Search
Close this search box.
المقال رقم 15 من 20 في سلسلة دفتر تبرعات

انصرف الآباء من الاجتماع الشهري، وكما جاء أبونا يوناثان في سيارة أبونا بطرس عادوا معًا، فلم يكن أبونا يوناثان يحب القيادة في شوارع مصر المزدحمة، وظلا صامتين وكان أبونا بطرس يقود سيارته وأبونا يوناثان جالسًا إلى جواره ساندًا رأسه إلى الخلف على مسند ظهر الكرسي وكان مغمضًا عينيه، إلى أن قطع أبونا بطرس الصمت قائلًا:

– هو قدسك متضايق إنك إتكلمت؟

لم يفتح أبونا يوناثان عينيه وهو يجيب:
– محدش كان هيعترض، حتى اللي مكنش عاجبه الكلام، الكل كان هيسكت، وأنا كمان كنت عاوز أسكت، بس كان لازم أتكلم، المجمع مليان كهنة صغيرين وكهنة جداد، مينفعش يسمعوا الكلام ده ويشوفوا الكهنة الكبار ساكتين، الرسالة كانت هتوصل حاجة من الإثنين، يا إما كلام أبونا إبراهيم هو الطبيعي والصح، وساعتها ده هيكون تصريح وحل للي عاوز يعمل كده، يا إما هيوصل لهم إن صوت الحق أضعف من صوت النفاق، أو إن الحق ضعيف قدام سيف الجلاد.

– أنا شخصيًا يا أبويا، أتبسطت جدًا من كلام قدسك اللي حسيت إن أبونا الأسقف كان لازم هو اللي يقوله.

اعتدل أبونا يوناثان على كرسيه وهو يقول:
– صدقني الموضوع أكبر بكثير من شكل الطرح اللي أتطرح، طول ما مفيش نظام مالي محدد واضح للكرازة ككل، طول ما هيفضل الموضوع فيه عك.

– طب ما سيدنا البطريرك أول ما بقى بطريرك عمل كذا مؤتمر وكذا اجتماع و نزل لائحة ل، ولائحة للرهبنة، ولائحة لمجالس الكنايس والإيبارشيات، ولائحة للتعليم، ولائحة لشئون الرهبنة، ولائحة ..

قاطعه أبونا يوناثان وهو يقول:
و كله اتركن على الرف، ومتعملش بيه حاجة.

– طب ليه يا أبي؟ مع إن فعلا كان الكلام كويس جدًا وكان هيفرق أوي في الإدارة الكنسية.

– عشان كان فيه ثغرة في كل اللوائح اللي قدسك قلتها ديه، كان مكتوب في كل لائحة، إنها لائحة استرشادية وغير ملزمة، وكل أسقف يشوف اللي يناسب إيبارشيته.

– طب وليه سيدنا البطريرك عمل كده ؟!

– عشان كل أسقف بطريرك في إيبارشيته، عشان البطريرك لما بقى بابا جديد كان عنده ومازال جبهات كثيرة، فمحبش يفتح على نفسه فتحات جديدة.

– طب ده ضعف وقلة حيلة منه؟ ولا حكمة إنه يأخد الموضوع بهدوء و يسيب عامل الزمن هو اللي يدوّب الصعب؟ بس الزمن مر ومفيش حاجة حصلت!!

– صدقني مش عارف، ساعات كثيرة منظورك للصح والغلط بيختلف لما تبقى صاحب القرار، ساعات بتفضل تكسب سلام الكنيسة عن إصلاحها، وساعات لما تبقى أب ومسئول، تفضل تكسب ولادك عن إنك تكسب معاركك معاهم.

– الموضوع فعلا محير جدًا، وكل ما أحاول أبص من نظارة حد أحس إنه معاه حق، أرجع أبص من نظارتي أقول لأ فلان ده غلطان.

– بالظبط كده، لو بصيت النهاردة من نظارة الأسقف وهو بيسأل عاوزين زيادة كام يا أبهات، وعلى فكرة أنا مش واحد من اللي طلبوا الزيادة وسيدنا عارف ده كويس.

– أه يا أبي، وأنا كمان عارف.

– فبقولك لو بصيت من نظارة سيدنا، هو شايف إن الآباء نفسهم مختلفين، مستواهم الاجتماعي والثقافي، وحتى احتياجات كل واحد، فالمبلغ اللي هيسدد احتياجات واحد ويزيد، ممكن ميكفيش أصلا الاحتياجات الأساسية لواحد ثاني، اللي أولاده في مدارس حكومية احتياجاته مش زي اللي أولاده في مدارس لغات، واللي ساكن في بيت تمليك مش زي اللي ساكن في شقة إيجار، لما يكون واحد بقميص وبنطلون وشغال في شركة سقف مرتباتها رقم معين، واحتياجاته تزيد عن الرقم ده مش بيتردد إنه يسيب الشركة ويدور على شركة ثانية تلبي سقف تطلعاته واحتياجاته.

