المقال رقم 90 من 90 في سلسلة تاريخ الإخوان والسلطة
تاريخ الإخوان والسلطةwp-content/uploads/2024/09/تاريخ-الإخوان-والسلطة.webp

قبل يومين فقط من فتح باب الترشح للانتخابات الرئاسية، وفي 8 مارس 2012، قضت المحكمة العسكرية العليا بإسقاط الأحكام السابقة على اثنين من قيادات الإخوان، أسعد الشيخة وأحمد عبد العاطي، واللذين كان قد حُكم عليهما بالسجن 5 سنوات غيابيًا في القضية التي عُرفت إعلاميًا بقضية “مليشيات الأزهر”، التي سُجن على إثرها نائب المرشد العام للجماعة، و رجل الأعمال الإخواني، ونحو 40 من قيادات الجماعة.

وبعد أقل من أسبوع واحد، وفي 15 مارس 2012، أصدرت المحكمة العسكرية العليا حكمًا آخر برد اعتبار خيرت الشاطر من عقوبة الحبس 5 سنوات، في القضية رقم 8 لسنة 1995 جنايات عسكرية، المعروفة إعلاميًا بـ«قضية مجلس شورى الجماعة»، بالتالي سقوط كل العقوبات التبعية والآثار الجنائية الأخرى المترتبة على الحكم السابق.

وسرت أخبار غير مؤكدة أن هذا الحكم جاء نتيجة لاتصالات أجراها محسن راضي، عضو الجماعة ونائب مجلس الشعب السابق، باللواء ، عضو ، بدأت في مارس 2011، وطلب منه ضرورة إقناع المشير بإصدار عفو شامل عن الشاطر [1].

أثار حكم المحكمة العسكرية العليا الشكوك في نوايا المجلس العسكري، وكأن المجلس العسكري كان يدفع الإخوان نحو الكرسي، حتى أن إحدى بنات خيرت الشاطر كتبت على حسابها الشخصي على فيسبوك تقول إن هذا الترشح جاء نتيجة اتصال المشير طنطاوي بوالدها، على الرغم من أن المجلس لم يضيع فرصة إلا وأكد فيها أنه الحامي للدولة المدنية.

الأغرب أن الشاطر نفسه هو الذي قاد حملة شعواء ضد ، عندما أعلن هذا الأخير عزمه على الترشح، حتى قيل إن قيادة الجماعة أرسلت وفد من اثنين أو ثلاثة من الإخوان إليه لإثناء أبو الفتوح عن عزمه، لكن الوفد لم يوفق في مهمته. وحتى تبدو الجماعة أمام قواعدها ملتزمة بالحسم والحزم اللازمين، وأنه لا يوجد أحد مهما كانت قامته فوق المساءلة، انتهى المجلس في اجتماعه الدوري يوم 18 يونيو 2011 إلى اتخاذ قراره بفصل د. عبد المنعم أبو الفتوح من الجماعة، لمخالفته قرار مجلس الشورى العام، وخروجه عن نظم وقواعد الجماعة [2].

وكرد فعل سريع لحكم رد الاعتبار لخيرت الشاطر، وبعد أقل من أسبوع واحد على الحكم، تواردت أخبار عن زيارة وفد من بقيادة ، نائب رئيس مجلس إدارة الدعوة السلفية، في 21 مارس 2012، للمركز العام لجماعة ، بهدف التوافق حول مرشح يدعمه الإخوان والسلفيون في الانتخابات الرئاسية. عرضت قيادات الدعوة على الجماعة ترشيح خيرت الشاطر، وأكدت دعمهم له حال ترشحه.

الإخوان لن ترشح الشاطر للرئاسة، ولا نريد أن نبعث رسالة استبداد واحتكار بالسيطرة على السلطتين التشريعية والتنفيذية، وأبو الفتوح وضعنا في محك بالغ الخطورة بإعلانه الترشح لانتخابات الرئاسة، ولن نضحي بتاريخنا ومستقبلنا من أجل واقع فرضه علينا فرد واحد.

()

في السابق، رفضت قيادات مهمة داخل الجماعة، بما فيهم شخصيًا، فكرة الدفع بمرشح إخواني للرئاسة، وتم استبدالها بفكرة تشكيل حكومة ائتلافية يقودها رئيس حكومة إخواني. الأمر الذي سيعطي الجماعة كل الصلاحيات الممكنة للتمكين، مع قدر محدود من المسؤولية يمكنها بسهولة التنصل منه إن ساءت الأمور. لكن مسألة الدفع بمرشح إخواني للرئاسة هو أمر خطير يمكن أن يهدد تاريخ الجماعة بأكمله، لأن وجود إخواني على قمة السلطة يجعل الجماعة، بل والتيار الإسلامي كله، مسؤولًا عن كل فشل أو نجاح ستلاقيه الدولة في عهدهم.

