المقال رقم 81 من 84 في سلسلة تاريخ الإخوان والسلطة
تاريخ الإخوان والسلطةwp-content/uploads/2024/09/تاريخ-الإخوان-والسلطة.webp

يوم جديد يُضاف إلى إرث الصمود، ويوم جديد يُخصم من عمر النظام. في صباح اليوم، ترأس اجتماع الوزارة الجديدة مع رئيس الوزراء بحضور ، وكأن كل شيء يسير بصورة طبيعية، ولا توجد ثورة في مصر.

كانت إشاعة قد سرت في هذا التوقيت تقول إن الجيش ربما ينقلب على مبارك ويسرع بعزله من منصبه، إلا أن ظهور المشير ضاحكًا باسمًا على طاولة مبارك قضى على الإشاعة، وأعاد للأذهان التفكير في ولاء الجيش.

بعد ذلك عقد مبارك اجتماعًا مع ، أشهر ترزي قوانين عرفته مصر، لمناقشة تعديل المادتين 76 و77 من الدستور المصري الضامنتين للانفراد بالحكم وسلامة مشروع التوريث. كان الأمر أشبه برشوة دستورية، تصور مبارك بعدها أن ينفض الميدان لحدوث نوع من الترضية السياسية.

في الوقت الذي كان فيه عمر سليمان يستكمل لقاءات الحوار الوطني، ويفاوض بعض شباب الثورة الذين أكدوا للجميع أنهم لا يمثلون إلا أنفسهم، كان تصويرهم على مائدة المفاوضات مع سليمان يجعل الأمر يبدو وكأنه قد بدأ يحتوي الثورة وشبابها، وكأنها خطيئة لا تُغتفر لهؤلاء الجالسين.

الجدل حول مشروعية الجلوس مع سليمان استمر على طاولة المفاوضات؛ فمن ناحية، كان البعض يرى أن الجلوس مع سليمان هو الوسيلة الوحيدة لتحقيق الإصلاحات المطلوبة، ومن ناحية أخرى، كان البعض يرى أن المفاوضات مع سليمان تعني ضمنًا التفاوض حول المطلب الأسمى للميدان، وهو رحيل مبارك، وهو ما لا يمكن التفاوض عليه.

الواقع أنه كانت ثمة فجوة كبرى بين مطالب الميدان وبين سرعة الاستجابة لها؛ فبعد أن كان النظام يرفض تلك المطالب في البداية، يعود ويستجيب لها بعدما تكون قد فقدت قيمتها، وأصبحت هناك مطالب جديدة أعلى ينادي بها الميدان، وبدا مبارك ونظامه منفصلين تمامًا عما يحدث.

فخرج أحمد شفيق، رئيس الوزراء الجديد، من اجتماعه الأول مع وزارته بقرارات وزارية خاصة تحاول مد يد العون للفقراء المصريين بعلاوة استثنائية وقرارات لتخفيف الضرائب وغيرها، مستهدفةً الشريحة الكبرى من الشعب. المثير لعدم التصديق كان مشهد شفيق وهو يقف خلف المنصة في رئاسة الوزراء، محاولًا إقناع المستمعين بأن تلك التسهيلات الاقتصادية لم تأتِ نتيجة أي ضغوط سياسية من أي نوع، ولم تأتِ نتيجة ما يحدث في الشارع وفي الميدان، لكنها أتت فقط لأن الحكومة بقلبها المرهف تشعر بما يعانيه الناس من صعوبات اقتصادية، فمدت لهم يد العون في الوقت المناسب.

البحث عن وائل غنيم

حتى أيام قليلة مضت، لم يكن معروفًا على الإطلاق من هو مؤسس صفحة “” التي حشدت ونظمت العديد من المظاهرات التي كان لها دور غير عادي في الثورة. ومع الحملة الواسعة لمعرفة مكانه، التي شاركت فيها شركة جوجل نفسها التي كان وائل يعمل بها، بالإضافة إلى جهود إعلامية وحقوقية واسعة النطاق، ففي الرابعة عصرًا، أعلنت الفضائيات أن معتقل لدى الأمن، وأنه سيتم الإفراج عنه قبل أن ينقضي عصر هذا اليوم.