– بس الكاهن ميقدرش يعمل كده.

– بالظبط، الشعب فاكر إن أبونا طالما قِبِل الكهنوت، يعيش شحات، البعض مش فاهم إن الكاهن وراه بيت وأسرة وأولاد، تعليمهم وتأمين مستقبلهم مسئوليته، طبعًا ساعات الشعب بيكون معاه حق لما حد يغالي في التصرفات المعثرة، وبيحل لنفسه كل شيئ، بس فيه كهنة كتير جدًا قديسين واحتياجاتهم مشروعة وحق أصيل على الكنيسة تلبية احتياجاتهم بس بشرط فعلا تكون مشروعة.

– بيقولوا إنه قبل الخدمة، فيستحمل بقى صليب الخدمة، وكل كاهن بيترسم بيبقى عارف المنظومة المالية اللي داخل فيها.

– غلط، أكبر غلط، لأن فيه خدام كتار مهندسين ودكاترة وقضاة ومحاسبين ومديرين في شركاتهم بيقبضوا من شغلهم رقم، رقم كويس، ومعيشين بيوتهم في مستوى حلو، فتيجي الكنيسة تشوف حد فيهم مناسب للكهنوت، فإما الكنيسة تضمن ليهم مستوى معيشي مناسب، أو يبقى على الكنيسة إنها تختار الفاشلين والعاطلين للكهنوت عشان يقبلوا بأي حاجة، وساعتها الفجوة هتكبر، والتعليم الكنسي هينحدر، والنوع ده لما بيترسم، بيبقى جعان سلطة، وجعان فلوس، وجعان إثبات ذات.

– يبقى نرجع ثاني لنفس النقطة وهى إن الحل في إيجاد منظومة واضحة، يقبلها المجمع، ويوافق عليها اللي بيترشح للكهنوت، ومعروفة ومقبولة للشعب فمحدش يعثر.

– كل إيبارشية بتحاول تجتهد مع نفسها في وضع نظام مناسب ليها ولبيئتها الجغرافية والاجتماعية والثقافية.

– فيه إيبارشيات سايباها سداح مداح، وفيه إيبارشيات بتدي مرتب كويس للكاهن وملوش دعوة بالتبرعات ولا المشاريع، وفيه إيبارشيات بتدي مرتب قليل وبتحل لكل كاهن جزء مشروع من التبرعات أو دخل المشاريع الخدمية، وهنا نرجع للسؤال اللي سأله سيدنا ومسألهوش.

– يعني إيه سأله ومسألهوش؟

– لما قال يكفيكم كام، كأنه بيقول بس بشرط مفيش غير المرتب، يبقى أي عطايا أو تبرعات أو مشاريع أبونا ملوش دعوة بيها، مرتبه وبس.

– طب ماهو لو حط مرتب مناسب للجميع، فين المشكلة؟!

– الأب اللي بيلم (س) تبرعات مش هيبقى عنده مشكلة، لكن اللي بيلم ١٠٠ (س)، هو ده اللي هيبقى عنده مشكلة.

– هو مش فيه حد أقصى؟!

– كل حاجة وليها صرفة، وكل ضمير بيحلل ويحرم حسب ميزانه، ده غير إن سيدنا نفسه مش هيعرف يحكمها، ده غير إنه هو شخصيًا فيه حاجات كثيرة بيعملها بتستفز المجمع، بس هو صاحب القرار و السلطان.

– هو حقيقي بالنسبة لي شخصية غامضة، مش عارف هو طيب ولا شرير، حكيم ولا متهور، أب ولا سيد.

– صدقني يا أبونا، مفيش شخص شرير في المطلق، هو إتتلمذ على أيد أساقفة قديسين زمان، وشايف إنهم نموذج عاوز يكون أيقونة منهم، بس مش واخد باله إن العصر مختلف، وإن الشعب بقى مختلف، وإن هو شخصيًا مختلف عنهم، هو مينفعش يبقى هما، هوّ لازم يحاول يكون هوّ، مش هما.

– طب نرجع تاني للمنظومة، إيه الحل؟

ضحك أبونا يوناثان وهو بيقول:
معلش بقى يا أبونا إحنا وصلنا، فدور لوحدك على الحل، إلا إذا كنت تحب تطلع معايا ونكمل كلام وإحنا بناكل محشي بدنجان.

ضحك كلاهما، واعتذر أبونا بطرس عن الصعود مع أبونا يوناثان، وقاد سيارته عائدًا إلى منزله وهو يكرر نفس الجملة: يا ترى إيه الحل اللي يرضي جميع الأطراف؟ إيه الحل؟!

يتبع ..

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي حسب تقييمات من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

جزء من سلسلة: دفتر تبرعات[الجزء السابق] 🠼 [١٤] أبونا يوناثان[الجزء التالي] 🠼 [١٦] أم كيرلس
[ + مقالات ]