صورة مكتملة الأركان للسيدة زينات صدقي تتجلى على مسرح الهناجر بدار الأوبرا المصرية، مقسمة إلى نوافذ متعددة: النافذة الأولى، حياتها وهي تعيش وسط أسرتها، لحظات صغيرة لكنها تكشف عمق شخصيتها. النافذة الثانية، خزانة ملابسها في عز مجدها، حيث يتحوّل الفستان إلى رمز للكرامة المؤجلة، والفرصة التي لم تأتِ إلا بعد أن ذكّرها الرئيس أنور السادات، بينما اهتمت الصحافة حينها بالفستان أكثر من روحها الفنية.
النافذة الثالثة، علاقاتها الطيبة مع كل أحبابها.. صديقتها خيرية، الترزي الخاص بها، و”ورد” ابنة خيرية التي يحبها “طارق”، ابن شقيق زينات، الشقيق الذي قرر الابتعاد عنها لأسباب تخص قيم الأسرة المصرية حينها. كما وصفها بطل العمل الذي قام بدور الشقيق على المسرح: جبتلنا العار يا زينات ورحتي تشتغلي مشخصاتي
.
مسرحية “الأرتيست”، الصورة المكتملة، عرضت على مسرح الهناجر باكتمال 100 ليلة عرض،
قدرة أبطالها على إبهار الجمهور كانت استثنائية، حتى أن بعضهم كرر مشاهدتها أكثر من مرة، ووصلت إلى ثلاث مرات، بنفس الشغف وبعين محبة لكل تفاصيل العرض.
أسرار بين نص الحوار عن زينات صدقي وأبطال “الأرتيست” تكشف نفسها مع كل مرة مشاهدة، وفي المرة الثالثة، تبدأ عين المشاهد في طرق أبواب كل نافذة من نوافذ حياة زينات، تبحث عن خبايا وأسرار ساكنة، ثابتة بين نص الحوار وجدران الديكور المسرحي، متروكة لمن يلاحظ ويكتشف، مؤكدة تلك الحبكة التي تركها المخرج محمد زكي ليصل الجمهور إلى عمق المسرحية.
السر الأول الساكن:
همّ البحث عن فرصة
في اللحظة الأولى وأضواء المسرح تُسلّط على بطلة العمل الفنانة هايدي عبد الخالق، تشعر أن روح زينات صدقي لم تغادرنا أبدً. هايدي، التي عرفها الجمهور في شاشات الدراما، صعدت هذه المرة المسرح لتعيش روح زينات، لا لتروي قصة تُحكى، بل لتدع الجمهور يختبرها كحياة تُعاش، تفاصيلها الدقيقة، وهمومها، وفرحة نجاحها وفشلها معًا.
لم تكتف هايدي بتقليد زينات، بل جسدت حلمها وأمنياتها، لحظة حلمها بالخروج من قوقعة الموهوبين إلى عالم الشهرة. في مشهد حديث زينات مع صديقتها خيرية، قالت هايدي بصوت خافت، مليء بالخوف والارتباك: خايفة نكون موهّمين إننا بنمثل
جملة قصيرة، لكنها تكشف كل احساس البطلة الواعدة، كل لحظة ارتباك وقلق عاشتها، وكل حلم يتوق لأن يراه أحد.
تصميم الشعر وملامح الوجه لم يكن مجرد تقليد، بل محاولة حقيقية لنقل روح زينات، وحركة جسدها وطريقة مشيها طوال العرض جعلت الجمهور يشعر أن هايدي وزينات أصبحا شخصًا واحدًا، حتى نبرة الصوت، خصوصًا عند استدعاء عبارتها الشهيرة: ميدو… مادا ميدو
، أعادت الذكريات مباشرة إلى لحظة مع إسماعيل ياسين، وكأن الزمن قد تلاشى.
وفي مشهد آخر، تقول هايدي: مفيش فرصة تغير حياتنا المهببة دي
، لتجسد المعاناة اليومية لكل فنانة تبحث عن فرصتها، كل شخص يقف على الخشبة منتظر تقدير حقيقي.
أنا ذاكرت إحساس زينات.. حسيت بيها.. مش بس كنت بحفظ الحوار، شوفت أفلامها فيلم فيلم، كنت بحاول أكون هي مش بس نسخة منها… مستنية حاجة فيها روح زي زينات.(هايدي عبد الخالق)
السر الثاني الساكن:
أبطال بإمكانات إنتاج محدودة
١٠٠ يوم عرض، بسعر التذكرة ٣٠ جنيهًا فقط لمشاهدة وجبة دسمة!
رقم ضئيل للغاية، جعلنا نسأل عن راتب أبطال العمل وكيف تسير حياتهم قبل الوقوف على مسرح الدولة بدار الأوبرا المصرية، لتكون الإجابات في نصّ الحوار دون قصد.. وربما بقصد، أول مشهد جمع “طارق”، ابن شقيقة زينات، و”وردة”، ابنة خيرية، حين قال: هتشهر في يوم ياورد واشتري الأوتومبيل
.
