناته تجاه أولاده، وهو بيسند إيمانهم وسط الانتظار ويقوّيهم لحدّ ما يعبر بيهم، أو إنّه يَصبِر على الظالمين اللي بيسحقوا حياة الناس، فيمهلهم فرصًا يرجعوا عن شرّهم، قبل ما ييجي يوم قضائه بشخصه.

ومن هنا نفهم ليه السؤال اللي في آخر المَثل:
«ولكن مَتَى جاءَ ابنُ الإنسانِ، ألَعَلَّهُ يَجِدُ الإيمانَ علَى الأرضِ؟»

السؤال مش: هل هيلاقي ناس بتتكلم عن الإيمان ونظرياته ومدارسه المختلفة؟
ولا: هل هيلاقي ناس عندها معلومات دينية أو غيرها؟

لكن: هل هيلاقي إيمانًا مُثابرًا في شخصه—إنّ يسوع هو الطريق والحقّ والحياة—لحياتنا اليومية؟ إيمان زي الأرملة: ما بيسكتش، ما بيستسلمش، وما بيحوّلهوش الإحباط واليأس لمرارة ولا لكراهية ولا لعَصَبيّة وثورة عمياء تخليه يسبّ ويلعن ويِخرّب… بل يخلّيه يكمّل ويِصرخ في محضر الله، وهو موجوع، لكنه ثابت فيه وفي محضره.

يعني المسيح كأنه بيقول:
أنا ضامن محبّةَ وعدلَ الآب… لكن بسألكم أنتم: هتفضلوا ثابتين فيَّ، وفي محضر أبي وأبيكم، لحدّ ما أجي وأصنع قضاءً وعدلًا كاملَين؟

‎ ‎ هوامش ومصادر: ‎ ‎
  1. إنجيل لوقا 18: 1–8 [🡁]
  2. دانيال ١٢: ٤ [🡁]
  3. غلاطية ٥: ٦ [🡁]
  4. ٢ تيموثاوس ٣: ٧ [🡁]
  5. لوقا ١٨: ١ [🡁]

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي 0 حسب تقييمات 0 من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

أشرف سمير
Environmental Planning & Management Systems Specialist في Vodafone Egypt   [ + مقالات ]