Search
Close this search box.
المقال رقم 2 من 12 في سلسلة تكوين التوراة
في مُحاولة قراءة المصادر التاريخية التي وصلتنا منذ أكثر من ألفيّ عام، لابد أن نضع في الاعتبار أنها لم تكن تكتب تاريخًا بحتًا. كانت عناصر السياسة واللاهوت لا تنفصل عن عملية التأريخ، وما نقوم به حاليًا من فصل بين ما هو تاريخ وما هو سياسة وما هو لاهوت، لم يكن موجودًا في العصور التي كُتب فيها العهد القديم. في الكتاب الذي تقرأ فيه التأريخ، أنت تقرأ في نفس الوقت أسطورة، وفي الوقت الذي تقرأ فيه اللاهوت، أنت تقرأ في نفس الوقت سياسة.

بحسب النظرة العبرانية، بدأ بعد موت ال و عصرًا جديدًا يسمى بعصر القُضاة، والكتاب الذي يتكلم عن هذا العصر في العهد القديم هو كتاب بنفس الاسم: “سفر القُضاة”، لكنه يأتي من زمن متأخر عن الفترة التي يسجلها.

آخر القُضاة كان نبيًا اسمه صموئيل، قصته مذكورة في العهد القديم في كتاب يحمل اسمه: سفر صموئيل [يتم تقسيمه حاليًا لسفرين: صموئيل أوّل، وصموئيل ثاني]، ويحدث في هذه الفترة أن يطلب الشعب أن يكون لهم ملكًا كبقية الأُمم بدلًا من القُضاة، فيتم مسح أول ملك لإسرائيل وهو ال. [“” في القصص القرآني]

الكتب التي تصف الأحداث التي يبدأ فيها نشأة الحُكم الملكي هي أسفار صموئيل، والملوك، وأخبار الأيام [كل سفر منهم تم تقسميه فيما بعد لسفرين، أوّل، وثاني].

يُعتقد أن كاتب سفري صموئيل والملوك هو كاتب واحد (سنعود لمسألة الكاتب فيما بعد)، ولكن سفر الأخبار يُعتقد أنه كُتب في فترة مُتأخرة عن الأحداث التي يصفها، تقريبًا في القرن الرابع قبل الميلاد.

يقسم الباحثين سفر الملوك إلى طبقتين، الطبقة الأولى تنتهي عند ال، والطبقة الثانية تم إضافتها على السفر فيما بعد والتي تحتوي على نهاية سفر الملوك الثاني. الأجزاء الأخيرة التي في الطبقة الثانية تصف الأحداث بعد انتهاء حكم الملك يوشيا بحوالي 30 سنة أو اقل، وليس من الضروري افتراض أن الطبقة الثانية تم كتابتها من كاتب مُختلف عن كاتب الطبقة الأولى، لكن المهم أن الكتاب فيه طبقتين، الطبقة الأولى تنتهي عند حُكم الملك يوشيا، في أواخر القرن السابع قبل الميلاد.

هذا يعني أن الكاتب عاش في فترة مُتأخرة عن زمن ال والملك شاول، بل وكلًا من داود وسليمان أيضًا، لكنها المصادر الوحيدة بين أيدينا التي تتكلم عن هذه الفترة، إذ ﻻ توجد أدلة ة من خارج الكتاب المقدس تأتي من أزمنة مُبكرة عن هذه الفترة وتتكلم عن نفس الأحداث المذكورة فيه، وعلى هذا، علينا أن نتعامل مع هذه الكتب بجدية وحذر ونحن نقراها ونحاول منها معرفة بداية نشأة الحُكم الملكي عند الشعب العبراني.

توزيع الأسباط
تقسيم أرض بين الأسباط

نلاحظ أن أرض سبط يهوذا في الجنوب هي أكبرهم، ومساحتها تكاد تكون مساوية لمساحة أراضي بقية أسباط بني إسرائيل في الشمال مُجتمعة، ونلاحظ أيضًا أن سبط لاوي ليس له أرض خاصة لأنهم يعيشون بين بقية الأسباط للخدمة الدينية (خدمة الكهنوت).

