Search
Close this search box.
المقال رقم 18 من 20 في سلسلة دفتر تبرعات

مضت الدقائق، دقيقة تلو الأخرى، وساعة تلو الأخرى، وأبونا بطرس ينتظر في الكتب تحت، والأسف لم ينزل من فوق، وتخطت الساعة الثانية عشر ظهرًا، وكلما ذهب أبونا يسأل أستاذ عماد: هو سيدنا هينزل إمتى؟ يذهب بدوره ليسأل الأسقف ويعود ليجيب أبونا: قرب ينزل، وكلما حاول أبونا الاتصال بالأسقف، يجد أن الأسقف يقوم بإلغاء المكالمة، واستمر الوضع هكذًا حتى تخطت الساعة الثانية عصرًا، وتضايق جدًا أبونا بطرس وملّ من الجلوس وشرب الشاي كوبا تلو الأخر، وقرر أن يمضي.

– معلش يا أستاذ عماد، هو شكلٍ سيدنا مش فاضي النهاردة، هبقى اعدي عليه أي وقت ثاني.

ليسمع صوت الأسقف عبر الإنتركم:
– متمشيش يا أبونا، انتظرني في الكتب.

واستمر الوضع هكذا من التاسعة صباحًا وحتى الخامسة عصرًا، وحين هم أبونا بطرس بالانصراف وهو متضايق جدًا ويشعر بالمهانة وضياع الوقت منذ الصباح، وجد الأسقف أمامه:
– رايح فين يا أبونا؟!!

– ماشي يا سيدنا.

– هو مش أنا بعت عماد لقدسك وقلت لك استنى شوية؟!!

– هو مش نيافتك قولت لي عاوزني الصبح؟! أنا هنا من قبل الساعة ٩ ودلوقتي الساعة ٥ وقاعد متذنّب ولا التلميذ الخيبان اللي متذنّب عشان معملش الواجب، وأنا أصلا مش فاهم فيه إيه، ولا فاهم نيافتك عاوزني في إيه.

– طب تعال اطلع معايا المكتب عاوزك.

– حاللني يا سيدنا، أنا متضايق جدًا وعاوز أمشي.

– هتمشي يا أبونا، بس بعد ما تطلع معايا الأول، أنا مستنيك فوق.

وأعطى الأسقف ظهره لأبونا بطرس و تحرك صاعدًا إلى مكتبه و ترك أبونا بطرس مترددًا، هل يصر على موقفه و يغادر، أو يصعد ليفهم لماذا دعاه الأسقف.

في نهاية الأمر، قرر الصعود، وفي دقائق معدودة كان أمام مكتب الأسقف يطرق بابه، فسمع عبر جهاز الإنتركم المعلق على الباب الخارجي:
– أدخل يا أبونا.

وبمجرد أن دخل، نظر له الأسقف نظرة ساخرة وهو يقول:
– كل ده يا أبونا بتاخد قرار إنك تطلع ولا لأ، أقعد يا أبونا أقعد.

تزايد ضيق أبونا بطرس، وكان يبذل قُصَارَى جهده حتى لا يظهر على وجهه علامات الضيق.

بادره الأسقف بسؤال غريب:
– قوللي يا أبونا، هو قدسك من ساعة ما أترسمت مش بتخدم ليه؟!!

– يعني إيه مش بخدم؟!

– يعني مش بتنزل للناس، تزورهم، تفتقدهم، تسأل عليهم؟

– مين قال لنيافتك إني مش بعمل كده؟ أنا أصلا مش بفوت يوم غير لما أزور أسرة واتنين وتلاتة، وعلى قد ما ربنا بيديني طاقة وبركة في الوقت بحاول أفتقد الناس، غير المناولات اللي بخرج بعد قداسات الجمعة والأحد أناول فيها الناس المرضى، اللي غالبًا الناس كلها اللي عاوزة تتناول بيكونوا ساكنين في الدور السادس و السابع.

قاطعه الأسقف قائلًا:
– معاك دفترك؟

– دفتر إيه؟!