وفي الساعة السابعة مساءً، وبعد اعتقال دام اثني عشر يومًا، اقتاد الحراس وائل إلى سيارة ميكروباص صغيرة وهو معصوب العينين، وفيما هو يستعد لترك مكان اعتقاله المجهول، أخبره الضابط الذي تولى التحقيق معه أنه قد تلقى أمرًا بأن يصحبه إلى مكتب وزير الداخلية الذي حرص على مقابلة وائل قبل أن يعود إلى منزله.

وصل وائل إلى مبنى أمن الدولة في مدينة نصر، وتوجه مباشرة إلى مكتب وزير الداخلية الجديد ، الذي استقبله بحفاوة حرص أن تبدو حارة، وعرّفه على “عمو” الذي لم يكن وائل قد التقى به من قبل، لكنه لم يعرّفه على الشخص الآخر الجالس معهم الذي ظل صامتًا طوال فترة الحديث، لكن وائل كان قد عرفه فيما بعد؛ كان اللواء مدير جهاز أمن الدولة.

سأله الوزير: أنت زعلان ليه؟، كان سؤالًا مستفزًا إلى أبعد حد؛ فبعد اعتقال لا ي استمر لمدة اثني عشر يومًا، كان وزير الداخلية يفترض في وائل ألا يبدو “زعلانًا”. لكن وائل لم يتحدث عن اعتقاله، وإنما أشار للوزير، بهدوء يشوبه الغضب، إلى صورة مبارك التي وُضعت في برواز فاخر فوق كرسي وزير الداخلية، وقال له: اللي مزعلني الصورة دي اللي فوق مكتب حضرتك.

أجاب الوزير: واضح أن الريس مزعلك، فأجابه وائل: أنا ما أعرفوش شخصيًا عشان أزعل منه، أنتم عملتوه إله. قال الوزير بنفس طبقة الصوت الهادئة: خد بالك يا وائل، ده راجل عنده فوق الـ 80 سنة، وفي مقام جدك، وعيب تتكلم عليه بالشكل ده؛ مهما كان ده رئيس الجمهورية وكبير بلدنا. وتحدث د. حسام بدراوي قائلًا: اللي أنتوا عملتوه يا وائل ده إنجاز، والرئيس كلفني أني أكون أمين الحزب الجديد، وإن شاء الله الحزب هيتغير بالكامل الفترة الجاية.

كان الحوار لا معنى له سوى امتصاص غضب وائل القادر على إشعال الشارع الملتهب بكلماته، لم يُجدِ الحوار مع وائل نفعًا فانتهى اللقاء، وبعد قليل وصل وائل إلى منزله في سيارة د. حسام بدراوي، بينما كان الصحفيون والمصورون بانتظاره بأعداد كبيرة، وبعد أن التقى وائل بأهله، فكر في استثمار الإعلام لينقل مشاعره الحقيقية للمصريين، فلم يجد أقرب من التي كان يعرفها من قبل، وأخبرها أنه يرغب في الظهور في برنامجها الذي سيبدأ بعد ساعات قليلة، وفي العاشرة مساءً كان وائل يحل ضيفًا مع منى الشاذلي.

بدأت الإعلامية منى الشاذلي بالتعريف بوائل غنيم، وكيف تعرفت عليه في السابق، وعن محاولتها وجهودها في العثور عليه طوال فترة اختفائه. أما وائل نفسه فقد بدأ شاحب الوجه عابسًا وحزينًا، مبعثر الشعر بدون نظارته الطبية التي قد كُسرت أثناء الاعتقال، وغير متمالك لأعصابه.

بدأ وائل حديثه بالاعتذار لأهالي الشهداء والضحايا، وقد بدا متأثرًا جدًا، ونفى عن نفسه البطولة، مؤكدًا أنه كان مجرد مناضل “كيبوردي” وأنه كان بعيدًا عن الثورة وعن الميدان لكونه معتقلًا طوال اثني عشر يومًا. وتحدث وائل بصوت أشبه بالبكاء، ونفى عن نفسه تهمة الخيانة التي كان البعض قد أطلقوها عليه، وأكد أنه وكل الشباب الذين دعوا للثورة إنما فعلوا ذلك من أجل مصر فقط؛ فهم ليسوا في أي حاجة مادية، لكنهم فعلوا ذلك من أجل الحرية، ومن أجل كرامة الإنسان المصري، وليس لهم أي أطماع شخصية.

