المقال رقم 74 من 79 في سلسلة تاريخ الإخوان والسلطة
تاريخ الإخوان والسلطةwp-content/uploads/2024/09/تاريخ-الإخوان-والسلطة.webp

يوم جديد في ميدان التحرير، وأعداد المعتصمين أقل بكثير من اليوم السابق. هناك العديد من الشد والجذب والمشاحنات نتيجة اختلاف البعض حول إصرار الثوار على اعتصامهم رغم التنازلات التي أعلنها مبارك في خطابه ليلة أمس. والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة، لماذا يتكبد أحدهم مشقة الوصول إلى ميدان التحرير لمجرد التحاور والنقاش والتجاذب والتشاحن مع مؤيدي الاعتصام لإقناعهم بضرورة إخلاء الميدان؟

الإجابة كانت واضحة، فمعظم من أتى إلى الميدان هذا الصباح كانوا تابعين للنظام أو مأجورين من أتباعه، ومهمتهم إيهام الجميع أنهم من الثوار الذين اقتنعوا بخطاب مبارك وضرورة تركه حتى يكمل فترته الرئاسية، وضرورة إقناع الآخرين أن يحذوا حذوهم. وإن لم ينفذ مبارك ما وعد به، فالميدان مفتوح ويمكنهم معاودة الاعتصام مرة أخرى. كانت فكرة بسيطة ومقنعة وخبيثة للغاية، فبمجرد أن يُفض الميدان ستُغلق جميع أبواب العودة وستصبح الثورة كأنها لم تكن.

أما إعلام الدولة فقد لعب دوره ببراعة في إيهام الجميع أن الميدان قد انفض بالفعل، فلم ترد أي أخبار عن الميدان على شاشات الفضائيات التي بدأت في إذاعة برامجها الدورية المعتادة مع شريط أخبار مستمر لا ينقطع في أسفل الشاشة يحمل خبرًا واحدًا رحيل المتظاهرين من ميدان التحرير لبث فكرة أن الميدان قد أصبح خاويًا وأن الثورة قد انتهت تمامًا.

على الجانب الآخر، برع التليفزيون في نقل المظاهرات المؤيدة لمبارك، أو كما وصفها بـالمظاهرات المؤيدة للشرعية والاستقرار السلمي للسلطة، بينما ألقى اللواء عثمان خطابًا آخر لا يحمل أي معلومة ويمكن تفسيره على كل الأوجه. وتسابقت أحزاب المعارضة الكارتونية التي طالما أيدت مبارك، مثل جبهة ، في إعلان تأييدهم لمبارك، وألقى ، رئيس ، خطابًا مماثلًا مؤيدًا للتفاوض مع مبارك ونظامه، وتنافس و المحيطين بالبدوي في مدح مبارك.

وتماشيًا مع موجة التأييد، خرج حسين مجاور، رئيس اتحاد نقابات عمال مصر، بجانب ، وزيرة القوى العاملة، معلنين تأييد عمال مصر لمبارك، متناسين أن جميع فئات الشعب تعرف انتمائهم للحزب الوطني. وانتُخبت عائشة عبد الهادي، وتهدجت أنفاسها وهي توصل رسالة حب عمال مصر لمبارك، إلا أن هذا النحيب المفتعل كان ينقصه الدموع.

خرجت مظاهرات تأييد لمبارك من عدة ميادين في مصر، أشهرها ميدان بالمهندسين، تدعو لاعتبار مبارك أبًا للمصريين. وصفه العديدون بالأب الذي لا يجب إذلاله أو إهانته في نهاية عمره، وهتفوا: مش هايمشي... وهاجموا وطالبوه بمغادرة مصر إلى إسرائيل، والمعنى مفهوم بالطبع.

خرج على رأس تلك المظاهرات المؤيدة لمبارك العديد من الكهنة التابعين لل، يقودهم القس ، العضو البارز في الملقب بعمدة شبرا، وأدلى بحديث للتليفزيون المصري.

