Search
Close this search box.
المقال رقم 3 من 12 في سلسلة تكوين التوراة

عندما أصبح داود ملكًا على كل الشعب العبراني، قام ببضعة أمور كي يصير مُلكه مستقرًا ومرغوبًا فيه من الجانبين الشمالي والجنوبي.

أوّل الأمور أنه نقل العاصمة من حبرون [عاصمة ] إلى أورشليم (صموئيل ثاني 5)، وأورشليم وقتها لم تكن تابعة لأيّ من أسباط بني إسرائيل بل استولى عليها ال وجعلها العاصمة الجديدة، وعلى هذا، ولكونها غير تابعة لأي من الأسباط فهو بذلك لم يهن / يرفع من شأن سبط على حساب سبط آخر.

أورشليم أصبحت العاصمة السياسية، ولجعلها العاصمة الدينية لمملكة داود، نُقل إليها ، الذي يحتوي لوحيّ الشريعة، واللذان يُعتقد أن زمنيهما يرجع لعصر ال نفسه. ولكون أورشليم عاصمة دينية جديدة، فهذا يعني الاحتياج لرؤساء كهنة جدد. وهذا يقودنا للأمر التالي.

اختار الملك داود كاهنًا من الشمال وكاهن آخر من الجنوب كي يكونا رؤساء كهنة في أورشليم، ونفس الأمر يمكن أن يقال عن توازنات داود بين الجانبين وعدم الأفضلية بينهما. كاهن الشمال كان كاهن شيلوه، والذي استطاع الهرب منفردًا من مذبحة ال للكهنة المؤيدين لداود، أما كاهن الجنوب فهو “صادوق” الذي أتى من مدينة حبرون، والتي كان يُعتقد أن كهنتها من نسل . وبذلك يكون التوافق الذي أحدثه داود في اختيار الكاهنين ليس فقط مسألة توازنات، إنما أيضا تقديم نوعٍ من الاحترام والمكانة لعائلتين متأصلتين من سبط ﻻوي، هما: عائلة موسى، وعائلة هارون.

كان الملك داود مزواجًا من بنات الأمم (صموئيل ثاني 3، صموئيل ثاني 5)، مما أدى لتحسين علاقاته بالأمم والشعوب الأخرى التي صاهرها، كما أنّ جيش الملك داود لم يعد معتمدًا بالكليّة على كتائب الأسباط، لكنه ضم كتائب أممية نتيجة زيجاته من هذه الأمم (صموئيل ثاني 23)، وعلى هذه الأوضاع، أصبح لداود جيشًا مستقلًا يدين له بالوﻻء من غير اعتماد على كتائب الأسباط، ومع الوقت، ومع نجاح حكم داود، استطاع بهذا الجيش أن  يغزو ويضم لمملكته أراضٍ جديدة مثل آدوم وموآب، وأصبحت الكبرى، في عصر الملك داود، تمتد من نهر العريش في مصر [ليس نهر النيل]، إلى نهر الفرات.

كنتيجة لتعدد زوجات داود، كان له أبناء وبنات كثيرة، وأغلبهم غير أشقاء بحكم كونهم من نفس الأب مع اختلاف الأمهات. أكبر أبناء داود كان يدعى “”، والذي كان يفترض أن يكون وريث أباه الشرعي في حكم المملكة. لكن ما حدث أن أمنون اغتصب أخته غير الشقيقة “”، وكنتيجة لذلك، انتقم لها أخوها الشقيق، ، بقتل أمنون (صموئيل ثاني 13).

فيما بعد، يتمرد أبشالوم على حكم أبيه داود، ويستعين بتأييد الأسباط التي قلَّ الاعتماد عليها، ويُكوّن جيشًا ويخرج لمقاتلة أبيه وجيشه الأممي في ساحة الحرب، وفي النهاية ينتصر جيش داود ويُقتل أبشالوم.

في نهاية حكم داود عندما صار كهلًا على فراش الموت، حدث أن تنازع اثنان من أبنائه على اعتلاء عرش المملكة، وهما: ، وسُليمان. أدونيا كان أكبر أبناء داود، لكن سليمان كان ابن [بثشبع] زوجة داود المُفضلة. كان في جانب أدونيا بعض الأُمراء ورؤساء الأسباط بالإضافة إلى أبياثار، رئيس كهنة الشمال في أورشليم، والذي قد يكون من نسل موسى، أما سليمان فكان يدعمه ال وأُمه بتشابع والذان لهما تأثيرًا كبيرًا على داود وبالتالي الجيش، بالإضافة إلى صادوق، رئيس كهنة الجنوب في أورشليم، والذي يُعتقد أنه من نسل هارون. بات النزاع بينهما يُهدد بانقسام المملكة، لكن كنتيجة نهائية: اصبح سليمان في النهاية هو الملك دون حرب.

بعد موت داود واعتلاء سليمان عرش المملكة، أمر بقتل أخيه أدونيا، ونفي أبياثار الكاهن من الخدمة في أورشليم لمدينة عناتوت خارج العاصمة (ملوك أول 2) [مع ملاحظة أنه في (ملوك أول 3) يظهر تقليد مختلف يوضح أن أبياثار الكاهن استمر في الخدمة في عهد سليمان].

كان ال مزواجًا أمميًا أكثر من أباه حتى فاقه شهرة في عدد الزوجات، لكن أشهر ما كُتب عن سليمان هو بناء المعبد الأوّل في أورشليم، الذي عُرف فيما بعد باسم: “معبد سليمان” [ليس “”]. لم يكتسب المعبد شهرته نتيجة ضخامته، إذ بالنهاية ﻻ يدخله إﻻ الكهنة، لكن ما جعله مميزًا هو المعنى الذي يمثّله: حضور الإله “” في وسط شعبه.

