Search
Close this search box.
المقال رقم 17 من 21 في سلسلة دفتر تبرعات

في تجمع عائلي في بيت أبونا بطرس، احتفلت أسرة أبونا بطرس، وأسرة زوجته دكتورة سارة، بعيد ميلاد ابنهم مينا، ذو العشرة أعوام. وبينما كان الجميع يتجاذب الحديث وهم يأكلون قطع التورتة والحلويات، كان يقص عم حنا قديس، والد أبونا بطرس، على الجميع مغامراته مع ابنه عندما كان في عمر حفيده مينا، وكيف أنه ذات يوم أصر أن يساعد كبار السن في العمارة، ويشتري لهم البقالة، ولكنه عاد بطبق البيض مكسّر، واللبن مسكوب نصفه وأكثر، وأكياس الأرز والمكرونة مفتوحة، لأنه تعثر في السير وصدمته دراجة، فوقعت منه الأشياء التي اشتراها، ووقع فوقها.

ضحك الجميع، وضحك أبونا بطرس معهم وهو يتذكر كيف أن أهدافه النبيلة كانت دائمًا تصطدم بحظه العثر، وفجأة، رن موبايله، ليظهر أن المتصل هو الأسقف، فتعجب أبونا بطرس ونظر لسارة قائلًا:
– شكل سيدنا عاوز يعيد على مينا بمناسبة عيد ميلاده، بس هو عرف منين إن النهاردة عيد ميلاده؟

ردت سارة بتلقائية:
ماهو كل بياناتنا عنده، بس أنا مكنتش متخيلة كده أبدًا، لفتة حلوة أوي منه إنه يهتم ويعمل معانا كده.

أخد أبونا بطرس موبايله واتجه نحو الغرفة، حتى يكون المكان اهدأ بعض الشيء،
رد أبونا بطرس وعلامات السرور تعلو وجهه:
– ألو، أيوة يا سيدنا.

– على فكرة يا أبونا مش طريقة ديه أبدًا، قدسك أصلًا لسه مرسوم ومش ممكن كمية المشاكل ديه في الفترة الصغيرة ديه، أنا عاوزك تجيلي حالًا المطرانية، ولما نشوف أخرتها.

تغيرت ملامح أبونا بطرس تمامًا، فما أصعب خيبة التوقعات وخصوصا عندما تتوقع شيئًا ويحدث عكسها تمامًا، وفي تعجب تسأل:
– مشاكل إيه يا سيدنا؟!

– إيه الدوشة اللي عندك ديه يا أبونا، قدسك في الشارع ولا إيه؟

– لأ يا سيدنا، أنا في البيت، وعندي تجمع عائلي بمناسبة عيد ميلاد ابني.

– عيد ميلاد ابنك النهاردة؟!

– أه يا سيدنا، وكنت فاكر قدسك بتتصل تعيد عليه.

– وأنا هعرف منين يا أبونا إن النهاردة عيد ميلاد ابنك، عمومًا كل سنة وهو طيب، وبكرة الصبح تيجي من بدري عندي.

– حاضر يا سيدنا، بس خير؟! ممكن تفهمني عشان أنا مش فاهم حاجة، أنا أصلا معملتش حاجة.

– لما تيجي بكرة يا أبونا نبقى نتكلم.
إديني ابنك.

– أدهولك ازاي يا سيدنا؟'

– يا أبونا ركز، أدهوني على الموبايل أعيد عليه.

– أه، حاضر ثانية واحدة.

ذهب أبونا بطرس حيث يلعب مينا مع من هم في سنه من أفراد عائلتهم وقال له:
خذ يا مينا، سيدنا عاوز يسلم عليك ويقولك كل سنة وأنت طيب، مش عاوز لماضة في الكلام، لما يقولك كل سنة وأنت طيب، قوله ونيافتك طيب وبخير.

أمسك مينا الموبايل وتحرك خطوات للأمام مبتعدًا قليلًا، ولكن أبونا بطرس سار خلفه.
– ألو إزيك يا سيدنا، معاك مينا، واحشني.

– كل سنة وأنت طيب يا مينا.

– وأنت طيب يا سيدنا.

زغده أبونا بطرس وهو بيقوله:
مسمهاش “وأنت”، اسمها “ونيافتك” طيب و بخير.

– ونيافتك طيب وبخير.

– هو باباك بيمليك؟!

– هو مش عاوزني أعك الدنيا عشان معملوش مشكلة.

خبط أبونا بطرس على جبهته وكأن لسانه حاله يقول: إيه اللي أنت بتهببه ده يا مينا، ليستمر الحديث بين الأسقف ومينا، ليتساءل الأسقف:
– وأنت بقى عندك كام سنة يا لمض.

– عندي عشر سنين.

– وباباك جابلك هدية كويسة، ولا ضحك عليك.