إحنا كلنا بنتجمع كمصريين، مش هأقول أقباط ومسلمين لأن دي نغمة مرفوضة، لكن أنا بقول إن المصريين كلهم خرجوا للاستقرار، خرجوا للأمان، خرجوا لمصر كلها، أن يكون الزعيم مبارك هو القائد الذي يقود مسيرة مصر لبر الأمان.

(صليب متى ساويرس، كاهن مار جرجس الجيوشي بشبرا)

وكالمعتاد وبعد تنحي مبارك تحول صليب من مؤيد للنظام إلى مؤيد للثورة تماشيًا مع الموجة السائدة، ولاحقًا في لقائه مع الإعلامي على ، استفاض القس في توجيه التحية لشباب الثورة.

أولًا أنا بحيي هذا الشباب، شباب ٢٥ يناير ده أنا بحييه، لأنه كان نقطة فارقة بين تاريخ مصر قبل ٢٥ يناير، والتاريخ هايكتب كده، أن مصر ما قبل ٢٥ يناير تختلف تمامًا عن مصر بعد ٢٥ يناير، وأنا كراجل عشت في العمل السياسي من سنة ١٩٦٣، بقول إن هذا الشباب الحقيقة مكونتش أتصور أبدًا في حياتي أن هذا ممكن أن يحدث في جيلنا، ولا أجيال تانية، لكن هما سبقوا هذه الخطوة، إنهم عملوا هذا العمل البطولي اللي أنا حاليًا أنا بحييه وبشكر هذا الشباب.

(صليب متى ساويرس، كاهن مار جرجس الجيوشي بشبرا)

إلا أن الميرازي عاجله بالفيديو المسجل له أثناء مشاركته في مظاهرات مصطفى محمود المؤيدة لمبارك، مما جعله يرتبك ويتلعثم ويعجز عن الرد.

في تلك اللحظة صار رحيل مبارك بعيدًا جدًا، وشعر الجميع أن الثورة تنزلق من بين أيديهم، إلا أن اليوم كان لا يزال يحمل الكثير من المفاجآت.

موقعة الجمل

قبل منتصف النهار، بدأت خدمة الإنترنت تعود جزئيًا، مما ساعد على نشر الدعوة للحضور مرة أخرى وللحد من تأثير خطاب مبارك. بدأ الميدان يزداد تدريجيًا مرة أخرى. في ظهيرة ذلك اليوم، شوهدت مجموعة ضخمة من البلطجية يركبون الخيول والجمال والبغال، من قاطني منطقة نزلة السمان، تجوب شارع الهرم في مظاهرة غريبة لدعم الرئيس تتجه إلى ميدان التحرير. وردت أنباء عن تحرك تلك المظاهرات إلى ميدان التحرير لإخلائه بالقوة، مما ينذر بعنف مرتقب لا يعلم أحد مداه.

قوات الجيش التي ادعت حماية المتظاهرين لم تحرك ساكناً لمنع الكارثة المرتقبة من الحدوث، والغريب أن هناك لقطات حية صورتها كاميرات المراقبة في مبنى أظهرت قوات الشرطة العسكرية وجنود الجيش وهم يفسحون الطريق لراكبي الخيول والجمال بالمرور إلى ميدان التحرير دون أن يتعرضوا لهم.

في ظهر هذا اليوم، التقت الكاتبة آمال عويضة، الصحفية بالأهرام، مع عائشة عبدالهادي، وزيرة القوى العاملة، ومعهما حسين مجاور، رئيس اتحاد عمال مصر، في مدخل مبنى الرئيسي. كانت الوزيرة قد دخلت مقر الجريدة لتستريح من قيادة مظاهرة عمال مصر، ودار بينهم حوار قصير في حضور رجال العلاقات العامة بالأهرام، فضلًا عن بعض الصحفيين. قالت آمال عويضة: يا سعادة الوزيرة عاجبك عمال مصر رايحين يضربوا شباب مصر؟، فأجابت عائشة عبد الهادي: يستاهلوا .. يعني إنتي عاجبك اللي بيعملوه فينا؟، فعنفتها آمال عويضة قائلة: حضرتك تقصدي النظام، هنقتل بعض عشان النظام؟، وانتهى الحوار بينهما.

