أصعب المعارك.. مش اللي مع الناس
كانت نحو الساعة الثانية بعد منتصف الليل
كان يقود سيارته في شارع خالٍ تمامًا..
لا زحام، لا صوت، ونادرًا ما كان يمر بجواره أحدهم..
فقط هو، وطريق ممتد، يسير فيه ببطء شديد.. كأنه لا يريد الوصول.
– عند الباب خطية رابضة، وإليها يكون اشتياقك، وهي تسود عليك.
– ياعم قصدك: وأنت تسود عليها؟! هو أنت متلخبط.
– لا.. أنا مش متلخبط. أنا حافظ النص كويس. بس النص ده كان واحد زمان، كان قلبه محروق من الغيرة والغضب وعدم القبول، ورغم التحذير، وقع. إنما أنت وضعك مختلف.. أنت اللي عاوز، وأنت اللي مخطط، وأنت اللي رايح برجليك.
– إيه “أنت” و”أنا” دي؟ هو احنا اتنين؟! أنت ناسي إني أنا أنت.. أنت ضميري.
– لا .. إحنا بقينا اتنين. كنا واحد، لما كان لينا نفس الطريق ونفس الاختيارات. إنما من ساعة ما بقيت ماشي بفكرك، وبتحاول تخرسني.. خلاص بقينا اتنين.
بس لعلمك أنا مش هسكت.. وهفضل أصرخ جواك لحد ما تفوق.
– عاوز مني إيه؟! وإشمعنى دلوقتي فوقت؟! كنت فين وأنا متداس عليّ؟ كنت فين وأنا حقي مسلوب؟! كنت فين لما كنت بطلب حقي وكل واحد عامل مش واخد باله.. محدش وقف جنبي؟!
– طب زعلت ليه لما قلت لك “وهي تسود عليك”؟!
ما أنت أهو بتدور لنفسك على عذر عشان تروحلها برجليك.
فين بصرخ في وشك ؟! ولا بصرخ ولا هصرخ..
أنا قاعد بتفرج عليك أهو..
وبشرب عصير..
تشرب عصير ؟!
أنت داخل برجليك وبنفسك، ومحدش زقك فلما تقع.. ماتصوصوش، وما تحاولش تبرر.
لأن أعذارك خايبة..
زيك..
– خايبة من وجهة نظرك .. لأنك بارد، وقاعد بتشرب العصير، زي ما بتقول.
مش حاسس بحاجة..
بتتكلم من منطقة الراحة.. مش من منطقة الألم.
فجأة الضمير سكت، الصوت جواه سكت.. سكت تمامًا.
وكان هو قد وصل.
قدام البيت.
بس البيت مكنش بيته.
وقف أمام الباب.
ورفع إيده في مواجهة الجرس
لكنها.. لم تلمس الجرس.
التساهل.. أخطر من السقوط
ظل واقفًا..
يده ما زالت معلّقة في الهواء، قريبة من الجرس.. قريبة بما يكفي لإنهاء كل شيء.
سحبها ببطء.
بصّ حواليه، بص يمين وبعدين شمال، الشارع فاضي زي ما كان، صامت، كأنه متواطئ.
لا شهود.. ولا حتى ضمير.
ابتسم بسخرية خفيفة مخاطبا نفسه:
“حتى أنت، جيت دلوقتي وسكت”.
مفيش رد.
لأول مرة، كان الصمت مريح.. أو يمكن مخيف أكتر من الصوت.
لطالما كان الصمت متعب، ولطالما كان صمت الله أيضًا في أوقات كثيرة مؤلم أكثر من الآلم ذاته..
رجع خطوة لورا.
ثم خطوة كمان.
حط إيده في جيبه، طلع موبايله.. بص في الشاشة، من غير ما يفتح حاجة.
انعكاس وشه كان باين.. مرهق، مشوش.. بس الأهم الوجه الظاهر على شاشة موبايله المغلق كان وجه غريب عنه.
قال بصوت واطي:
“أنا وصلت أهو”
وكأنه بيستنى حد يرد.
بس مفيش حد.
رفع عينه تاني للباب.
المرة دي، إيده ما اترفعِتش بسرعة…
بالعكس، كانت تقيلة جدًا، كأنها مش بتاعته.
قرب تاني.
وقف.
النفس بقى أبطأ.. أعمق..
وكأن في حاجة جوّاه بتحاول تمسكه من آخر خيط.
فجأة..
الصوت رجع.
كان صوته الداخلي المرة دي هادي جدًا وهو بيقول:
– لو خبطت دلوقتي، مش هتعرف ترجع.
غمض عينه.
– المرة دي مش هتعرف تقول “كنت ضعيف”.
إيده بدأت ترتعش..
مش خوف.. إدراك لحقيقة اللي بيتقال جواه.
– دي مش مرة.. دي اختيار.
فتح عينه.
بص للجرس وساعتها..
ابتسم.
بس المرة دي..ما كانتش سخرية.
كانت أقرب لإعتراف.. اعتراف بقبول الهزيمة..
ورفع إيده، وقربها ناحية الجرس..
في لحظة واحدة.. ممكن تختار نفسك أو تبيعها
ظل واقفًا..
يده معلّقة أمام الجرس، كأن الزمن نفسه متجمّد عند هذه النقطة.
نَفَس عميق.. بطيء..
ثم رفع إصبعه..
وخبط.. أيوة زي ما بقولك خبط على الباب خلاص
الصوت كان خافتًا..
لكنه في أذنه دوّى.. كأنه إعلان.
سكت ثانية.. واتنين..
ثم جاء الصوت من الداخل:
“أيوه .. حاضر”.
اتخشّب مكانه.
الصوت رجع جواه:
– امشي.
بلع ريقه.. وعينه ثابتة على الباب.
والصوت من الداخل، أقرب هذه المرة:
“حاضر… ثانية واحدة”.
قلبه بدأ يدق أسرع..
مش شوق.. ولا خوف..
حاجة أعمق.. وأثقل.
– يا ابني.. امشي.. أرجووووووك امشي.
إيده نزلت ببطء.. لكنه لم يتحرك.
عينه على المقبض.. كأنه ينتظر الحكم.
خطوات وقع أقدام تُسمع من الداخل..
وصوت تكات المفتاح..
قرب أكثر من الباب..
– امشي..
المرة دي.. كانت صرخة، مش همس.. مش تحذير…
لكن صرخة.
بس هوا عبر الصرخة مجرد همسة مش مسموعة..
أو يمكن هو الذي لم يعد يريد أن يسمع.
الصوت من الداخل، أقرب من أي وقت:
“حاضر… جاية أهو”.
استدار معطيًا ظهره للباب تجاه الشارع الممتد أمامه فاتحًا ذراعه لقرار النجاة الأخير، ثم استدار مرة ثانية لينظر للباب الذي سوف يفتح عما قليل، لحظات من التردد بين الباب أو العدو تجاه الشارع.
سكون.. بين صوتين..
وباب..
وقرار لم يُحسم بعد.
