في السابعة مساءً، داخل المسرح الصغير بدار الأوبرا المصرية، لم يكن الجمهور داخل قاعة عرض تقليدية؛ فالإحساس كان أقرب إلى جلسة استعادة؛ استعادة حياة وتجربة وأسئلة ظل صاحبها يطرحها حتى اللحظة الأخيرة.
العرض الأول لفيلم البحث عن داود عبد السيد
، من إنتاج الجزيرة الوثائقية، جاء تحيةً متأخرةً لرجلٍ عاش السينما باعتبارها رحلة بحثٍ لا محطة وصول.
في الصفوف الأولى من القاعة، جلست أسرته والمقربون منه؛ وكانت أعينهم تتحرك بين الشاشة وذكريات شخصية واضحة على ملامحهم.
الفيلم لا يبدأ بسردٍ تاريخي مباشر، بل يفتح باباً على الإنسان قبل الفنان؛ يتحدث داود عن طفولته وعلاقته بعمه، وعن أبٍ كان شغوفاً بالمسرح والسينما، كأن الفن لم يكن قراراً اتخذه لاحقاً، بل بيئةً نشأ داخلها.
حكى عن لحظة تعثره الدراسي حين لم يحقق مجموع الثانوية، ليعلن ببساطة شديدة، كمن يعترف بأن الطريق لم يكن مستقيمًا، لكنه كان صادقًا بما يكفي ليقوده إلى معهد السينما.
الوثائقي يربط بين حياة داود وتحولات جيله؛ زمن الثورة والسد العالي، وأحلام انعكست لاحقًا في أعمال مثل «أرض الخوف». وهناك جملة يقولها داخل الفيلم تبدو كأنها تلخيص لمرحلة كاملة: قدمنا المشاريع.. وانتكسنا..
، ليست شكوى بقدر ما هي قراءة هادئة لما حدث حينها.
واحدة من أكثر اللحظات صدقًا كانت حديثه عن الرقابة؛ يحكي كيف رُفض أحد المشاهد، فاختار أن “يلعب اللعبة” بطريقته، حيث سرد في الفيلم أنه أوهمهم بالتغيير بينما حافظ على الجوهر. يقولها ببساطة تحمل فلسفة كاملة: العب اللعبة كده.. تمام، بس أنا هلعبها كده
.. هي ليست مراوغة بقدر ما هي فهم لطبيعة الصراع بين الفنان والواقع.
يفسح الفيلم مساحة كبيرة للجانب الإنساني؛ تتحدث زوجته كريمة كمال عن سنوات القلق، خاصة حين أصبح أبًا في فترة كان فيها بلا عمل تقريبًا؛ ست سنوات طويلة دون دخل ثابت، لكنه لم يتوقف عن الكتابة طوال هذه المدة. بالنسبة له، لم تكن الكتابة رفاهية بل وسيلة بقاء؛ تصفه كرجل ظل متمسكًا بفكرته عن الحياة حتى في أصعب لحظاتها.
عمره ما خاف.. كنا مبسوطين جدًّا ومرحلة وعدت.. داود المرة الوحيدة اللي خاف فيها كانت لحظة ما ولدت ابننا فادي، قال لي: ده قرارنا وعارفين نتحمله.. هو إيه ذنبه؟(الكاتبة كريمة كمال تتحدث عن زوجها)
يتكرر داخل الفيلم سؤال البحث عن الذات؛ فداود لا يقدم نفسه بطلاً منتصراً، بل إنساناً تعثر كثيراً وتصالح مع ذلك. يقول في لحظة مكاشفة: أوهمك إني بقدم تنازل.. بس أنا بوهمك
. تكشف الجملة فهمه للتوازن بين ما يقال وما يفعل، وبين البقاء داخل اللعبة دون فقدان الروح.
الموسيقي راجح داود يرى أن الفيلم لا يتعامل مع سيرة شخصية بقدر ما يقترب من منهج حياة، مؤكدًا أن العمل مع داود كان تجربة ثقافية شكلت وعي جيل كامل، بينما تعترف المخرجة هالة خليل بأن مشاهدة الفيلم كانت تجربة مؤثرة يصعب الحكم عليها بعين نقدية؛ فداود يظهر كإنسان حائر يبحث عن إجابات، ويترك الأسئلة مفتوحة كما هي.
صناع الفيلم أنفسهم يروون أن موافقة داود لم تكن سهلة، كما قال صانعه المخرج الوثائقي أسامة العبد، وكتب مادته البحثية أسامة عبد الفتاح، وشارك في بنائه فريق عمل اقترب من داود إنسانيًا قبل أن يكون فنيًا.
ينطلق الفيلم من سؤال بسيط طرحه المخرج نفسه على صناعه عندما طلبوا منه التسجيل معه: عايزين تعملوا فيلم عني ليه؟
.. هذا السؤال لم يكن اعتراضًا، بل مفتاحًا دراميًا للصناع وبذرة ألقاها داود عبد السيد لهم، حيث إن الإجابة لم تكن توثيق مسيرة، بل محاولة لفهم معنى الرحلة.
يذكر المنتج أن الفيلم كان مخططًا له أن يكون احتفالًا بتجربة حية، لكنه بعد رحيل داود تحول تلقائيًا إلى ما يشبه الرثاء الحميم، دون أن يفقد روحه التأملية. ويتوقف الفيلم أيضًا عند سيناريوهات لم تُنفذ، وأعمال كتبها داود وظلت مؤجلة، وصفتها زوجته عند سؤالها عما إذا كان يمكن تنفيذ هذه الأعمال بقولها: هناك خوف واضح من أن يفقد العمل روحه إذا تولاه آخرون، لأنه كان يرى الكتابة والإخراج فعلاً واحداً
.
تأتي نهاية الفيلم هادئة ومحمّلة بالمعنى؛ مشهد من فيلمه “الكيت كات” يختتم الرحلة، ومعه عبارة تبدو كأنها خلاصة حياة: اللي عملته هو اللي قدرت أعمله
. لا انتصار صاخب ولا هزيمة معلنة، بل قبول إنساني لمسار طويل من البحث.
وفي تلك الليلة في دار الأوبرا، لم يكن الفيلم مجرد وثائقي عن مخرج كبير، بل كان مرآة لتجربة إنسانية يعرفها كل من حاول أن يعيش وفق فكرته الخاصة؛ فالتفاصيل تختلف، لكن الحالة واحدة: رحلة مستمرة بين ما نريده وما نستطيع.
ومن اللافت أن عرض فيلم من إنتاج الجزيرة الوثائقية داخل دار الأوبرا المصرية حمل دلالة خاصة؛ إذ لسنوات طويلة كان عرض إنتاجات الجزيرة في مصر أمرًا غير معتاد بسبب القيود المفروضة، لكن هذا العمل جاء بموافقة وزارة الثقافة، ليصبح في سياقه حدثًا ثقافيًا بقدر ما هو فني، وكأن الفيلم نفسه يكرر فكرة داود عن إيجاد المساحة الممكنة داخل الواقع.
