يُعدّ سؤال تحريف التوراة والإنجيل من أكثر الأسئلة تداولًا على وسائل التواصل الاجتماعي في تناولها للمسيحيّة. وغالبًا ما يُقدَّم الجواب في بعض الأدبيّات الجدليّة بصورة يسيرة: “نعم، حُرِّفت الكتبُ السابقة، ولذلك جاء القرآن مصحِّحًا لها”. لكن عندما ننتقل من الجدل الدينيّ إلى قراءة النصوص نفسها، وتتبّع ما تقوله التفاسير الإسلامية الكبرى، تتبيّن صورةٌ أكثر تعقيدًا.
الأمر الأوّل الذي يلفت النظر هو أنّ القرآن يتحدّث عن التوراة والإنجيل بلغةٍ إيجابيّة للغاية. فهو يصف التوراة هكذا: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾
[1])، ويصف الإنجيل بالطريقة نفسها. بل ويقول عن اليهود: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ وَمَا أُولَٰئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾
[2]، ويقول عن المسيحيّين: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾
[3].
هنا يبرز سؤالٌ مشروع: إذا كانت التوراة والإنجيل قد حُرِّفا تحريفًا جوهريًّا قبل زمن الرسول محمّد، فكيف يطلب القرآن من أهل الكتاب الرجوع إليهما؟ وكيف يتحدث عن وجود «حكم الله» فيهما؟ وكيف يصف نفسه بأنه «مصدِّق لما بين يديه من التوراة والإنجيل»؟ إن عبارة «لما بين يديه» تشير إلى الكتب الموجودة آنذاك بين أيدي اليهود والمسيحيين، لا إلى كتبٍ مفقودة أو مجهولة.
واللافت أنّ تفسير الطبريّ نفسه يضعنا أمام هذا السؤال. فالطبريّ يفسّر الآية من سورة المائدة بقوله إنّ التوراة الموجودة عند اليهود هي: «التي أنزلتها على موسى، التي يقرّون بها أنّها حق، وأنّها كتابي الذي أنزلته إلى نبيّي، وأنّ ما فيه من حكم فمن حكمي، يعلمون ذلك لا يتناكرونه ولا يتدافعونه».
ثم يضيف أنّ مشكلتهم ليست في فساد النص أو ضياعه، بل في أنّهم «يتركون الحكم به بعد العلم بحكمي فيه جراءة عليّ وعصيانًا لي»
.
بل إن الطبري يشرح الآية على أنّها تقريع لليهود لأنهم تركوا حكم الله الموجود في التوراة مع اعترافهم بأنها كتاب الله. يقول: «فإذ كنتم تتركون حكمي الذي جاءكم به موسى الذي تقرّون بنبوته في كتابي، فأنتم بترك حكمي الذي يخبركم به نبيّي محمد أنّه حكمي أحرى»
. فلو كانت التوراة محرّفة تحريفًا شاملًا، لكان من الطبيعي أن يكون محور التقريع هو تحريف الكتاب. لكن محور التقريع هنا هو ترك العمل بما هو موجود أصلًا في الكتاب.
ويأتي تفسير السعدي ليؤكد الفكرة نفسها بصورة أوضح. فهو يقول: «لو كانوا مؤمنين عاملين بما يقتضيه الإيمان ويوجبه لم يصدفوا عن حكم الله الذي في التوراة التي بين أيديهم»
. لاحظ العبارة: «التوراة التي بين أيديهم». فالسعدي لا يتحدث عن توراة مفقودة أو مجهولة، بل عن التوراة الموجودة فعليًّا عند اليهود. ثم يضيف أنّهم تركوا حكم الله الموجود فيها لأنهم كانوا يبحثون عن حكم يوافق أهواءهم، وحين حكم لهم محمد بالحكم نفسه الموجود في التوراة لم يقبلوا حكمه أيضًا. إذًا المشكلة، حسب السعدي، ليست في غياب النص أو فساده، بل في رفض الخضوع لما يتضمنه النص من حكم.
ويضيف ابن كثير بُعدًا مهمًّا آخر، إذ يفسّر الآية بقوله إن الله ينكر عليهم «تركهم ما يعتقدون صحته من الكتاب الذي بأيديهم الذي يزعمون أنهم مأمورون بالتمسك به أبدا ثم خرجوا عن حكمه وعدلوا إلى غيره»
. ومرة أخرى نجد أن نقطة الانطلاق ليست كتابًا ضائعًا أو محرّفًا، بل «الكتاب الذي بأيديهم». بل إن ابن كثير يرى أن المشكلة تكمن في العدول عن حكمه لا في فقدانه. ثم يشرح الآية بقوله إن اليهود تركوا ما يعتقدون صحته وانتقلوا إلى ما «يعتقدون في نفس الأمر بطلانه وعدم لزومه لهم».