 

السردية التاريخية والسياسية
مصدرنا الوحيد لهذه السردية  هو الكتاب المقدس، لذا ﻻ يستطيع المؤرخون اعتمادها كأحداثٍ مؤكدة لعدم وجود مصادر خارجية تدعمها. لكننا سنسردها لتوضيح أمور في مقالات تالية بهذه السلسلة تتعلق برؤية المجتمع الذي أنتج تقليدين من التوراة، هما التقليد اليهوي J، والتقليد الإيلوهي E.

كان شاول هو أول ملوك إسرائيل، وكان من سبط بنيامين، ومسحه النبي صموئيل ملكًا على إسرائيل. وبالرغم من أن عصر القُضاة كان قد انتهى، إلا أن دور رجال الدين [الكهنة والأنبياء] كان مستمرًا.

قوّة المملكة كانت تُستمد من دعم رؤساء الأسباط ورؤساء الكهنة والأنبياء. الملك يحتاج دعم رؤساء الأسباط لأن الجيش كان يتكوّن من كتائب الأسباط، ومن دون دعم رؤساء الأسباط لن يكون هناك جيشًا. وكان الملك يحتاج دعم الكهنة والأنبياء لأن الدين وقتئذ ﻻ ينفصل عن الحياة العامة كأداة حكم وتنظيم لمصالح الشعب ونزاعاتهم، مما كان السبب في تنصيب ال من بعد الملك شاول.

اختلف شاول مع صموئيل النبي والكاهن الذي مسحه ملكًا، وكانت النهاية أن صموئيل مسح ملك آخر، هذه المرة من سبط يهوذا، وهو الملك داود.

كان داود أحد أعضاء حاشية الملك شاول وكان زوجًا لابنته . رأى شاول أن داود يهدد مُلكه، وحاول أن يقتل كل الكهنة المؤيدين لداود. كان الكهنة الذين حصل داود على تأييدهم هم كهنة شيلوه [مدينة تقع في أرض إفرايم، ستجدها على الخريطة بالأعلى]، واستطاع الملك شاول قتل كل كهنة شيلوه ما عدا الكاهن، والذي كان قد هرب لأرض يهوذا واستطاع الوصول لداود.

ظل شاول ملكًا إلى أن مات في معركة ضد الفلسطينيين (صموئيل الأول 31)، وبعده انقسمت المملكة بين داود الذي كان يحكم نصف المملكة الجنوبي []، وبين [إشبعل] ابن شاول والذي حكم نصف المملكة الشمالي [مملكة إسرائيل]، فيما بعد، تم اغتيال إشبعل وهو نائم (صموئيل الثاني 4)، وتم تنصيب داود ملكًا على كل شعب إسرائيل في مملكة واحدة عاصمتها أورشليم. [مملكة إسرائيل الكبرى، والمُختلف تاريخيًا على وجودها]

نكرر للتوكيد مرة أخرى: السردية التاريخية والسياسية التي سردناها اﻵن، ليست مدوّنة سوى في مصادر مُتأخرة عن زمن الأحداث نفسها بحوالي ثلاث إلى أربع قرون، ومُستقاة من مصدر واحد، عبراني، وعلى هذا فنحن أمام وجهة نظر الشعب العبراني في تاريخه، أو ربما في لاهوته أو آماله أو تطلُعاته، بأكثر مما نحن أمام وقائع محققة تاريخيًا، أو ماضٍ مُوثّق بالشكل ال للتوثيق التاريخي.

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي حسب تقييمات من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

جزء من سلسلة: تكوين التوراة[الجزء السابق] 🠼 [١] القراءة التقليدية: تفكيك وبناء[الجزء التالي] 🠼 [٣] مملكة داود وهيكل سليمان
[ + مقالات ]