لقد أدخل الله عنصر «الحرية والاختيار» في خلاص بني إسرائيل حتى يدخلوا في شركة الله بإيمانهم ورضاهم.
في تقديم الفصح وضع الله عنصر الإيمان كالأساس. يخبرنا بولس الرسول إن موسى صنع الفصح بالإيمان، ورش الدم لئلا يمسهم الذي أهلك الأبكار [1].
امتد هذا الإيمان من موسى إلى كل رئيس عائلة، وكان يلزم هؤلاء روح مؤمنة مطيعة لتنفيذ ما طلب منهم. لأنه كان يطلب منهم أمرًا غريبًا يكاد يكون غير معقول، وعكس ما يتوقعه الإنسان، ولكن كان عليهم أن يعملوه في طاعة الإيمان
، وليس برضى العقل [2].
لقد طلب منهم الله أن يذبحوا حملًا ويحتموا في دمه، أليست هذه حماقة؟ لو طلب منهم أن يستعدوا بالحراب والسيوف لكان الأمر معقولًا! ولكن الله لا يخلص بذراع بشر. لقد سر أن يخلص إسرائيل «بحماقة» دم حمل مرشوش على الباب.
هذه صورة رائعة لجهالة الصليب، فالدم الذي سفك على الصليب كيف يخلص العالم كله؟ كيف يفدي؟ كيف يقدس؟ كيف يغسل ويبرر؟ كيف يسحق قوات الظلام؟ كيف يقيد الشيطان؟ كيف يهتك ظلمة الخطية؟ كيف ينير المسكونة كلها؟ هذه هي قوة الله المخفية في سر الإيمان، فالصليب في الظاهر والمعقول البشري: جهالة وحماقة، ومن داخل هو السر الإلهي، حكمة الله، وقوة لا تغلب ولا تجارى!
الفصح وسر الشكر
(أي سر التناول من جسد الرب ودمه)
كان يوم الفصح يقام مرة واحدة في السنة، كأنه ذكرى حسب الظاهر، ولكن الله لا تهمه الذكرى، وإنما كان انتظارًا لما نوى الله أن يعمله في نفسه حينما يأتي الوقت ويتم زمان الافتقاد… فلما ذُبح المسيح على الصليب، صار فصحنا حقيقة. والحقيقة الإلهية إذا تمت فهي تظل قائمة كما هي بكل قوتها إلى أبد الآبدين.
كان من ضمن طقوس العشاء اليهودي الذي يُقام في المناسبات الدينية الذي أضيف طقسه إلى طقس ليلة الفصح فيما بعد أن يفتتح رب الأسرة العشاء الطقسي بأن يبارك على الخبز ويقسمه ويعطي كل واحد من أفراد الأسرة لقمة، وكانت تسمى لقمة البركة. ويأخذ كأسًا ممزوجًا فيه خمر وماء ويبارك ويعطيه لكل فرد ليشرب وكان يسمى «كأس البركة»، وكان ذلك يتم خلال أدعية وصلوات متعددة بعضها محفوظ وبعضها حسب الحاجة.
لقد أجرى المسيح طقس العشاء قبل أكل الفصح، ولكنه بعد أن أعطى الخبز والخمر المبارك عليهما كشف المسيح عن التحويل الجوهري الذي أحدثه في الخبز والخمر بقوة إلهية وبسر غير منظور! إذ جعل الخبز يحمل كل سر جسده الإلهي وجعل الخمر يحمل كل سر دمه المزمع أن يسفكه على الصليب عن حياة العالم… لقد صنع المسيح بهذا معجزته الفصحية! وفك رموز الخروف!
هنا وفي هذه اللحظة مزج المسيح بين طقس العشاء الذي يبتدىء بالخبز والخمر، وطقس الفصح الذي يؤكل فيه الخروف الفصحي.
هنا بالذات وضع المسيح نفسه بديلًا لخروف الفصح، فألغاه.
وإذ يتعذر أن يؤكل لحم المسيح أو يشرب دمه، استودع جسده ودمه ليؤكلا سرًا في الخبز والخمر! وبذلك يصبح أكل الخبز وشرب الخمر باسم المسيح والدعاء والبركة هو هو أكل المسيح كخروف الفصح السري!!
كأس البركة التي نباركها أليست هي شركة دم المسيح؟ الخبز الذي نكسره أليس هو شركة جسد المسيح؟(رسالة بولس اﻷولى إلى كورنثوس 10: 16)
لهذا قال لتلاميذه إن كل مرة تأكلون من هذا الخبز وتشربون من هذه الكأس، تبشرون بموتي وتعترفون بقيامتي، أي أن في أكل الخبز وشرب الخمر سر موت الرب وقيامته!! نقبله كقوة ثم ننطقه كشهادة إيمان!!
بأكل الخبز السري وشرب الخمر السري!
هنا يتضح أن حقيقة موت الرب وقيامته لها علاقة جوهرية. هذه العلاقة الجوهرية لها تأثير مباشر على حياتنا وخلاصنا، لا كأفراد فقط، بل كشعب وكنيسة، لأن قيمة الخروف الفصحي المذبوح في مصر لإعفاء الشعب من الموت، لم تقف عند حد طاعة الأمر بالذبح فقط، ولم تقف عند مجرد الإيمان بقوة الله على خلاص الشعب فقط، بل تعدى ذلك إلى ضرورة الأكل، فالأكل هنا جزء جوهري في عملية الخلاص يفوق الإيمان العقلي والقلبي، هو شيء غير الإيمان وأعلى منه، فالله لم يكن يهمه في ذلك الزمان أن يأكل الشعب من الخروف بشروط خاصة ومهابة واحترام وهم وقوف! فكان يكفي مثلًا علامة الدم على الأبواب لتكون هي شهادة الطاعة والإيمان وحسب، ولكن الأكل كان ضرورة حتمية في ترتيب الله لأنه كان يحمل صورة مبهمة وبالرمز سر أكل الجسد وشرب الدم الإلهيين اللذين هما في عرف الله ضرورة حتمية للخلاص وقبول الحياة الإلهية في كياننا البشري!!
إن لم تأكلوا جسد ابن الإنسان وتشربوا دمه فليس لكم حياة فيكم(إنجيل يوحنا 6: 53)
أما قول الرب لتلاميذه: اصنعوا هذا لذكري
، فهو تحديد وقَصْر لمدلول العشاء اليهودي الذي كان يقام لمناسبات متعددة وذكريات مختلفة ومنها فصح مصر وبقية الأعياد، فبهذه الكلمة الواحدة: اصنعوا هذا لذكري
، ألغى المسيح ذكرى كل مناسبات العشاء اليهودي بما فيه عشاء الفصح وبقية الأعياد حتى لا تَعُد تقام إلا لذكر موت الرب وقيامته إلى أن يجيء!!