وما هي إلا لحظات حتى بدأ الاحتكاك المباشر بين مؤيدي مبارك على طرف الميدان من مدخله بجوار المتحف المصري والمعارضين المرابطين في الميدان، ولم تمر دقائق حتى بدأت المواجهة والتراشق بالحجارة، وبدا المشهد وكأنه عودة إلى أحد ال، وبدأ سقوط مصابين بجروح في الوجه نتيجة التراشق بالطوب والحجارة.

صنع المتظاهرون أغطية لحماية الوجوه والرؤوس بخامات بسيطة للوقاية، لكن المعركة لم تقف عند حد التراشق بالطوب، فقد هاجم ركاب الخيول والجمال المتظاهرين العزل بسيوفهم وعصيانهم وكرابيجهم، وسحقوا عدداً من المتظاهرين تحت سنابك خيولهم بلا رحمة، وقاوم الثائرون ببسالة، وبعد الكثير من الدماء تمكنوا من صد الهجوم على الميدان، بل إنهم أوقعوا ببعض الخيول وراكبيها وعادوا بهم كأسرى حرب إلى قلب الميدان، وأُطلقت على هذه المعركة: موقعة الجمل.

إلا أن المعركة لم تنته، فلم تمر دقائق حتى أمطرت السماء حجارة وطوب وكسر الرخام من قبل مؤيدي مبارك مرة أخرى. ويظل السؤال الحائر هنا: كيف تمكن مؤيدو مبارك من الحصول على تلك الكميات المهولة من كسر الرخام في تلك المنطقة؟ فهل كانت النية مبيتة من قبل للهجوم على الميدان بهذه الطريقة البربرية؟ ولماذا وقفت قوات الجيش على الحياد، غير عابئة بما يحدث؟ وكيف عبرت تلك الكميات من كسر الرخام تحت سمع وبصر قوات الجيش المخصصة لحماية الميدان؟

لم يقف المتظاهرون ساكنين؛ فانقسموا إلى فرق. فالبعض ينتزع بلاط الأرصفة من قلب الميدان، وآخرون يكسرونها إلى قطع أصغر. ويتولى البعض الآخر نقلها إلى أطراف الميدان، بينما يقوم آخرون بصد الهجوم عن الميدان. وينقل البعض الجرحى إلى المستشفيات الميدانية لإسعافهم، في حين يفكك آخرون السور المعدني المحيط بأرصفة الميدان لبناء المتاريس. وتحولت ساحة ميدان التحرير إلى معركة حقيقية بين المؤيدين والثوار.

أما التليفزيون المصري فقد تمادى في التلاعب الإعلامي، ففي الوقت الذي تذيع فيه كل القنوات الفضائية، وعلى رأسها الجزيرة، ما يحدث على الهواء مباشرة، كان التليفزيون المصري يبث رسالة متكررة أسفل الشاشة تقول: لا صحة لما أذاعته من استخدام خيول وجمال لتفريق المحتجين. ونفى مذيع بالتليفزيون المصري صحة استخدام الخيول والجمال لتفريق المتظاهرين، وقال إن تلك الخيول والجمال استخدمها أهالي نزلة السمان، الذين يعملون في مجال السياحة، ليوجهوا رسالة سلمية للمحتجين مفادها أن هناك أضرارًا بالغة حلت بأرزاقهم، لكن المحتجين اعتدوا عليهم وضربوهم!