كما أن أحد أهم أسباب تخوف الجماعة من الترشح هو أن الجماعة تستمد شعبيتها بالأساس بكونها تلعب دور ضحية النظام، الأمر الذي لم يعد موجودًا بعد الثورة، إضافة إلى استحواذ الجماعة على مقاعد الأغلبية في مجلس الشعب ورئاسته. فهذا سيكون كفيلًا بالقضاء على شعبية الجماعة، كونها ستظهر أمام الشعب وكأنها تعيد إنتاج مرة أخرى، بصورة جديدة إسلامية.

لكن وبدون مجهود يذكر، أصبحت الساحة شبه خالية أمام الجماعة، في ظل عدم وجود مرشح قوي يمكن أن ينافسهم، وبات الأمر أشبه بلاعب كرة يقف منفردًا أمام المرمى الخالي من حارسه، ليسدد الكرة ويحرز الهدف الذي طال انتظاره، وأصبح الأمر مغريًا، فقد لا تأتي فرصة ذهبية مثل هذه، وبالطبع سال لعاب الشاطر للكرسي.

وبسرعة عقد مكتب الإرشاد جلسة لمناقشة مسألة ترشح الشاطر، انتهت برفض 60% من المشاركين في الاجتماع، لتتراجع الجماعة عن قرارها بعدم ترشيح أحد أعضائها للرئاسة، خاصة أن المرشح المحتمل للجماعة هو المهندس خيرت الشاطر نائب المرشد، مقابل 40% أيدوا فكرة ترشحه، فتأجلت الجلسة بضعة أيام إلى جلسة أخرى، وما بين الجلستين، مارس مكتب الإرشاد الضغط على أعضاء مجلس شورى الجماعة لتغيير رأيهم، والتمهيد للرأي العام لفكرة المرشح الرئاسي الإخواني.

في 22 مارس 2012، أكد غزلان أن: ترشيح الإخوان أحد أفرادها للرئاسة وارد.
وفي 25 مارس 2012، أكد لقناة مصر 25 أن: الظروف تغيرت وأصبح من الوارد أن يرشح الإخوان رئيسًا.
وفي اليوم التالي، 26 مارس، أكد بديع الأمر ذاته قائلًا: ندرس رغبة الأعضاء في الدفع بمرشح، ومجلس شورى الجماعة سيحسم قرار ترشح أحد أعضائها [3].

في 31 مارس، انعقد مجلس شورى الجماعة للمرة الثانية برئاسة المرشد العام د. محمد بديع، وم. خيرت الشاطر، ود. نائبَي المرشد، ود. محمد مرسي رئيس ، وأحمد سيف الإسلام نجل ، وتم منع الصحفيين ووسائل الإعلام من الدخول إلى مقر الاجتماع، وجرى التصويت للمرة الثانية على مسألة ترشح الشاطر.

هذه المرة كانت النتيجة مختلفة تمامًا، إذ جاءت نتيجة التصويت بموافقة 56 عضوًا مقابل رفض 52 عضوًا. وهذا يدل على أن ما يقرب من نصف أعضاء مجلس الشورى كانوا مدركين لحجم التحديات الداخلية والخارجية التي يمكن أن تواجه الجماعة حال فوز مرشحها في انتخابات الرئاسة [4].

وفي مساء اليوم، وبعد نهاية اجتماع مجلس شورى الجماعة، أعلنت جماعة الإخوان المسلمين، من خلال مؤتمر عام، اختيار خيرت الشاطر نائب المرشد مرشحًا عنها في الانتخابات الرئاسية. وحفظًا لماء الوجه، أعلنت الجماعة أنه تم الدفع بالشاطر ردًا على رفض تشكيل حكومة ائتلافية بصلاحيات كاملة وإقالة حكومة الجنزوري والتلويح بحل مجلسي الشعب والشورى.

وأعلن بديع أن الشاطر قد تقدم باستقالته من منصب نائب المرشد، تمهيدًا لترشحه لمنصب الرئاسة، بعد علمه بقرار مجلس الشورى وحزب الحرية والعدالة. وتلا الأمين العام للإخوان محمود حسين بيانًا باسم الإخوان المسلمين وحزب الحرية والعدالة في بداية المؤتمر، برر فيه عودة الجماعة في قرارها بـ التحديات التي واجهت الجماعة بعد أن وجدت أن هناك تهديدًا حقيقيًا للثورة وللة، مؤكدًا أن الجماعة لا تسعى إلى سلطة من منطلق الوصول إلى منصب أو تحقيق مغنم أو جاه.

