المقال رقم 83 من 81 في سلسلة تاريخ الإخوان والسلطة
تاريخ الإخوان والسلطةwp-content/uploads/2024/09/تاريخ-الإخوان-والسلطة.webp

العاشر من فبراير لم يكن يختلف عن أيام الثورة السابقة سوى في ازدياد يقين الثوار بأن ساعة الحسم قد اقتربت، ورغم عودة الحياة في بعض شوارع القاهرة إلا أن من يقترب من الصورة أكثر يكتشف توقف عجلة العمل الحكومي في إدارات الدولة المهمة، خاصة مربع الحكم في مجلس الوزراء ومجلسي الشعب والشورى التي أغلقت مبانيها وعُطلت إداراتها تمامًا باعتصام الثوار أمامها، والسيطرة على مداخل ومخارج أبنية تلك المؤسسات.

في الثامنة صباحًا تقابل الثلاثي و و مع صديق رابع لهم هو مصطفى أبو جمرة، وتحركوا للقاء د. بناءً على الاتفاق السابق. تحدث حسام بدراوي عن تاريخه الشخصي في محاولة تغيير الحزب من الداخل ومحاولاته المستقبلية للإصلاح، وعن محاولاته منذ اللحظة الاولى لقبول منصب أمين عام بالرغم من العقبات التي يلاقيها من رجال الرئيس، إلا أنه التقى به وعرض عليه فكرة التنحي وتفويض سلطاته لنائبه، وأن هناك قبولًا شخصيًا من مبارك، ولكن من حوله يحاولون الضغط عليه لرفض ذلك، خوفًا على مصالحهم الشخصية وأوضاعهم.

بدت تلك الفكرة مقبولة من الجميع تقريبًا، ورأى عمرو سلامة أن يخرج مبارك في خطاب رسمي يعلن، ويذكر فيه كلمة التنحي بكل وضوح ويعزي أسر الشهداء ويشيد بما رأه من الشباب، وبعد أكثر من ساعة من النقاش، أخبرهم حسام بدراوي أنه سيذهب إلى القصر الرئاسي، ويطرح الفكرة هناك ويؤكد أن ذلك هو مطلب الشباب، وسألهم أن كانوا يمانعون في لقاء مبارك، فلم يمانعوا في ذلك طالما هناك تأكيد على تنحيه، وهم ليسوا ذاهبين للتفاوض، فهم لا يمثلوا الميدان، لكن لم يحدث هذا اللقاء المرتقب وتم تنحية تلك الفكرة جانبًا.

نهاية يوم الخميس أمطرت السماء فوق ميدان التحرير بشكل غزير لأول مرة منذ بدء الاعتصام، ومع أن تلك الأمطار قد سببت الكثير من المضايقات للمعتصمين في هذا الجو شديد البرودة، إلا أن سقوط الأمطار في الثقافة المصرية يعني بشرة قدوم الخير، فقد ابتهج معتصمو التحرير بالأمطار بالرغم من تضررهم بها، لكن الأمطار لم تدم كثيرًا فقد توقفت تمامًا بعد ساعة ونصف فقط مما أشعر المتظاهرين أن العناية الإلهية تشفق عليهم وتحيطهم دائمًا.

استمر النظام ذلك اليوم في عناده تجاه مطالب الثوار متخذًا بعض الإجراءات التي تشير إلى أنه غير خائف ومصمم على البقاء وأنه لن يستجيب بشكل واضح لمطالب الثوار؛ بدا ذلك واضحًا في مشاهد الاجتماعات التي بثها التليفزيون الرسمي لل مع النائب ثم مع رئيس الوزراء ، وكان رد الثوار على هذا العناد هو الصمود والاستمرار.

في أحد البرامج الحوارية في نهاية اليوم، زعم أن مبارك غادر مصر متجهًا إلى روسيا وأنه لا فائدة من بقاء الثوار في الميدان، وأن الخطاب الذي ألقاه مبارك مسجل منذ فترة، وطالب الثوار بالعودة من ميدان التحرير وذلك قبل التنحي بيوم واحد، ربما ظنًا منه أن تلك الحيلة قد تنطلي عليهم.

