في ناس كتير أول ما تواجههم بحقيقة أو نقد يقولّك: “وأنت كمان! إزاي تنصحني وأنت نفسك ما بتعملش؟”
المغالطة دي معروفة باسم «وأنت كمان/ Tu quoque»
فيه مشهد رائع من الرب يسوع، المعلّم الصالح، لما كشف بنفسه زيف الحجة دي، ووضّح الفرق بين الحق وبين اللي بيقوله أو بيمثّله.
والمشهد موجود في (إنجيل متّى 23: 1–3).
أولًا: الفكرة المحورية
يسوع يفرّق بقوة بين صِحّة التعليم وسلوك المعلّم:
على كرسيّ موسى جلس الكتبة والفريسيون. فكلّ ما قالوا لكم أن تحفظوه فاحفظوه وافعلوه. ولكن حسب أعمالهم لا تعملوا، لأنهم يقولون ولا يفعلون(إنجيل متى 23: 2–3)
دي بالظبط نقضٌ لمغالطة “وأنت كمان” حتى لو المعلِّم منافق، ده لا يُبطِل حقّ ما يعلّمه إن كان الحقّ صادرًا من شريعة الله. يسوع يأمر باتّباع التعليم (حين يكون من الناموس) ويحذّر من تقليد السلوك. هكذا تُمحى الحجّة الشخصانية “بما إنك ما بتعملش اللي بتقوله، يبقى كلامك باطل”—لا، الحق لا يقوم على صلاح القائل.
ثانيًا: مفاتيح لغوية/نصّية سريعة
«كرسيّ موسى»:
اليوناني: καθέδρα Μωϋσέως kathédra Mōuséōs — تُنطق: كاثِدرا موسيوس= “كرسي/مقعد سلطة التعليم”.
ومن نفس الجذر اليوناني καθέδρα (kathédra) جات الكلمة اللاتينية cathedra اللي دخلت للغات الأوروبية ومنها كلمة كاتدرائية/ Cathedral، لأنها كنيسة الأسقف حيث يوجد “كرسي التعليم” الرسمي.
أدلة آثارية كشفت مقاعد حجرية في مجامع (خورازين، حمّة طبريا…)، ما يدعم أن المقصود منصب تعليمي حقيقي في المجمع (ومجازًا: سلطان التفسير).
ملاحظة بحثية: الدارسين اختلفوا هل المقصود حرفي (مقعد واقعي) أو مجازي (رمز للسلطة)، والأرجح أنه يجمع بين الاثنين.
فكلّ ما قالوا لكم أن تحفظوه فاحفظوه وافعلوه…
[1]
تركيب الآية في اليوناني يتضمّن فعليْن:
τηρεῖν / τηρεῖτε (tērein/tēreite = “تحفَظ/تراقب/تلتزم”) و ποιεῖν / ποιεῖτε (poiein/poieite = “تفعل/تُجري”).
المعنى: التزموا بما يبلّغونه لكم من تعليم الناموس واعملوه. النص اليوناني التقليدي يرد فيه:
«πάντα οὖν ὅσα ἐὰν εἴπωσιν ὑμῖν … τηρεῖτε καὶ ποιεῖτε … λέγουσιν γὰρ καὶ οὐ ποιοῦσιν»
أي: “كل ما قد يقولونه لكم… احفظوه واعملوه… لأنهم يقولون ولا يعملون”.
ولكن حسب أعمالهم لا تعملوا
[2]
هنا التباين الصارخ: لا تقتدوا بأعمالهم رغم صحّة ما يقرؤونه/يعلّمونه من الناموس.
الخلاصة اللغوية:
الجملة الأخيرة «λέγουσιν γὰρ καὶ οὐ ποιοῦσιν» (legousin gar kai ou poiousin) تلخّص جوهر المشكلة: يتكلمون بالوصايا لكن لا يطبقونها عمليًا- أي أن هناك فجوة صارخة بين التعليم والعمل.
ثالثًا: كيف يواجه النصّ مغالطة «وأنت كمان»؟
1. الفصل بين التعليم وصاحبه: يسوع يوضّح أن ما يُعلَّم على “كرسي موسى” صحيح لأنه من الناموس، لكنه يرفض أن يُتّخذ المعلّم نفسه قدوة بسبب ريائه. وهنا يُبطل حجة “وأنت كمان”: صحة التعليم لا تسقط برياء وسقوط المعلّم.
2. السلطة لا تعني الحصانة: الجلوس على “كرسي موسى” يعني امتلاك سلطة تفسيرية حقيقية، لكن ده لا يمنع المحاسبة الأخلاقية. يسوع يثبت شرعية موقعهم التعليمي، وفي نفس اللحظة يفضح تناقضهم العملي.
اسمع الحق… حتى لو القائل مرائي
لو حدّ قالك: “إزاي تنصحني وإنت نفسك ما بتعملش؟”، تقدر تردّ بما جاء في (إنجيل متّى 23: 2–3)
“اعتبرني فريسي… اسمع كلامي وسيبك مني!”