– دفتر التبرعات الخاص بيك، هو انت معاك دفاتر غيره؟!

– أه معايا، بس ليه؟

– وريهوني.

أخرج أبونا بطرس دفتر التبرعات من جيبه، وأعطاه للأسقف، الذي أمسكه وقلّب في ورقاته ونظر نظرة غضب في عيني أبونا بطرس وهو يقول:
– إيه ده ؟!!

– ده دفتر التبرعات يا سيدنا.

– أنا عارف إنه دفتر التبرعات، هو ازاي فاضي كده، مفيهوش غير كعب إيصال واحد و بـ 50 جنيه بس.

– واحدة غلبانة صممت تتبرع ومعرفتش أتملص منها.

وقف الأسقف من مجلسه وراء مكتبه، وعلامات الغضب كلها ارتسمت على وجهه وهو يقول:
_ معرفتش إيه!! تتملص!! إيه تتملص ديه؟!! وتتملص ليه أصلًا؟!! أصلا الدفتر ده أكبر دليل على إن قدسك قاعد في بيتكم ومش بتنزل افتقاد ولا بتزور الناس!

وقف أبونا بطرس بدوره وعلامات الحزم هو الآخر ارتسمت على وجهه:
– وإيه علاقة الدفتر يا سيدنا بالافتقاد، و بعدين أنا مش هكذب يعني، طالمَا قلت بنزل افتقاد، يبقى بنزل افتقاد، لو مش بنزل هقول برضه.

– قدسك لو بتنزل افتقاد، كان دفترك ده خلص وأخذت واحد تاني وتالت ورابع، الناس لما أبونا بيخش عندهم البيت، خصوصًا لما يكون جديد بيفرحوا بيه وبيحبوا يجاملوه، وبيدفعوا عشور وعطايا كتيرة، لكن قدسك دفترك فاضي، قصدي فيه الخمسين جنيه اللي معرفتش تتملص منها!!

تجاهل أبونا بطرس لهجة السخرية وهو يقول:
– حقيقي الناس محبتها كبيرة للكنيسة، وفي أسر كثيرة معطاءة، بس أنا كنت برفض أخذ حاجة في إيدي، وكنت بقولهم يروحوا الكنيسة و يحطوا في صناديق العطا، كان في ناس بتلح بكل محبة وإصرار، لكن أنا اللي كنت برفض.

– وبترفض ليه يا أبونا؟!

– عشان بعد ما أنزل، الناس متقولش لبعضها إن أبونا جه يزورهم عشان يأخد زيارته، أنا اللي أبوهم، والأب هو اللي يدي أولاده مش ياخد منهم.

– إيه الكلام الفارغ ده، وهما هيدوا قدسك، دول بيدوها للكنيسة من خلالك.

– يبقى ساعتها يروحوا الكنيسة ويحطوا في صناديق العطا، أنا كاهن، مش مندوب تحصيل ولا موظف ديليڤري أسرار، أنا مش دفتر تبرعات يا سيدنا!

– أمال أشمعني أخذت الـ 50 جنيه اللي قدسك كاتبهم في الإيصال اليتيم اللي طلعته من دفترك ده؟

– كانت ست غلبانه لسه واخدة البركة الشهرية بتاعة بيتها من الكنيسة، وصممت تدفع عشورها، ولما قلت لها تخليهم معاها، رفضت وبكت وافتكرت إني مستقلّهم وإننا مش بناخد غير تبرعات كبيرة، وأنا من أجل محبتها وعدم عثرتها خدتهم منها وأديتها الإيصال.

– صدقني يا أبونا قدسك بالكلام ده بتعثرني أنا شخصيًا، تفكيرك وتصرفاتك كلها غلط، فاكر نفسك اللي صح وبأفعالك ديه هيّ اللي هتجيب العثرة لأخواتك الكهنة وللكنيسة، الكنيسة من أيام الرسل كانت قائمة على عطايا الناس.

