أختي وصديقتي الصغيرة…
حقًّا، أنتِ جميلة،
لكن كبرياءكِ كغيمةٍ ثقيلةٍ تحجب نور شمسكِ عن الإشراق الكامل.
يبرق وجهكِ لحظاتٍ متفرقة، لكن روحكِ في الداخل تنتظر نور الحضور الذي لا يغيب.
تضحكين بوجهٍ مرح، وفي الداخل أنينٌ خافتٌ لا يُسمع، كأنكِ زهرةٌ عطشى تُخفي ذبولها عن العيون.
هل تدرين، يا صديقتي، أنّكِ خُلقتِ للفجر لا للعتمة،
وللرّقص الحرّ في بستان الحياة، لا لسجن الذات؟
هل تعلمين من نفخ فيكِ نسمة الفرح الأولى؟
ذاك الذي قال في البدء: «ليكن نور»، فصار فيكِ قلبٌ ينبض بالرجاء،
وروحٌ خُلقت على نغمة صوته قبل أن تتعلّمي النطق.
أراكِ في زهوّ شبابكِ،
تلهين على شاطئ أحلامكِ،
ترسمين أهدافكِ على الرمل،
وتكتبين الضحكات مع أصدقاءٍ كالأمواج: يأتون ويغيبون.
وتظنين أن البحر سيبقى وفيًّا، وأن النهار لن يزول.
لكن دعيني أهمس لكِ:
الرمل لا يُمسك الحلم، والبحر لا يحفظ الضحكة طويلًا.
بعيدًا عنه، قد تفرحين، نعم،
لكنّ الفرح الذي لا ينبع من سلام محضره يتبخّر سريعًا.
هي نَسمتُه التي تُفرحكِ، لا نسماتُ الشاطئ الزائل.
وكل حبٍّ لا يتغذّى من محبّته،
يتحوّل إلى شوقٍ يئنّ في صمت الرجاء المماطل.
فبعيدًا عنه، تبهت الألوان التي كان يرسمها بنوره،
ويصمت اللحن الذي كان يُغنّيه روحه فيكِ.
تذبل الأشياء كما يذبل الورد حين يغيب عنه الضوء،
ويفقد القلب نارَ تقديسه، فيتقسّى،
فيُفتّش في رماده عن دفءٍ ضاع،
فلا يجد إلا أثرَ نعمةٍ تنتظر أشواقكِ ورجوعكِ.
فحين تغيبين عنه، لا يغيب هو،
بل تغيب الحياة وفرحها وسلامها عنكِ.
ثمّ يأتي الليل…
فتجلسين وحدكِ على الرمل،
والنجوم تراقبكِ كعيون رحمةٍ قديمة.
وفي تلك اللحظة،
تشعرين بشيءٍ يتحرّك في أعماقكِ،
كأنّ الروح التي عطشت وأنّت في غيابه،
قد بدأت تتنفّس من جديد.
فيصطدم صوته بجداركِ الداخليّ،
فيتشقّق ما كان صلبًا فيكِ،
ويذوب الصخر في القلب كما يذوب الشمع أمام النار.
تستيقظ فيكِ حياةٌ لم تعرفيها منذ دهر،
فتنهمر دموعكِ دون إذن.
ويقترب منكِ ذاك الصوت حتى يصير حضنًا،
لا ليوبّخكِ، بل ليمسح عنكِ غبار الطريق،
ويذكّركِ بخطوات رحمته التي كانت تتبعكِ في صمتٍ كل تلك الأعوام،
تلك الرحمة التي لم تفارقكِ،
بل كانت تنتظر لحظة السكون هذه،
لتجذبكِ من غربتكِ إلى عمقكِ،
حيث يكمّل الابنُ المحبوبُ فيك عملَ محبّته،
بصليب نعمته وروح قيامته.
حينها، ينهدم السور بينكِ وبينه،
ويشرق نوره فيكِ من جديد —
لكنها إشراقة ليست كالأولى،
فالأولى أخرجتكِ إلى الوجود،
أما هذه فتُخرجكِ من مواتكِ إلى الحياة الأبدية.
هي إشراقة الولادة من فوق،
بمياه كلمته وحياة روحه القدوس.
هو النور ذاته الذي أضاء الخليقة الأولى،
لكنّه الآن ينطق بكلمة الاتحاد وسُكنى روح الحياة.
لا يقول من جديد: «عيشي بدمكِ»،
بل يقول: «احيي بدمي، ولتسكني فيَّ، ولأحيا أنا فيكِ.»
يرسم على شفتيكِ ضحكةً من سلام دائم،
ويضع في قلبكِ أغنية العهد الجديد التي لا تنتهي—
أغنيةً لا تُغنّى إلا في قلب من عرف وذاق مرارة العبودية،
وقيود السقوط ومتاهات بريّته، ثم قام،
من ذاق الموت ثم عاد إلى الحياة.