تضمن البيان تبريرات للتراجع مثل: محاولات إنقاذ الثورة المخطوفة، ومحاولات عرقلة تأسيس لجنة وضع الدستور من قبل التابعين للنظام البائد. وقال محمد مرسي – الذي لم يكن قد ترشح بعد احتياطيًا للشاطر – إن هذا الموقف ليس تغييرًا لمبادئ الإخوان، ولكن هذا القرار جاء وفقًا للمستجدات الداخلية والخارجية التي دفعت الجماعة لاتخاذه. وصرح المرشد العام محمد بديع أن: مصر تحتاج لمرشح رئاسة قوي، والجماعة اختارت الشاطر ليترشح عنها لرئاسة الجمهورية.

وكرد فعل قوي، وبعد دقائق من مؤتمر إعلان ترشح الشاطر، أعلن د. ، المتحدث السابق باسم جماعة الإخوان المسلمين في أوروبا، استقالته على الهواء مباشرة، في مداخلة هاتفية مع برنامج العاشرة مساء على ، اعتراضًا على ترشيح خيرت الشاطر، بعد 61 عامًا قضاها في خدمة الجماعة. وحث شباب الجماعة على: عدم التورط في التردد والفساد والتخبط داخل الجماعة، مؤكدًا أن: هناك صفقات بين الجماعة والعسكري.

في المقابل، خرج ، عضو مكتب الإرشاد، ليؤكد أن كمال الهلباوي، المتحدث الرسمي السابق باسم التنظيم الدولي للإخوان في الغرب، ليس عضوًا بالجماعة حتى يستقيل منها. ومسألة استقالته ليست إلا فرقعة إعلامية.

في صباح اليوم التالي، 1 أبريل، أصدر خيرت الشاطر تصريحًا قال فيه: لم أتطلع يوماًا لأي منصب، ولا أستطيع إلا قبول قرار الجماعة بالترشح لانتخابات الرئاسة. وفي الخامس من أبريل، تقدم خيرت الشاطر بأوراق ترشحه إلى اللجنة العليا للانتخابات، بصحبته عبد المنعم عبد المقصود، محامي الجماعة، وسط حشد من أعضاء الجماعة والحزب، حاملين لافتات تحمل صوره مكتوبًا عليها: مهندس النهضة خيرت الشاطر رئيسًا لمصر.

في اليوم الأخير قبل إغلاق باب الترشح، وبعد ثلاثة أيام من ترشح الشاطر رسميًا في الانتخابات الرئاسية عن جماعة الإخوان المسلمين، حمل د. محمد مرسي، رئيس حزب الحرية والعدالة، أوراق ترشحه بكل هدوء ودون أي صخب إعلامي على الإطلاق، وبصحبة عبد المنعم عبد المقصود محامي الجماعة، ودلفا من الباب الخلفي صباح الأحد 8 أبريل 2012 إلى مقر اللجنة العليا للانتخابات، باعتباره مرشحًا احتياطيًا من قبل الجماعة، التي خشيت أن تؤدي التهم التي أدين بها مرشحها الرئيسي خيرت الشاطر عام 2005 إلى استبعاده.

لم يهتم أحدٌ بخبر ترشح مرسي، وربما لم يلتفت أحدٌ إلى هذا الخبر أصلًا، ومن ثمَّ فقد حمل مرسي منذ اليوم الأول اللقب الذي لقَّبه به التيار الثوري المدني عن جدارة: الاستبن. وما بين ترشح الشاطر ومرسي، وفي 5 أبريل، قدم الفريق أوراق ترشحه لرئاسة الجمهورية، إلى اللجنة العليا للانتخابات الرئاسية، ترافقه سيارة نقل صغيرة [ربع نقل] تحمل 63600 توكيل شعبي.

هوامش ومصادر:
  1. ، الجيش والإخوان: أسرار خلف الستار، الدار المصرية اللبنانية، 2013. [🡁]
  2. ، الإخوان المسلمون بين الصعود والرئاسة وتأكل الشرعية، ، 2013. [🡁]
  3. خير، الطريق إلى قصر العروبة، دار صفصافة للنشر والتوزيع، 2012. [🡁]
  4. محمد حبيب، الإخوان المسلمون بين الصعود والرئاسة وتأكل الشرعية، المجموعة الدولية للنشر والتوزيع، 2013. [🡁]

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي 5 حسب تقييمات 1 من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

‎ ‎ جزء من سلسلة: ‎ ‎ تاريخ الإخوان والسلطة[الجزء السابق] 🠼 سباق الرئاسة
بيشوي القمص
[ + مقالات ]

صدر للكاتب:
كتاب: ﻻ أحد يتعلّم من التاريخ ٢٠١٧
كتاب: ﻻ أحد يتعلّم من التاريخ [قيصر جديد] ٢٠١٨
كتاب: ﻻ أحد يتعلّم من التاريخ [صراع العروش] ٢٠٢٢
كتاب: ﻻ أحد يتعلّم من التاريخ [العملية ظافر] ٢٠٢٤