في الأبدية ستحيا ما بداخلك مع الساكن في أعماقك سواء كان فرح أو حزن، نزاع أو سلام، أنانية أو حب، فراغ وجوع أو امتلاء وشبع، إن كنت حيًا بذاتك لذاتك فستكون أبديتك هي وحدتك في جحيمك، وإن كنت حيًا بالله ولمن حولك فستكون أبديتك هي شركة مع الله وإخوتك في ملئ النعيم والبهجة والفرح.

فالجحيم هو ..

الجحيم هو ذلك المكان أو الحالة أو الرحلة التي يبغى الجميع بلا استثناء ألا يدخلوه أو يصلوا لها أو يعبروا بها، الكل ينشد الجنة والنعيم والفرح والسلام والهدوء والراحة الأبدية التي لا تنتهي، ولكن السؤال الخطير هل الكل حقا يريد؟!

حقا هناك سيكون البكاء وصرير الأسنان، حيث نار لا تطفئ ودود لا يموت، ولكن ليس هذا أسوأ ما يوجد هناك.

ستحيا الجحيم حينما تدرك أنك غير قادر على الحب، الحب الحقيقي وليس الكذبة التي صدقتها عنه طوال حياتك، ستنكوي بناره وتتلوى منها حينما تشتعل فيك الشهوة ولا تجدك إلا وحيدًا مع أنانيتك، أنانيتك التي رفضت أن تحب وتخرج خارج أسوارها نحو أخواتها، فلن تجد إلا ذاتك لتستهلكها وتخطف منها.

حينما تستعلن الحقيقة الهادئة المدوية، أن الحب الذي هربت منه طوال حياتك سيكون استعلان اشتياقك لكل ملئه وفي نفس الوقت انفصالك عنه فهذا سيكون جحيمك الأبدي.

ستحيا الجحيم حينما تنفرد بذاتك خلف تلك الأسوار التي ستصير لك سجنك مكبلة إياك داخلها بالخوف والرعب، سجن كالقبر مُقيَّدًا من الموت في ظلمة أبدية لا تنتهي، ستسعى جاهدًا أن تنفك ولكنك ستعجز عن أن تتوقف حتى عن المحاولة.

ستحيا الجحيم حينما ينكشف أمامك السر، السر الذي هربت منه طوال حياتك بكل الطرق الملتوية واللف والدوران بإرادتك الحرة الواعية حتى سكرت إلى الثمالة طوال أيام غربتك، السر الذي ناداك كثيرًا بأن تذوقه وتحيا به وفيه ولأجله ولكنك رحت تفلسفه وتنظره.

السر الذي سددت آذناك عن سماع صوته وطمست عيناك بالتراب وشهوته عن أن تراه، وفي الجحيم سيستعلن لك بالتمام، السر أن العسل الذي اشتهته نفسك وتذوقتهُ يسيرًا جدًا، أما نعمة موهوبة لك أو سرقة منك، لم يكن فقط في متناول يديك بل ساكنًا داخلك يناديك، حينها ستكون الصدمة مروعة والدَهش منها مُدوِّي لكل كيانك.

ستحيا الجحيم حينما تسقط كل تلك الأكاذيب وتستعلن الحقيقة الواحدة ألا وهي أن العسل كان داخلك وأنت ظللت تبحث وتفتش عنه لتسرقه من الخارج.

ستحيا الجحيم حينما تكون بالرغم من كونك بين الكثيرين الذين سيكونون على شاكلتك آلهة ذواتهم إلا أنك ستظل وحيدًا، حينما تخطفوا من بعض وتستغلوا بعض وتأكلوا لحم بعض ولا تشبعوا وتشربوا من دماء بعض ولا ترتوا، حينما ستشتهي أن تفنى لتنهي تلك المتاهات والدوامات والمرار الذي ليس له نهاية ولا تجد.

ستحيا الجحيم حينما تدرك أن ملكوت الله ونعيمه كان داخلك وأنت انتزعت نفسك منه وأعطيته ظهرك لاهيًا على السطح بالأباطيل، حينما تدرك أن اسمك كان مكتوبًا بأحرف من نور في سفر الحياة وأنت بيدك مسحته وطفأت نورهُ بغبائك وجهلك وكبريائك وأنانيتك، إنك كنت غصنا في كرمة ينتظر منك أن تأتي بثمر البر وأنت قطعت نفسك بإرادتك لتثمر شرًا وإثمًا.

ستحيا الجحيم حينما تدرك حينئذ أنك ظللت تحيا طوال حياتك كعبد ذليل لعالمٍ قد وضع في الشرير، في حين أن دعوتك هي أن تصير ابنًا لله ووارث حياته الأبدية ونعيمة الدائم في حضنه.

أعمق جحيم هو لمن رفضوا الحب المقدم إليهم، مَن رفضوه وأهانوه وأحتقروه ورذلوه واستغلوه وظنوا فيه كل أمر شرير حتى صلبوه وقتلوه، مرة بعد المرة حتي صار رفضهم للحب أسلوب حياة واتجاه، حتى صار يوميًا يزدرون بروح الحب والحق ونعمته، الذي فيه حياتهم ونعيمهم فيجدفوا عليه وعلى أعماله حولهم وعلى صوته داخلهم.

وتلخيصًا لكل ذلك، ذاتك بأنانيتك ستكون هي جحيمك وكبرياءك سيكون هو أسوار الظلام الكثيف الذي يمنعك أن ترى سبيل للخروج من هناك، فالذات هي منبع كل الشرور.

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي 0 حسب تقييمات 0 من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

أشرف سمير
Environmental Planning & Management Systems Specialist في Vodafone Egypt   [ + مقالات ]