– بس الناس اللي كانت بتروح تبيع أملاكها وتروح لحد التلاميذ وتحط عطاياهم عند أقدامهم، مش العكس، أنا كنت بقول للناس يعملوا كده، اللي معاه عطايا وربنا ألهب روحه بالمحبة يروح الكنيسة ويحط في صناديقها، إيه اللي يخليني أتحط في فكر واحد من الشعب و هو بيقول أنا أديت أبونا تبرع قد كده، هو هياخد منهم قد كده، والمطرانية هتاخد قد كده واللي هيتفضل قد كده.

– مش بقولك إنك أنت اللي عندك مشكلة، وحاسس بالأفضلية وإن اللي بتعمله هوّ الصّح و الباقيين كلهم أشرار.

– مقولتش كده!

– مش لازم تقول كده، لكن أفعالك ديه هتحطك في وضع مقارنة بينك وبين باقي الآباء، والناس تفتكر إن اللي بتعمله صح، مع إن قدسك أنت اللي غلط، من ضمن مهام الأب الكاهن تدبير احتياجات كنيسته وشعب كنيسته وفقراء كنيسته، ولما تضيّع فرصة على أسرة فقيرة إنهم يلاقوا غطا من برد الشتاء أو لقمة طرية يتعشوا بيها عشان مثالية كاذبة يبقى قدسك غلطان، ثم تعال هنا، الشعب بيشتكي من قدسك، عظاتك طويلة وصعبة ومملة.

– مين اللي اشتكى؟!

– مش مهم مين، ناس كثيرة وخلاص.

– مفيش حد زعلان من عظاتي غير أبونا أنجيلوس.

– طلع أبونا أنجيلوس من دماغك.

– صدقني يا سيدنا يا ريت هو اللي يطلعني من دماغه، عمومًا أنا معنديش نص مواهبه، كاهن صوته حلو وحافظ ألحان ويعيّط في القداس وعنده مواهب كتيير، أنا غلبان مبعرفش غير إني أقرأ وأحضّر وأوعظ، ولو نيافتك شايف إن عظاتي مملة وصعبة وملهاش قيمة، ممكن استأذن نيافتك اشترك في كورسات متخصصة، ده حتى نفسي أعمل كده، أو اشترك في أي مركز أو معهد من المعاهد و المراكز الدينية المتخصصة.

– مفيش الكلام ده، أصلا أنت هتتعلم إيه ولا هتقول إيه ولا إيه، المكان أصلا اللي فيه تعليم، كله كلام فاضي، عاوز تتعلم عندك الكتب، أو استنى اللقاء الشهري هبقى أدي فيه محاضرة لاهوتية مهمة، بس المهم تعرف تفهمها، إنما كلية أو معهد ديني أو مركز من المراكز المتخصصة، يعني أيام تضيع و سط المحاضرات والامتحانات، والافتقاد يقل ودفتر تبرعاتك يفضل فاضي!

– يا سيدنا أنا مش دفتر تبرعات، أنا إنسان!

تجاهل الأسقف تعليق أبونا بطرس الذي قاله بصوت منخفض هامسًا وتظاهر أنه لم يسمع ما قاله أبونا بطرس ونظر لأبونا قائلًا:
– وإيه بقى إن شاء الله موضوع أم كيرلس ده؟!! هو قدسك بتكسر تعليماتي وبتتصرف من دماغك وعاوز تعمل نظام لوحدك لإخوة الرب في الإيبارشية، ولا كأن فيه كبير نسمع كلامه؟!

تفاجأ أبونا بطرس من معرفة الأسقف لموضوع أم كيرلس، ولم يكن يتوقع إطلاقًا معرفة الأسقف لهذا الموضوع وتلعثم في الكلام وكان ما يشغله كيف عرف الأسقف هذا الأمر..

يتبع..

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي حسب تقييمات من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

جزء من سلسلة: دفتر تبرعات[الجزء السابق] 🠼 [١٧] تجمّع عائلي[الجزء التالي] 🠼 [١٩] تعليمات الأسقف
[ + مقالات ]