المقال رقم 82 من 81 في سلسلة تاريخ الإخوان والسلطة
تاريخ الإخوان والسلطةwp-content/uploads/2024/09/تاريخ-الإخوان-والسلطة.webp

الثلاثاء ٨ فبراير

المليونية الثالثة في تاريخ الثورة المصرية، تلك التي أتت بعد صدمة ، كانت المليونية الأكبر على الإطلاق منذ انطلاق الثورة المصرية؛ وبينما كانت قوى الثوار ونسيج ميدان التحرير يزدادان صلابة يوماً بعد آخر، كانت هناك محاولات عدة من جانب النظام لاختراق ذلك النسيج والنيل من صلابته.

اتخذت تلك المحاولات أشكالاً عدة، منها محاولة التأثير في معنويات الثوار بشن حرب نفسية داخل الميدان عن طريق أشخاص تابعين للنظام أخذوا يشككون في جدوى ما يجري، وهو ما تنبه له الثوار وتعاملوا معه، وامتدت روح الثورة المنبعثة من ميدان التحرير إلى العديد من مؤسسات الدولة التي كانت خاضعة بشكل تام للنظام السابق، وكان أبرزها ما شهدته مؤسسة الصحفية العريقة من انتفاضة العاملين بها ضد قيادات المؤسسة. على رأس تلك القيادات كان الصحفي ، عضو لجنة السياسات ب، وعضو مجلس الشورى بالتعيين.

إن المسار كله يُدار من قِبَل الحرس القديم دون إشراك المعارضة الجديدة بشكل فعلي أو بقية الشعب، ونائب الرئيس هو من يدير الحوار، أي الجيش نفسه، وهذا جزء من المشكلة؛ فالرئيس من العسكريين ونائبه من العسكريين ورئيس الحكومة كذلك، فإن كانت هناك إرادة لإرساء الثقة فعليهم إشراك باقي التيارات، ولهذا أدعو إلى مرحلة انتقالية مكونة من مجلس رئاسي من ثلاثة أطراف من بينها الجيش، تنبثق عنه حكومة انتقالية.

(، )

منذ مساء يوم الثلاثاء، بدأت القنوات الفضائية في إذاعة أغنية “إزاي” للفنان محمد منير لتكون الأغنية الرسمية للثورة المصرية، التي ألهبت حماس الشعب كله من داخل البيوت ربما أكثر ممن كانوا في قلب الميدان، لكن الميدان نفسه كان غنيًا بالفنانين، فشهد الميدان ميلاد المطرب الثائر رامي عصام الذي نجح في تلحين هتافات الثورة وتحويلها إلى أغانٍ يرددها المعتصمون، ومن أشهرها كلنا إيد واحدة، وطلبنا حاجة واحدة: ارحل ارحل، بالإضافة إلى غنائه للعديد من أغاني الشاعر الثائر ، تلك التي أضفت على الميدان روحًا ثورية لها نكهتها الخاصة.

الأربعاء ٩ فبراير

منحت مليونية الثلاثاء الثامن من فبراير ثوار التحرير مزيداً من القوة والثقة بالنفس، وذلك بعدما استقر الآلاف على قرار البقاء في الميدان وعدم إخلائه، ولم يعكر صفاء ذلك الجو الثوري حدوث مناوشات أو صدامات هنا أو هناك بين الثوار والبلطجية الذين كان يرسلهم أعوان النظام على مداخل الميدان التسعة. أصبحت النهاية قاب قوسين أو أدنى، وبدا أن هناك تخوفات من سيطرة جماعة الإخوان المسلمين على المشهد السياسي.

نحن قد أعلنا بالأمس ونعلن اليوم، إذا كانوا يقولون إنهم يتن من وصول الإخوان المسلمين إلى السلطة فنحن نقول لهم إن الإخوان المسلمين لا يطمعون في السلطة ولن يكون لهم مرشح في الانتخابات الرئاسية القادمة، وفي الوقت نفسه حتى المجلس النيابي لن يرشحوا فيه أكثر من ثلث عدد الأعضاء، فبالتالي سنشارك مشاركة سياسية ولن نغالب، مشاركة معقولة.

(سعد ال، فرانس24)

لاحقاً، وبعد الثورة، ثبت كذبُ تلك التصريحات؛ ف شاركوا بمرشحيهم على 100% من مقاعد مجلس الشعب في الانتخابات النيابية الأولى بعد الثورة، وحصد التيار الإسلامي ما يقرب من ثلاثة أرباع كراسي البرلمان، وأصبح سعد الكتاتني نفسه رئيساً لمجلس الشعب، ثم رشحوا لمنصب الرئاسة، ثم الذي أصبح بعد ذلك رئيساً للجمهورية.

لا أحد يدري على وجه التحديد لماذا استشعر الإخوان المسلمون في هذا اليوم تحديداً استحالة تنحي مبارك واستمرار بقاء النظام، بعدما أصبح النصر قاب قوسين أو أدنى، إذ كتب المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين على حسابه الشخصي على موقع فيسبوك يقول:

إنّ الحملة الإعلامية التي تشنها أجهزة الحكومة على جماعة الإخوان المسلمين، وتتهمهم فيها بأنهم وراء تلك الثورة وأنهم السبب في تعطيل المؤسسات وقطع الأرزاق، هي ادعاء باطل.

