Search
Close this search box.
المقال رقم 20 من 23 في سلسلة دفتر تبرعات

مر أسبوعان منذ أن أصدر الأسقف فرمانه بحرمان أبونا بطرس من الصلاة في كنيسته، وذهابه يوميًا إلى المطرانية من الصباح الباكر حتى منتصف الليل، وبطاعة غير متوقعة، تعجب لها كل من عرف القصة وسبب العقوبة، ولكن على الرغم من ذلك أطاع أبونا بطرس وتجاهل تمامًا وجود الأسقف في المطرانية وكان يذهب كل صباح إلى المطرانية ويرفع بَخُور باكر ويصلي شريكًا مع الكاهن الذي يصلي القداس، وبعد القداس يصعد إلى مكتبة المطرانية يقرأ ويدرس طوال اليوم ويرتب الكتب والمراجع ويفهرسها حتى يحين وقت العشية فيهرول ناحية الكنيسة ليشارك الأب المسؤول في الصلاة.

في كل خطواته كان يتابعه الأسقف إما عن طريق الكاميرات التي أغرق بها المطرانية، أو الكاميرات البشرية الذين يتبرعون من أنفسهم في نقل الأخبار وكلما حاول أن يتوسط أحد الآباء ليلين قلب الأسقف عنفه الأسقف بغلظة وأسمعه ما لذ وطاب، أما أبونا بطرس فكان كلما تقابل معه أحد يجد السلام والابتسامة على وجهه وكأنه في نزهة لطيفة، وسرعان ما انتشر الخبر بين الشعب وعُرفت القصة كلها، فليس خفي إلا ويعلن، وثارت ثورة الشباب، وغضبوا، وجمعوا بعضهم البعض وذهبوا إلى المطرانية لمقابلة الأسقف، لكنه رفض أن يقابلهم وقال بالحرف الواحد:

– دول شوية عيال أهاليهم معرفتش تربيهم.

ومضى الشباب، وجمع بعض الخدام أنفسهم وذهبوا مع بعض الأراخنة يوم الجمعة بعد الخدمة ليتكلموا مع الأسقف الذي في تعال شديد تجاهلهم وتركهم في المطرانية أكثر من ست ساعات ولم ينزل إليهم أو يرسل لهم أحدًا ينوب عنه أمامهم، واكتفى بأن أرسل أحد العمال برسالة شفهية مؤداها:

– سيدنا بيقول لكم امشوا، بدل ما يطلب لكم الأمن.

الأمر الذي أثار الشباب والخدام والأراخنة، وقرروا يكتبوا شكوى ضد الأسقف ومواقفه و أسلوبه الفظ المتعنت ويرسلونها إلى البطريرك نفسه، وبالفعل كتبوا عريضة كبيرة وقع عليه أكثر من مائتي شخص، وذهبوا بها إلى دار البطريركية وسلموها إلى سكرتير البطريرك، الذي وعد بتسليمها إلى البطريرك وسرعة حل الموضوع.

بعد مضي أيام قليلة ذهب أبونا يوناثان إلى المطرانية، ووافق الأسقف على مقابلته..

– أزيك يا أبونا يوناثان، خير طلبت تقابلني ليه؟

– خير يا سيدنا، حاللني موضوع أبونا بطرس عمال يكبر، والموضوع كان بسيط ويعدي، وأبونا بطرس برضه معملش جريمة عشان نعاقبه طول الفترة ديه ما يدخلش كنيسته ويصلي وسط شعبه وأولاده.

– ماهو يا أبونا الموضوع عمال يكبر، عشان كنيستك مافيهاش كبير، وبنقعد نلف وندور وسط الشعب ونحكيلهم القصص وسيدنا عمل وسيدنا سوا، مين يا أبونا اللي عرف الشعب تفاصيل الحكاية؟ مش قدسك؟!!

– لأ يا سيدنا مش أنا، اللي جري يحكي لنيافتك ويشتكي أبونا بطرس ليك وينقلك القصة، هو نفسه اللي حكى للحاشية بتاعته عشان يحس إن كرامته رجعتله، مع إن أصلًا محدش داس له على طرف، وكل واحد من الحاشية حكى لأصحابه ومعارفه، عارف أنت بقى يا سيدنا الشعب وحب السبق الصحفي واقتناء المعلومة اللي بقى مرض متفشي وسط الناس، بس زي ما المثل بيقول “انقلب السحر على الساحر” والناس شافت إن اللي أبونا بطرس عمله هو الصح.

– وقدسك بقى يا أبونا يا كبير، شايف كده؟! شايف إن تكسير كلامي وعصيان أوامري هو الصح؟!!

– حاللني يا سيدنا، أنا لو كنت موجود في المكتب وقت قصة أم كيرلس، ما كونتش عملت زي أبونا بطرس وانزل استخبى واستناها لما تنزل وأديها البركة في الدرا كأني بسرق..

– طب و معلمتوش ليه يا أبونا يا كبير!

