واحدة من أوضح صور العذاب الروحي في الكتاب هي اللي بيقدمها الرب يسوع في مثل الغني ولعازر. [1]، المثل مش بيشرح “تفاصيل جغرافية” عن الجحيم، لكنه بيكشف جوهر العذاب: الإنسان اللي اختار ذاته طول حياته… بيُترك لذاته إلى الأبد.

1. الغني عاش منفصل… فصار موته استمرارًا للانفصال كَانَ إِنْسَانٌ غَنِيٌّ… وَكَانَ مِسْكِينٌ اسْمُهُ لِعَازَرُ مَطْرُوحًا عِنْدَ بَابِهِ [2] لعازر “عند بابه”… مش بعيد. الهوة ما كانتش مسافة… كانت قلب لا يرى الآخر.
الهوة اللي الإنسان يصنعها هنا… صارت في النهاية هوّة أبدية: وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ هُوَّةٌ عَظِيمَةٌ قَدْ أُثْبِتَتْ [3]، هوّة ما كانتش مجرد عقاب… لكنها تكشف حالة داخلية استمرت معه إلى الأبد.

2. العذاب هنا ليس عذاب النار فقط… بل عذاب العزلة وعدم القدرة على الشركة فَرَفَعَ عَيْنَيْهِ فِي الْهَاوِيَةِ وَهُوَ فِي الْعَذَابِ [4] أكبر عذاب للغني أنه وحده. طول حياته عاش حول نفسه… فصار أبديًا محبوسًا في نفسه. الجحيم هنا مش نار خارجية فقط… لكن فقدان القدرة على المحبة، وانغلاق كامل على الذات.

3. عمى الغني الروحي لسه مستمر بعد الموت أَنْ يُرْسِلَ لِعَازَرَ لِيُبَرِّدَ طَرَفَ أُصْبُعِهِ… [5] لسه شايف لعازر كخادم، مش كإنسان. ولا اعتراف… ولا توبة… ولا رغبة في الشركة. ده جوهر الجحيم: إنسان فقد القدرة على رؤية الآخر… حتى بعد الموت.

4. العذاب الحقيقي: أن ترى النور… ولا تقدر أن تعبر إليه رَفَعَ عَيْنَيْهِ… وَأَبْصَرَ إِبْرَاهِيمَ مِنْ بَعِيدٍ… [6] عذابه الحقيقي مش النار فقط… بل إنه يرى ما كان يمكن أن يكون عليه… لكنه أصبح عاجزًا بالكلية عن الوصول إليه. يرى النور… ولا يحتمله. يرى الشركة… ولا يقدر حتى أن يطلبها. يرى المحبة… ويعيش في عزلة صنعها لنفسه.

5. رد إبراهيم هو مفتاح الفهم اللاهوتي كله… إبراهيم ما قالّوش: “ربنا بيعاقبك”… ولا: “في قوة خارجية بتمنعك”… مع إن ده من منظور الدينونة صحيح، لكن قاله اللي كان لازم يسمعه… واللي الناس محتاجه تسمعه من المثل والرسالة منه: اذْكُرْ أَنَّكَ اسْتَوْفَيْتَ خَيْرَاتَكَ فِي حَيَاتِكَ [7] يعني: أنت اللي اخترت النمط ده. أنت اللي صنعت ذاتك مركز حياتك. والآن… تحصد ما عشت عليه.

6. الجحيم في المثل هو: إنسان صار أسير ذاته… للأبد.. المفارقة المؤلمة أن الغني:
• ما طلبش التوبة
• ما طلبش الشركة
• ما طلبش يدخل حضن إبراهيم
• ما اعتذرش
• ما اعترفش
هو فقط طلب راحة لنفسه… وطلب أن يترك لعازر النعيم ويجي يخدمه! ده العذاب الحقيقي: ذات أنانية أصبحت عمياء… مسجونة خلف أسوار كبريائها. فالجحيم مش مجرد “نار”… الجحيم إنسان انغلق على ذاته طول حياته، فلما جاء الموت، أصبحت هذه الذات المغلقة سجنه الأبدي:
• هوّة لا تُردم
• عزلة لا تنتهي
• عدم قدرة على الحب
• ورؤية للنور… دون قدرة على الاقتراب منه.