وفي مداخلة هاتفية على قناة الجزيرة في هذا الوقت، كان مصطفى بكري يحاول ادعاء الثورية وهو يهاجم البرادعي كالمعتاد، ويدعو الناس بأسلوب ملتوٍ إلى تقبل بقاء مبارك في السلطة كما اقترح في خطابه الأخير، ويوهم الجميع بأن النخبة الثورية تقف معه.

الحقيقة أن ما سمعته الآن من الدكتور محمد البرادعي الحقيقة صادم. فيبدو أن الدكتور البرادعي يدير معركته الداخلية في مصر بالاستعانة بالقوى الأجنبية للاسف.. بالأمس اجتمع مع مارجريت سكوبي السفيرة الأمريكية في القاهرة، واليوم يؤكد بلا جدال أنه يحرض المجتمع الدولي ضد مصر، نحن ضد النظام في مصر، وأنا خرجت في مظاهرات تطالب بتنحي ال، ولكن ليس على أرضية البرادعي ولا على أرضية ، وأوباما أو الإدارة الأمريكية أخر من يتحدث عن حقوق الإنسان، وأخر من يتحدث عن الية، أولى بهم أن يشاهدوا المنظر والمشهد في العراق أو فلسطين، أو في أي مكان آخر تتدخل فيه الولايات المتحدة الأمريكية، ما حدث اليوم جريمة حقيقية في ميدان التحرير، اعتداء سافر، محاولة لتقويض حتى الحوار بين المعارضة ونائب رئيس الجمهورية، اليوم كنا مجتمعين في حزب الوفد، وكان معنا شخصيات لها مواقفها المعروفة.. كان معنا الدكتور يحيى الجمل، المتحدث باسم ، عن ، السيد البدوي الوفد، ، اتحاد النقابات المهنية، جميعنا أصدرنا بيانًا وكان لنا موقفًا من الوضع، ولكن ليس معقولًا أن تقاد البلد إلى حرب أهلية، إذا خيرنا بين أن ننتظر أربعة أشهر فقط لأن الرئيس مفترض في يوليو أن يتوقف ويفتح باب الترشح، لو خيرنا بين أربعة أشهر يبقى فيها مبارك، وبين حرب أهلية تدمر مصر وفوضى خلاقة لصالح إسرائيل ولصالح أمريكا، فنحن نختار أن يبقى الرئيس أربعة أشهر، ثم بعد ذلك لا يقدم أي ترشيح، وقد وعد بذلك بالأمس.. وعد بذلك، لدينا مطالب.. سنجلس على مائدة التفاوض مع السيد ونصل إلى نتيجة، لكن تخريب مصر وتدمير مصر والتأمر على مصر من الخارج ومن الداخل، وقتل هؤلاء الشرفاء الشباب الوطني المحترم الذي قاد ثورة دفاعًا عن المصريين جميعًا، هذا أمر مرفوض ويجب أن يحاكم القتلة الآن قبل الغد، الذين دفعوا بأتون حرب أهلية الآن، نراه في ميدان التحرير هؤلاء مجرمون، هؤلاء يريدون تقويض الدولة المصرية ويريدون سحق كل من يكون له صوت على أرض هذا الوطن.

(مصطفى بكري على قناة الجزيرة، ٢ فبراير ٢٠١١)

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي 5 حسب تقييمات 1 من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

‎ ‎ جزء من سلسلة: ‎ ‎ تاريخ الإخوان والسلطة[الجزء السابق] 🠼 داخل ميدان التحرير[الجزء التالي] 🠼 موقعة الجمل
بيشوي القمص
[ + مقالات ]

صدر للكاتب:
كتاب: ﻻ أحد يتعلّم من التاريخ ٢٠١٧
كتاب: ﻻ أحد يتعلّم من التاريخ [قيصر جديد] ٢٠١٨
كتاب: ﻻ أحد يتعلّم من التاريخ [صراع العروش] ٢٠٢٢
كتاب: ﻻ أحد يتعلّم من التاريخ [العملية ظافر] ٢٠٢٤