خلف الكواليس قالها لنا بضحكة ساخرة الفنان؛ محمود الغندور، لاعب شخصية طارق:
فلوس إيه؟!.. إحنا بنلم من بعضينا عشان نعمل عرض والدنيا تمشي، كل اللي واقفين على خشبة المسرح عايزين يمثلوا وبيحبوا الفن.. ومحدش مستني مقابل مادي دلوقتي.. كله نفسه يتشاف وتيجي فرصة.(محمود الغندور)
السر الثالث:
سبع صنايع والشغف فنان
في مشهد مزج الكوميديا والدراما معًا، ظهر ترزي الست زينات في محاولة منه لاخذه مقاساتها، لصنع فستان واحد من أفلامها. تقف زينات أمام خزانتها، تفتحها ببطء: هو أنا كنت بطلب كتير؟
.
لحظة يتحوّل فيها الفستان إلى باب ذكريات حلم صعب الحصول، معاناة فتاة من أسرة متوسطة تمنت الدخول عالم الفن، وبعدما أعطاها القدر ما حلمت.. ضاع المجهود الذي تتذكره وهي في لحظة البحث عن فستان قيم لمقابلة “سيادة الريس”، فتوجه سؤال إلى الترزي الخاص بها: أنت تقدر تبعد عن التفصيل
.
براعة أحمد جوهر في الدور جعلته يبدو كترزي أوروبي أصيل، من ملامح وجهه إلى طريقة وقوفه وتحركه يجيب عليها حزينا: لا.. ياست زينات.. مقدرش.. أنا أحب شغلي
.
مشهد دقائق، لكن من خلاله صنع “جوهر” عدة أدوار: اسماعيل ياسين وهو في المطبخ مع زينات في فيلم “ابن حميدو” والترزي الأوروبي الكوميدي الذي يتحدث “عربي مكسر” والمهاجر الذي ترك عالمه ليصنع فساتين ليلى مراد وهند رستم في بداية مشوارهما الفني.
وعندما تحدثنا معه، اكتشفنا أن له دور مختلف في المسرحية، وهو تصميم بوستر العمل الشهير، حيث إنه يعمل مصمم جرافيك، مخرج، وممثل أيضًا، ودرس التجارة والفنون المسرحية.
علاقتي بتصميم البوسترات جت من دراسة المسرح.. لأننا بندرس كل العناصر والتفاصيل، والبوستر جزء أساسي من عناصر العمل، وجزء من دعاية العرض، وبعتمد في أسلوبي على علامات الاستفهام.. إني أقول كل حاجة عن العرض في تصميم صورته هتكمل في عقلك لو جيت شوفته.. المسرح علمنا نشتغل كل حاجة ولازم يكون في شغل أساسي يصرف عليه، تصميم البوسترات لا يقل أهمية عن الديكور والمكياج والإضاءه.. دا جزء التسويق للعرض اللي بسببه الناس هتيجي، وفكرة إني جزء من العرض خلتني متحمس أكثر إني أعمل حاجة تشبه أبطال زمان بأبطال العرض.(أحمد جوهر)
السر الأخير في “النهاية”
في حضرة صوت الست أم كلثوم وهي بتقول فكروني
، وقف الزمن بهدوء وهو يمنح زينات صدقي لحظة انتصار جاءت بعد أكثر من ٣٠ سنة عذاب، نهاية اختارها المخرج محمد زكي لتكون لحظة سلام لا وداع.
كنت بدور عن نهاية فيها تصالح مع الماضي.. لحظة يعود فيها الإنسان إلى نفسه قبل أي شيء.(محمد زكي)
النهاية كانت، ظهور زينات صدقي وهي تعود نحو شقيقها بعد قطيعة طويلة، لا بانفعال صاخب، بل بلحظة صامتة كثيفة المعنى؛ نظرات تتلاقى، وأنفاس تهدأ، وكأن السنوات الثقيلة تذوب في مصافحة مؤجلة، يقول زكي: دا اللي حصل في حياتها، وكان لازم الفن ينتصر
.
مشهد النهاية يتسع تدريجيًا ليحتضن لحظة التكريم من الرئيس أنور السادات، حيث يتحول المسرح إلى فضاء اعتراف طال انتظاره؛ تصفيق يشبه رد اعتبار، ووقفة ثابتة استردّت فيها زينات صدقي كرامتها: المشهد جه كـ عدالة دراميًا منحتها الشهرة من جديد
.
اختار محمد زكي صوت زينات صدقي ليختم به عرض “أرتيست” في لحظة التكريم الرسمي لها أمام الرئيس. في ثانية، توقف الزمن على الخشبة، وتراكم الصمت كما لو أنه كان ينتظر هذا الصوت ليكشف كل ما لم يُقال في سنوات الصراع والفن لأشهر حكاية في الستينات، حكاية زينات صدقي والفستان، ودعائها الشهير: اللهم انصر الفنانين على أهاليهم اللي مبيعترفوش بالفن
.