بدا أن الوقت هو عامل الحسم الرئيسي في الصراع بين الثوار والنظام، وقد كان الثوار يسبقون النظام بخطوات في تصعيد مطالبهم، بينما النظام يترنح مكانه لا يتحرك إلا بعد فوات الأوان، وتزداد الثورة صلابة بمرور الوقت، كان النظام يتصدع من داخله بانهيار الحزب الوطني الحاكم، ظهر ذلك في الاستقالة المدوية للأمين العام للحزب الوطني الحاكم د. حسام بدراوي من منصبه كأمين للحزب بل ومن الحزب نفسه، بالرغم من أنه لم يمضِ على تعيينه في منصبه أيام معدودة، مما أعطى إحساسًا باقتراب النهاية؛ فالمركب يغرق والجميع يفر منه.

استشعرت بعض القوى والأحزاب السياسية أن النهاية قد أصبحت وشيكة، ولن يتسنى لهم الحصول على أي مغانم من المفاوضات مع النظام، فبدأت الأحزاب التي شاركت في الحوار تعلن انسحابها معلنة فشلها وفي مقدمتهم ، وفي الرابعة عصرًا بدأ توالي أخبار تفيد بأن هناك بعض ضباط الجيش قادمين للميدان حاملين أخبارًا جيدة مرضية للمعتصمين.

ولم يمضِ قليل حتى أتى بالفعل ضابط جيش وسط جنوده حاملًا مكبرًا للصوت وألقى بيانًا قصيرًا: بسم الله الرحمن الرحيم، المجلس الأعلى للقوات المسلحة منعقدٌ الآن، وفي خلال دقيقة من الآن ستصدر قرارات لصالح جميع المتظاهرين في التحرير وأمام مجلس الشعب.

وبدأت الفرحة تعم المكان، ومرت الدقائق ولم يحدث شيء، وبعدها بساعة أتى اثنان آخران من ضباط الجيش، وتلوا بيانًا مشابهًا من فوق المنصة الرئيسية في قلب الميدان يفيد بأن هناك أخبارًا مفرحة في الطريق، وبدأت الشائعات تسري أن الطريق للتنحي أصبح قريبًا جدًا، بل وصدق البعض أن تلك الأخبار المفرحة المرضية هي خبر تنحي مبارك، وأن الجيش قد قام بانقلاب على مبارك وأجبره على الرحيل.

مع غروب شمس الخميس، جاءت لقطات من حوار صحفي للرئيس الأمريكي على الفضائيات، قال فيه: ما أريده هو حكومة ممثلة في مصر، وأنا على ثقة أن مصر إذا مضت في عملية انتقال منظمة فستكون هناك حكومة يمكن أن نعمل معها كشركاء، فعاجله المذيع بالسؤال: متى سيغادر مبارك؟، فأجاب أوباما: تعرفون، في نهاية المطاف الولايات المتحدة لا يمكنها إجبار…، فقاطعه المذيع مرة أخرى قائلًا: إجبار الديكتاتور على المغادرة؟، فأجاب أوباما بحسم: ما يمكننا قوله هو أن الوقت قد حان الآن. كانت تلك الكلمة السحرية التي ينتظرها الجميع، التي تعني بكل وضوح أن أوباما قد رفع يده عن تأييد مبارك، وأنه لمصلحة الجميع لا بد أن يغادر مبارك.

وفي الساعة الخامسة على قناة BBC، أكد حسام بدراوي أن حسني مبارك قد يستجيب لتطلعات الشعب قبل يوم الجمعة، وعلى نفس المحطة كان رئيس الوزراء أحمد شفيق أكثر تحديدًا وهو يقول: الرئيس قد يستقيل، في الوقت نفسه وعلى شاشة القناة الأولى المصرية حمل شريط الأخبار في منتصف الشاشة خبرًا عاجلاً يقول: الرئيس مبارك يوجه كلمة بعد قليل للأمة.

كانت كل الدلائل تسير في اتجاه واحد وبكل قوة.. أن مبارك سيعلن تنحيه الليلة لا محالة.

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي 0 حسب تقييمات 0 من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

‎ ‎ جزء من سلسلة: ‎ ‎ تاريخ الإخوان والسلطة[الجزء السابق] 🠼 الثلاثاء والأربعاء
بيشوي القمص
[ + مقالات ]

صدر للكاتب:
كتاب: ﻻ أحد يتعلّم من التاريخ ٢٠١٧
كتاب: ﻻ أحد يتعلّم من التاريخ [قيصر جديد] ٢٠١٨
كتاب: ﻻ أحد يتعلّم من التاريخ [صراع العروش] ٢٠٢٢
كتاب: ﻻ أحد يتعلّم من التاريخ [العملية ظافر] ٢٠٢٤