ثم بدأت الشاشة تعرض صور الشباب الذين سقطوا شهداء في الميدان، فبدأ وائل غنيم في البكاء بحرقة شديدة، منكسًا رأسه للأسفل وغير قادر على الحديث نهائيًا، بينما توالت الشاشة في عرض صور شهداء الثورة. كان المشهد مؤثرًا ومبكيًا، زاده سخونةً والتهابًا علو صوت وائل غنيم بالبكاء الشديد، ونطق بصعوبة بضع كلمات مصحوبة بنحيب قائلًا: أنا عايز أقول لكل أم وكل أب فقد ابنه… أنا آسف بس ده مش غلطتنا… والله العظيم مش غلطتنا… دي غلطة كل واحد كان ماسك في السلطة ومتبت فيها… أنا عايز أمشي.

ثم قام ونزع ميكروفونه وغادر المكان، وقامت “منى الشاذلي” تحاول نزع ميكروفونها للحاق به. خرج وائل من الكادر ليجد صديقه المخرج مستغرقًا في دموعه أيضًا وينتحب، فاحتضنا بعضهما وجلسا يبكيان في مشهد لا يُنسى، والجميع حولهما يحاولون حبس دموعهم، حتى منى الشاذلي قالت بنبرة حزينة وغاضبة: مش أنتوا اللي تعيطوا.. هما اللي المفروض يعيطوا.. حرام اللي عملوه في شباب مصر ده.. كفاية أرجوكم. ثم انتابت وائل حالة هستيرية جعلته يضرب الأرض وكل ما حوله بقدمه وهو يصيح: كلاب.. كلاب.. كلاب.

بمجرد عودة وائل لمنزله، اتصل به وزير الداخلية من رقم خاص (Private Number) ليخبره أنه شاهد الحلقة كاملة، وأنه هو وأسرته قد تأثروا به، وأنهم مؤمنون بقضيته. كان واضحًا أن الوزير كان يراهن على جلسة غسيل الدماغ التي حاول أن يجريها لوائل.

كان لقاء وائل صدمة لكل من شاهده، وجعل اللقاء كل متعاطف مع مبارك يعيد التفكير مرة أخرى، ويتعاطف بشدة مع متظاهري التحرير والميدان. أزال حديث وائل من عقول الجميع ادعاء النظام أن تلك المظاهرات تمولها جهات أجنبية كما روجت الإشاعات، ليعود الميدان ممتلئًا مرة أخرى في اليوم التالي للقاء وائل غنيم.

ومع تنازلات النظام المتتالية، بدأ الإعلام الرسمي المصري في تلطيف لغة التخوين التي انتهجها طوال الأيام الماضية، وكفت الآلة الإعلامية عن شيطنة الميدان، وبدأ التلفزيون المصري يبث صورًا أراد أن يقنع بها الشعب أن النظام نفسه الذي قام المصريون ضده هو نظام ثوري، وبدأ يتعامل مع شباب الثورة على أنهم أنقياء ولهم أهداف مشروعة، وبدأ يستضيف بعضًا منهم لانتقاد النظام نفسه على الهواء مباشرة، لتأكيد انحياز الآلة الإعلامية الرسمية ناحية الثورة.

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي 5 حسب تقييمات 1 من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

‎ ‎ جزء من سلسلة: ‎ ‎ تاريخ الإخوان والسلطة[الجزء السابق] 🠼 الأحد ٦ فبراير[الجزء التالي] 🠼 الثلاثاء والأربعاء
بيشوي القمص
[ + مقالات ]

صدر للكاتب:
كتاب: ﻻ أحد يتعلّم من التاريخ ٢٠١٧
كتاب: ﻻ أحد يتعلّم من التاريخ [قيصر جديد] ٢٠١٨
كتاب: ﻻ أحد يتعلّم من التاريخ [صراع العروش] ٢٠٢٢
كتاب: ﻻ أحد يتعلّم من التاريخ [العملية ظافر] ٢٠٢٤