والأهم من ذلك أن بعض المفسرين الذين ينقل عنهم القرطبي يثيرون إشكالًا لاهوتيًّا (كلاميًّا) عميقًا. فقد نقل عن أبي علي قوله في تفسير عبارة: ﴿فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾: «نعم؛ لأنه لو نُسخ لم يطلق عليه بعد النسخ أنه حكم الله، كما لا يطلق أن حكم الله تحليل الخمر أو تحريم السبت». وهذا الاستدلال مهم للغاية، لأنه يفترض أن القرآن حين يقول عن التوراة الموجودة عند اليهود إن «فيها حكم الله»، فإنه يتحدث عن حكم إلهي لم يزل قائمًا في الكتاب الموجود بين أيديهم. وإلا لما صحّ وصفه بأنه «حكم الله».
أما الآيات التي يستند إليها كثيرون لإثبات التحريف، مثل: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾، فهي لا تتحدث بالضرورة عن تغيير النصوص نفسها. فالتحريف في اللغة العربية قد يكون تحريفًا للمعنى أو للتفسير أو لسياق الكلام. ولهذا فهم عدد من المفسرين أنّ القرآن ينتقد بعض أهل الكتاب بسبب سوء التأويل أو كتمان بعض الحقائق، لا بسبب ضياع النصوص المقدسة كلها. فالإنسان يستطيع أن يحرّف معنى النص من دون أن يغيّر حرفًا واحدًا فيه.
وتزداد المسألة تعقيدًا عندما ننظر إلى التاريخ. فاليوم يملك العالم آلاف المخطوطات للتوراة والإنجيل بلغاتٍ متعددة، وبعضها يعود إلى قرون طويلة قبل الإسلام. كما نملك ترجمات قديمة جدًا إلى اليونانية والسريانية والقبطية والحبشيّة والأرمنّية والجورجيّة واللاتينية. وهذه المخطوطات تُظهر وجود اختلافات نصية معروفة يدرسها علماء النقد النصي، لكنها لا تدل على وقوع مؤامرة عالمية غيّرت مضمون الكتاب المقدس كله.
ويُطرح هنا سؤالٌ منطقي آخر: إذا كان الله قد أنزل التوراة والإنجيل ثم سمح بضياعهما أو تحريفهما تحريفًا شاملًا، فلماذا يحفظ الله القرآن وحده؟ وكيف ينسجم ذلك مع عدالة الله وحكمته؟ بل كيف يُحاسَب أناس على كتب سمح الله، حسب هذه الفرضية، أن تضيع أو تُشوَّه؟ وكيف نفهم عندئذٍ الآيات التي تطلب من اليهود والمسيحيين أن يحتكموا إلى ما عندهم من كتاب؟ أمّا الاستدلال بأن الكتاب المقدس محرّف لأنه يروي أخطاء بعض الأنبياء، أو لأنه يذكر صلب المسيح، فليس دليلًا على التحريف من الناحية التاريخية. فهو يفترض مسبقًا صحة موقف ديني معيّن، ثم يحاكم النص على أساسه. لكن البحث التاريخي يحتاج إلى أدلة نصية وأدلة من المخطوطات، وأدلّة تاريخية، وليس إلى الاختلاف العقيدي وحده.
إن الخلاف الحقيقي في الحوار بين الإسلام والمسيحية لا يكمن في وجود دليل تاريخي قاطع على تحريف التوراة والإنجيل، بل في اختلافهما حول مضمون الوحي نفسه. فالمسيحي يؤمن بأن الأسفار المقدسة التي بين يديه تنقل بأمانة التقليد الرسولي والشهادة التاريخية ليسوع المسيح. والمسلم يؤمن بأن القرآن هو المرجع النهائي الذي يصحح ما سبقه. وهذه مسألة إيمانية قبل أن تكون مسألة مخطوطات. لذلك أحسب أنّه ربما يكون السؤال الأدقّ ليس: «هل حُرِّفت التوراة والإنجيل؟» بل: «ما الذي قصده القرآن بالتحريف؟». وعند هذه النقطة يبدأ النقاش الحقيقي، بعيدًا عن الشعارات والاتهامات الجاهزة. فحتى داخل النص القرآني نفسه، وداخل تفاسير إسلامية معتبرة مثل الطبري والسعدي وابن كثير، توجد إشارات قوية إلى أنّ المشكلة الأساسية كانت في ترك حكم الله الموجود في الكتاب، أو في تحريف معناه وتأويله، لا في اختفاء النص نفسه. ومن ثمّ فإن نظرية التحريف النصي الكامل تبدو أكثر تعقيدًا بكثير مما تعرضه بعض الأدبيات الجدلية المعاصرة، أو الحلقات على الإنترنت، وتبقى بحاجة إلى برهنة تاريخية ونصية تتجاوز الافتراضات العقيدية المسبقة.
صدر للكاتب:
كتاب نقدي: اللاهوت السياسي، هل من روحانية سياسية؟
تعريب كتاب جوستافو جوتييرث: لاهوت التحرير، التاريخ والسياسة والخلاص
تعريب كتاب ألبرت نوﻻن الدومنيكاني: يسوع قبل المسيحية
تعريب أدبي لمجموعة أشعار إرنستو كاردينال: مزامير سياسية
تعريب كتاب البابا فرانسيس: أسرار الكنيسة ومواهب الروح القدس