الغني حتى في الجحيم وسط عذابه… ذاته مازالت حيّة، ولسّه بتلعب زي الحية!
في اللحظة اللي فشل فيها الغني إنه يطلّع لعازر من حضن إبراهيم ويجي يخدمه بقطرة مية… قرر يجرّب حركة تانية:
“طب خلاص… ابعته لإخواتي!”
مش محبّة… بل نفس الأسلوب القديم: استعمال لعازر كأداة، لأي حد، وفي أي اتجاه، المهم يخدمه هو أو يخدم عيلته.
(وكأن الأرض فاضية ومافيهاش آلاف محتاجين كلمة! لسه مزنوق في نفسه… واللي بيمثلها هنا “إخواته”.)

إبراهيم ردّ عليه بمنتهى البساطة والوضوح: عندهم موسى والأنبياء. الكلمة بين إيديهم… الكلمة اللي قادرة تكشف أعماقهم، وتفتح وعيهم، وتخليهم يختاروا طريق الحياة بدل طريق الموت والهلاك. لكن الغني -بعماه اللي خارج من ذاته وكبريائه- ما عجبوش الكلام.
يرد ويقول: “لا يا أبي إبراهيم…”، حتى في وضعه ده… بيصحّح لإبراهيم! لسه مقتنع إن رأيه ومنطق ذاته النفساني الفاسد أعمق، وإنه فاهم أحسن، وإن الحل في “المعجزة” اللي تهزّهم… مش في كلمة الله اللي رفضها طول عمره. وده بالضبط اللي حصل مع المسيح لما طلبوا منه آية.

جيل شرير وفاسد يطلب معجزة… والمسيح يديهم “آية يونان”: مش عشان يبهرهم، لكن كإشارة للصليب والقبر- الحل الوحيد إن المسيح يدخل قبرك الداخلي ويخلّصك منه. وده مش بيحصل إلا لما الإنسان يعترف بحقيقته بصدق، مش لما يلفّ ويدور حوالين ذاته. ونفس الصورة مع اللص التاني على الصليب: شايف المسيح… ومش قادر يعترف بخطيته. مزنوّق في نفسه، في كبريائه وأنانيته… لدرجة إنه ما يشوفش الحقيقة اللي جنبه:
بارّ بيتعذّب بلا سبب، وهو كل اللي فارق معاه نفسه ثم نفسه ثم نفسه.
بينما اللص التائب، أول ما واجه نفسه… انفتح له طريق الملكوت.
عيوننا بتتنفتح على الحقيقة حوالينا… لما نواجه الحقيقة اللي هربانين منها جوانا، ونعترف باستحقاقنا لنتائج اختياراتنا.
الغني هنا ما تغيّرش.

كل حواره بيكشف نفسيته وألاعيبها: الهروب، التبرير، الكبرياء، محاولة التحكم، واللفّ والدوران حوالين ذاته.

نفس الرحلة اللي كان ماشي فيها زمان: يلفّ في برّية النفس، يمتعها، يلبّي كل شهواتها… ودلوقتي بيلفّ في دوّامة خرابها بعد ما الأوهام والأكاذيب وقعت. اللي قفل أحشاءه على لعازر وهو في عزّ راحته… مش هو اللي هايحنّ على إخوته وسط العذاب!

لأن العذاب والعقاب ما بيصنعوش محبّة… وما بيغيّروش طبيعة القلب. اللي تعمل ده – والنعمة ما تشتغلش إلا لما الإنسان يكون أمين مع نفسه… مش لما يزوّق ويكذب على ذاته.

وعشان كده طلب الغني مش علامة توبة… ولا يقظة… ولا قلب جديد.  ده استمرار لنفس الذات المغلقة اللي صنعت جحيمها بنفسها، وغباء كبريائها… لا وكمان مصرّ بالغباء ده يصلّح “أمور الكون”!

وقال إيه… مش عاجباه طريقة ورأي أبونا إبراهيم في فهم الطريق للرجوع لحضن الآب!

‎ ‎ هوامش ومصادر: ‎ ‎
  1. الجحيم في مثل الغني ولعازر (إنجيل لوقا 16: 19–31) [🡁]
  2. إنجيل لوقا 16: 19–20 [🡁]
  3. إنجيل لوقا 16: 26 [🡁]
  4. إنجيل لوقا 16: 23 [🡁]
  5. إنجيل لوقا 16: 24 [🡁]
  6. إنجيل لوقا 16: 23 [🡁]
  7. إنجيل لوقا 16: 25 [🡁]

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي 0 حسب تقييمات 0 من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

أشرف سمير
Environmental Planning & Management Systems Specialist في Vodafone Egypt   [ + مقالات ]