كان معبد سليمان ينقسم لقسمين: القُدس، وقُدس الأقداس [الهيكل]. وقُدس الأقداس أو هيكل معبد سليمان هو بناء مُكعب كل أضلاعه متساوية، وتم وضع تابوت العهد فيه تحت حراسة ال الذهبي.

شاروبيمالشيروبيم [شاروبيم Cherubim] هو جمع لكلمة شيروب Cherub، واقرب تصور للشيروب اليهودي المنحوت كتمثال ذهبي، أنه كائن أسطوري شبيه بأبي الهول في مصر، أو كاريبو، أو ، أو الثور المجنح في بلاد آشور وما بين النهرين.

كان هناك شيروب عن يمين التابوت وآخر عن يساره، كلاهما باسط الأجنحة فوق التابوت حيث يتلامسان. الشيروبيم، مثل أبو الهول في مصر أو الثور المجنح في بابل، لم يكن إلهًا أو نصف إله أو يرمز لإله، لكن كان يتم وضعه لحراسة المعابد أو ما شابه. في حالة الشيروبيم الذهبي فهما كانا يمثلان عرش الله أو حضوره في الهيكل [قدس الأقداس].

كان حكم الملك سليمان مستقرًا، لكنه كان يميّز بين الجانبين الشمالي والجنوبي من المملكة. مقاطعة سبط يهوذا [الجنوب] كان لها مكانة مميزة عن باقي مقاطعات أسباط بني إسرائيل. لم تكن الضرائب في هذا العصر مالية لكن الضريبة كانت تقدّم كعمل مجّاني للمملكة، كل مقاطعة أو سبط كان يعمل في المملكة لمدة شهر، إﻻ سبط يهوذا، كان معفيًا من الخدمة العامة، لذا تكونت نظرة سلبية تجاهه من مقاطعات الجانب الشمالي من المملكة، وأسموا الوُكلاء القائمين على تنظيم هذا العمل: “وُكلاء تسخير” (1 مل 4). لكن هذه النظرة لم تصل حد الانفصال، وظلت المملكة متماسكة وموحدة طيلة فترة حكمه.

بعد موت الملك سُليمان اصبح ابنه هو الملك، فذهب لأرض شكيم [في مقاطعة أرض منسّى، في الشمال] كي يتم تتويجه، فسألوه إن كان سيستمر على منهج أباه في التمييز، أم سيخفف عنهم الأحمال التي حمّلها سليمان؟ فأجابهم أنه مستمر في نفس طريق أباه، فثاروا عليه ورجموا “وكيل السُخرة” الذي عيّنه، وتوجوا “” من سبط إفرايم ملكًا عليهم.

وهنا، بحسب النظرة العبرانية للتاريخ، أصبح هناك مملكتين:

مملكة إسرائيل في الشمال،والتي تضم أراضي ١٠ أسباط: دان، ، أشير، ، ، منسّى، جاد، إفرايم، .
خريطة المملكتين: يهوذا وإسرائيلومملكة يهوذا في الجنوب، والتي تضم أراضي سبطين: يهوذا وبنيامين.

مملكة إسرائيل عاصمتها شكيم [السامرة] في أرض إفرايم، وملكها: يربعام بن ناباط.
ومملكة يهوذا عاصمتها أورشليم في أقصى شمال أرض يهوذا، وملكها: رحبعام بن سليمان.

وقت انقسام المملكة هو أواخر القرن العاشر قبل الميلاد، [تقريبًا سنة 933 قبل الميلاد] ومن بعد هذا التاريخ بقليل يبدأ ظهور تقاطعات ما بين السردية الكتابية وبين المصادر الخارجية من ال. بعض المؤرخين يعتقدون أن هذه كانت البداية الحقيقية للشعب العبراني وأنه لم تكون هناك مملكة موحدة يومًا، لكن ما يعنينا أن السردية بدأت من الأصل بمملكتين متجاورتين، وظلا هكذا لمدة قرنين تقريبًا حتى عام 722 قبل الميلاد، فانهارت مملكة الشمال [إسرائيل] أمام المملكة الآشورية ولم يبق وقتها سوى المملكة الجنوبية؛ مملكة يهوذا.

المصدرين اليهوي والإيلوهي تم كتابتهما على الأرجح في الحقبة ما بين انقسام المملكتين وحتى انهيار مملكة الشمال، لكننا، حتى اﻵن، لن نستطيع توضيح ذلك مباشرة، ونحتاج حلقة إضافية لإعادة بناء السياق.

وكما قلنا مرارا، إنّ الدين لم يكن منفصلًا عن السياسة، وبما أنه كان لدينا مملكة موحدة وانقسمت بحسب الفهم العبراني للأحداث، وبالرغم من أن لدينا دينا واحدًا في مملكتي الشمال والجنوب، إﻻ أن التصورات الدينية ستختلف بين المملكتين لأسباب تتعلق بالخصام بينهما، وهذه التصورات المُختلفة سنحتاج دراستها بشكل أعمق حتى نتبين التفاصيل بين التقليدين، اليهوي والإيلوهي، وربما نتوصل لمعرفة عمّا يعبّر كل منهما.

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي حسب تقييمات من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

جزء من سلسلة: تكوين التوراة[الجزء السابق] 🠼 [٢] نشأة الحكم الملكي[الجزء التالي] 🠼 [٤] المملكتان: يهوذا وإسرائيل
[ + مقالات ]