– لأ يا سيدنا مجبليش، هو اللي حد ضحك عليه وخد فلوس البلايستيشن اللي كان هيجيبهوللي منه، بس جاب لي تورتة.

أخذ أبونا بطرس الموبايل من يد مينا، ليقطع حديثه مع الأسقف ويغير الموضوع:
– نيافتك بكرة أجي الساعة كام؟

– الصبح يا أبونا، قبل الساعة ٩ صباحًا تكون عندي.

– حاضر يا سيدنا، قبل ٩ هكون عند نيافتك.

انتهت المكالمة، وجاءت إليه سارة في الحجرة، ولاحظت دكتورة سارة ملامح زوجها التي تغيرت فسألته:
– في حاجة؟!

– مفيش.

– سيدنا كان بيعيد على مينا؟ ولا كان في حاجة ثانية؟

– هو عيد على مينا، بس عاوزني بكرة الصبح عنده في المطرانية.

– عاوزك في إيه؟!

– مش عارف.

– مسألتهوش ليه طيب؟!

– سألته وقاللي لما تيجي بكرة.

– متشغلش بالك، تلاقيه عاوز يوزع عليك خدمة ولا يسألك على أي حاجة.

– معتقدش، واضح إن في حاجة كبيرة، ده كان عاوزني دلوقتي بس لما عرف إن النهاردة عيد ميلاد مينا وفي ناس عندنا، قاللي خليها بكرة الصبح، تعالي نطلع نقعد مع الناس وبكرة ربنا يدبره بمعرفته.

خرجا أبونا بطرس وزوجته حيث يجلس باقي أفراد العائلة، ولم تمض سوى ساعة أخرى وبعدها مضى الجميع إلى منازلهم، ورتبت سارة المنزل من بعد أن انصرف الضيوف، وساعدها أبونا بطرس، وبعدما انتهيا دخلا حجرتيهما للنوم استعدادًا للغد الذي يبدو أنه سيكون يومًا شاقًا.

لم يستطع أبونا بطرس النوم، وكان يفكر في جملة الأسقف التي ظلت تتردد كثيرًا في ذهنه مرات و مرات: “قدسك أصلا لسه مرسوم و مش ممكن كمية المشاكل ديه في الفترة الصغيرة ديه”، وظل يتقلب على سريره ولم يستطع النوم حتى أشرفت الشمس، وقام وارتدى ملابسه وأخد سيارته متجهًا نحو المطرانية.

وعندما وصل، قابله أستاذ عماد أحد خدام المطرانية وهو بمثابة سكرتير الأسقف.

– عندي ميعاد مع سيدنا يا أستاذ عماد، ممكن تبلغه إن أنا وصلت.

– أه يا أبونا، هو قايل لنا إن قدسك جاي الصبح بدري، ثواني أبلغه.

ذهب أستاذ عماد و عاد بعد دقائق قليلة لأبونا:
معلش يا أبونا، سيدنا بيقولك انتظره في مكتب الضيوف، وهو شوية ونازلك.

– هو أنا جاي بدري ولا إيه؟ أنا سيدنا بنفسه قايلي أجي قبل ٩.

– أه يا أبونا، وهو مبلغنا إحنَا كمان بس مش عارف، أتفضل قدسك انتظر في المكتب وأنا هعمل لقدسك حاجة تشربها.

مضت الدقائق، دقيقة تلو الأخرى، وساعة تلو الأخرى، وأبونا بطرس ينتظر في المكتب تحت، والأسقف لم ينزل من فوق، وتخطت الساعة الثانية عشر ظهرًا، وكلما ذهب أبونا يسأل أستاذ عماد هو سيدنا هينزل امتى، يذهب بدوره ليسأل الأسقف ويعود ليجيب أبونا: قرب ينزل، وكلما حاول أبونا الاتصال بالأسقف، يجد أن الأسقف يقوم بإلغاء المكالمة، واستمر الوضع هكذًا حتى تخطت الساعة الثانية عصرًا، وتضايق جدًا أبونا بطرس، ومل من الجلوس وشرب الشاي كوبا تلو الأخر، وقرر أن يمضي.

– معلش يا أستاذ عماد، هو شكلٍ سيدنا مش فاضي النهاردة، هبقى أعدي عليه أي وقت تاني.

ليسمع صوت الأسقف عبر الإنتركم:
– متمشيش يا أبونا، انتظرني في المكتب.

– […] استمر الوضع هكذا من التاسعة صباحًا وحتى الخامسة عصرًا، وحين هم أبونا بطرس بالانصراف وهو متضايق جدًا ويشعر بالمهانة وضياع الوقت منذ الصباح، وجد الأسقف أمامه.

يتبع ..

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي حسب تقييمات من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

جزء من سلسلة: دفتر تبرعات[الجزء السابق] 🠼 [١٦] أم كيرلس[الجزء التالي] 🠼 [١٨] دفتر تبرّعات
[ + مقالات ]