تجاهل أبونا يوناثان مقاطعة الأسقف وأكمل بصوت واثق رزين:
– كنت هديها البركة قدام أبونا أنجيلوس شخصيًا، عشان إحنا مش مصلحة حكومية بنعبد الروتين، إذا كان واضع ناموس السبت كان بيكسر السبت من أجل الإنسان، أجي أنا بقى أدوس على الإنسان وكسرته وسط احتياجه عشان أبان إني تلميذ نجيب بيسمع كلام الأستاذ بتاعه، بدون مخ!! بدون فهم!! بدون روح!!

– أنت قدسك من زمان مش بتحب أبونا أنجيلوس.

– أزاي نيافتك تقول كده ونيافتك عارف كويس إني بحبك.

– وإيه العلاقة؟!!

– ماهو أصل أبونا أنجيلوس نسخة مصغرة من نيافتك، أو نسخة طبق الأصل، وعلشان نيافتك شايف ده فأنت بتحبه وشايف إنه على طول صح ومش بيغلط، وده لأنك مش شايفه، لكن شايف نفسك.

عقد الأسقف حاجبيه بغضب، وقام من مجلسه وضرب المكتب الذي أمامه براحة يده، ولكن أبونا يوناثان مسك ايده وجذبه بهدوء ليجلس واكمل كلامه بهدوء:
– يا سيدنا شعب النهاردة وشباب النهاردة، مختلفين عن زمان، طريقة زمان ما تنفعش، حتى هيبة الكهنوت مبقتش زي زمان، مش بالشخط والأوامر، مش بالزعيق والعقوبات، متصدقش اللي بيصقفولك كل ثانية، دول أول ناس هياخدوا من نيافتك ويبيعوك.. صدقني

قام الأسقف من مجلسه، وتتبعه أبونا يوناثان بعينيه، واتجه الأسقف نحو لوكر من الأدراج، وفتح أول درج، وأخرج مظروف أبيض كبير، وألقاه أمام أبونا يوناثان، لم يفهم أبونا يوناثان قصة المظروف، ولكنه قرأ مكتوب عليه من الخارج، يُحول إلى نيافة الأسقف الأنبا فلان لدراسة ما به من شكاوى مع إمضاء وختم الأب البطريرك.

فقام أبونا يوناثان من مجلسه هو الآخر متسائلا:
– إيه ده ؟!!

– ديه الشكوى اللي اشتكوني بيها أولادك للبطريرك، خدوا منها نسخة هناك، وبعتوهالي، وأهو منها يكونوا جمعوا ورق عليَّ، غير الورق اللي أصلا عندهم، وفي نفس الوقت يوصلولي رسالة حل مشاكلك بنفسك، أدي البطريركية سلمتني اسم 200 واحد شاكيني، مجبتهمش أهو وولعت فيهم، ولا البطريركية عملت لهم حاجة، الناس لسه مش فاهمة القصة بتمشي ازاي.. مش مهم بكرة يفهموا، ثم ابتسم الأسقف وهو يستطرد كلامه: أو ما يفهموش..

امسك الأسقف موبايله وطلب رقما وسرعان ما جاوبه الشخص الآخر الذي اتضح أنه أبونا أنجيلوس.
– أيوة يا أبونا أنجيلوس، عاوزك حالا عندي تعدي تجيب أبونا إيلاريون وتجولي في أقل من ساعة.

ثم أغلق الخط، ورن جرس المكتب ليدخل أحد الخدام المساعدين له..
– بص يا عماد دور لي على أبونا بطرس وهاتهولي من تحت طقاطيق الأرض، يا هتلاقيه في المكتبة يا في الكنيسة يا في الروف بتاع المطرانية، تغطس وتقب وتجيبهولي لأنه قافل الموبايل.

لم تمض الساعة وكان الجميع مجتمعين في حضرة الأسقف، أبونا يوناثان وأبونا أنجيلوس، وأبونا إيلاريون وأبونا بطرس.

– أنا جمعتكم النهاردة علشان أقولكم كذا خبر مهم، الأول أبونا بطرس هيرجع معاكم ويصلي وسطيكم في كنيسته وأكيد مش هيعمل حاجة غير لما يرجع لي، الخبر الثاني بكرة الصبح هنرقي أبونا أنجيلوس ونديله القمصية لأن أبونا يوناثان كان بيقول لي على حكمته وقدراته الإدارية شعر، الخبر الثالث إن إدارة كنيستكم هتبقى تحت إشراف أبونا أنجيلوس وده بطلب من أبونا يوناثان نفسه، يعني كده أبونا أنجيلوس بقى هو المسؤول عن الكنيسة قدامي، وتحت إشرافي..

يتبع ..

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي حسب تقييمات من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

جزء من سلسلة: دفتر تبرعات[الجزء السابق] 🠼 [١٩] تعليمات الأسقف[الجزء التالي] 🠼 [٢١] قرارات غريبة