( على حسابة الشخصي بفيسبوك)

وهو بالفعل كان صادقاً في كل حرف قاله، لاحقاً وفي يوم 13 فبراير بعد التنحي بيومين، تراجع المرشد عن كلامه الذي كتبه قبل أربعة أيام، وكتب كلاماً مغايراً قال فيه إن الإخوان المسلمين وقد كانوا جزءاً من هذه الثورة المباركة ما كانوا يفعلون ذلك إلا ابتغاء وجه الله، ومن ثم فهم لا يتطلعون إلى مكاسب خاصة، ثم عاد وكتب أن جماعة الإخوان المسلمين طيلة حياتها صادقة في قولها ثابتة في مواقفها… لكنه تلك المرة كان كاذباً…

في منتصف اليوم، تلقى وائل غنيم اتصالاً من وزير الداخلية يخبره بأنه يريده للحديث معه في أمر هام، ولم ينسَ وائل أن يصطحب صديقيه الصحفي خالد البرماوي رئيس تحرير موقع آنذاك والمخرج ، وهناك التقوا بوزير الداخلية بصحبة مدير جهاز أمن الدولة.

تذكره وائل على الفور، فقد التقاه من قبل في لقائه بالوزير في المرة الأولى. لم يتحدث حسن عبد الرحمن إطلاقاً في المرة الأولى؛ ربما خشي إثارة وائل إن علم أنه يجلس مع مدير جهاز أمن الدولة شخصياً. وبدأ محمود وجدي حديثه بمداعبة وائل لكسر التوتر، فأخبره أنه قد أصبح من المشهورين، وتحدث عن وضع مصر واستحالة تنحي مبارك.

كان واضحاً أن الوزير يبذل محاولة أخرى لإقناعهم بالعدول عن التمسك بفكرة التنحي، لكن كلامه قوبل بالرفض الشديد من قبل ثلاثتهم، وتحدثوا معه عن دماء الشهداء الذين سقطوا في التحرير بفعل نظام مبارك الأمني، لكن الوزير ظل متمسكاً بوجهة نظره التي تؤكد أن ما حدث من قنص للمتظاهرين هو مؤامرة مدبرة من الإخوان وحماس و، وتحدث حسن عبد الرحمن لأول مرة محذراً إياهم من الفوضى التي باتت على الأبواب.

هنا انفجر فيه وائل وسأله: ألا يدري ماذا يفعل ضباطه وجنوده في المعتقلين؟ ولماذا تم اعتقاله هو شخصياً بدون جرم وتم تكبيله وتعمية عينيه لمدة اثني عشر يوماً كاملاً؟ اعتذر حسن عبد الرحمن بدبلوماسية باردة كالثلج، وأخبره أن الوضع قد تغير الآن، وأن جهاز أمن الدولة ستتغير استراتيجيته بالكامل، معللاً أنهم كانوا يفعلون ذلك بدافع الوطنية والخوف على مستقبل مصر.

ثم أخذ الوزير يذكرهم بإنجازات مبارك وتاريخه العسكري وتضحياته من أجل الوطن، فتأكد عمرو سلامة أنه لا حل إلا تنحي مبارك، وانتهى الحديث بلا أي نتيجة تذكر، مع الاتفاق أن يلتقي وائل ومجموعته مع في اليوم التالي للتباحث والتشاور.

سرت أخبارٌ غير مؤكدة عن مشادةٍ حدثت بين جمال وعلاء مبارك في عصر هذا اليوم، بدأت كلاميةً ثم تطورت فيما بعد، وتهجم علاء على شقيقه جمال وألقى به أرضاً، صارخاً بأنه السبب فيما حدث في مصر من اضطرابات، وأنه هو من أوصل الشعب المصري إلى المطالبة بإجبار والدهما على التنحي.

أنت الذي ضيّعت تاريخ أبوك.. أنت الذي دمرت الأسرة، وأنت اللي خليتنا نوصل للحالة ديه.. أفسدت البلد عندما فتحت الطريق أمام أصحابك، وهذه هي نتيجة أفعالك وأفعال أصحابك؛ فبدل من أن يكون أبونا معززاً مكرماً في نهاية مسيرته، جعلته قاب قوسين أو أدنى من التنحي.. أنت اللي ضيّعت تاريخ أبوك، وأنت اللي دمرت الأسرة!

(جانب من المشاحنة منسوب لعلاء مبارك)

اشتبك الأخوان بالأيدي، وزاد الانفعال والصراخ فيما بينهما، مما اضطر البعض للتدخل بين جمال وعلاء مبارك لإنهاء الاشتباك، وسط بكاء ونحيب سوزان التي انهارت كل أحلامها دفعة واحدة، وها هي النهاية قد أصبحت قريبة منهم جداً.

في المساء، أجرى البابا مداخلة هاتفية على التليفزيون المصري على الهواء مباشرة، دعماً وتأييداً لمبارك؛ قال فيها نصاً:

نشكر فوق الكل السيد ال على تدخله في الأحداث، وعلى تعيينه السيد عمر سليمان نائباً له، والفريق رئيساً للإدارة الجديدة، ولقد اتصلنا بالسيد الرئيس نشكره ونحييه ونقول له إننا كلنا معه، والشعب كله معه.

(البابا شنودة الثالث، التليفزيون المصري)

عن أي شعب كان يتحدث قداسته؟

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي 0 حسب تقييمات 0 من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

‎ ‎ جزء من سلسلة: ‎ ‎ تاريخ الإخوان والسلطة[الجزء السابق] 🠼 الإثنين ٧ فبراير
بيشوي القمص
[ + مقالات ]

صدر للكاتب:
كتاب: ﻻ أحد يتعلّم من التاريخ ٢٠١٧
كتاب: ﻻ أحد يتعلّم من التاريخ [قيصر جديد] ٢٠١٨
كتاب: ﻻ أحد يتعلّم من التاريخ [صراع العروش] ٢٠٢٢
كتاب: ﻻ أحد يتعلّم من التاريخ [العملية ظافر] ٢٠٢٤