Search
Close this search box.
المقال رقم 1 من 12 في سلسلة تكوين التوراة

ال هي الكتب (الأسفار) الخمسة الأولى في العهد القديم عند اليهود والمسيحيين في الكتاب المقدس، الكتاب الأول هو: التكوين، الثاني هو: الخروج، الثالث هو: الأحبار [الكهنة اللاويين]، الرابع هو: العدد، والخامس والأخير هو: سفر تثنية الاشتراع.

في النظرة التقليدية لكتابة التوراة، يتم نسب الأسفار الخمس إلى موسى النبي، ويتم تسميتهم: الخمسة []. والإشكالية الوحيدة اللي لاحظتها النظرة التقليدية تقريبًا، هي أنه في نهاية سفر التثنية مذكور موت موسى، وكان حل النظرة التقليدية ببساطة أن الأسفار الخمسة كتبهم موسى ما عدا آخر فصل في كتاب تثنية الاشتراع كتبه تلميذه “”، وسجل فيه موت مُعلمه موسى. تلك هي النظرة التقليدية لكتابة التوراة، نظرة بسيطة وسلسة للغاية. الكاتب هو شخص واحد، وهذا الشخص هو موسى النبي، الفصل الأخير فقط هو إضافة من تلميذه، وكفى.

بمرور الوقت وقراءة التوراة بنوع من التدقيق، يبدأ بعض القُراء في ملاحظة إشكاليات أخرى غير إشكالية موت موسى، ولم تتعامل النظرة التقليدية معها بشكلٍ مُرضٍ، هذا لو اعتبرنا أن حل إشكالية موت موسى بأن الكاتب الأخير هو “يشوع ابن نون” حلًا مرضيًا بالأساس. فالأسلوب الأدبي الذي كُتب به الفصل الأخير من التثنية، ﻻ يختلف عن بقية السفر، وﻻ توجد أيّة قرينة تدعونا للقول بأن الإصحاح الأخير مكتوب بأيد مختلفة عن بقية السفر. لماذا ﻻ يكون يشوع ابن نون هو الكاتب الأخير لكل الأسفار الخمسة مثلا؟

إحدى الإشكاليات الأُخرى أن التوراة على سبيل المثال تصف موسى باعتباره أكتر الرجال تواضعًا على الأرض، لذا ﻻ يوجد منطق في كون نبيّ متواضع يصف نفسه بمثل هذا الوصف، والأرجح عقلا أن يكون وصفه أخر، ومن ثمّ فالكتابة من شخص آخر.

الإشكاليات التي لاحظها القُراء في التوراة، تُحل إن لم يتم التمسّك بالنظرة التقليدية التي تظهر أن موسى كتب التوراة، لكننا سننحي النظرة التقليدية جانبًا محاولين تتبع الإشكاليات التي لاحظها القُراء والنُقاد، ذلك لأن نفس الإشكاليات التي أظهرت أن موسى ليس الكاتب، قد استطاعت بشكل ما أن ترشدنا إلى الكاتب الحقيقي للتوراة.

إحدى الإشكاليات في التوراة أيضًا هو وجود تضارب في عدة قصص، على سبيل المثال، نجد السردية تقول بأن الحيوانات التي ستدخل الفلك سيكونون زوجين من كل نوع، ثم بعدها تقول السردية سبعة أزواج من الحيوانات الطاهرة وزوجين فقط في حالة الحيوانات الغير طاهرة، أي ليس زوجين من كل الأنواع إذن، تضاربات مثل هذه يمكن أن تجدها طيلة الوقت في التوراة، وهي تقودنا لإشكالية الـ Doublets أو يمكننا ترجمتها باسم “إشكالية الثُنائيات”، وهي أن تكون القصة مكتوبة مرتين وليس مرة واحدة.

أحيانًا تكون القصتان مذكورتين تباعًا بشكل متتالي كما ، مرة في الإصحاح الأول من التكوين، ومرة ثانية في الإصحاح الثاني، وأحيانًا تكون القصتان متداخلتين مع بعضهما كما قصة نوح والطوفان مثلًا، وأحيانًا تكون القصتان مذكورتين مرتين، كل واحدة منهما في حدثٍ وسياقٍ مختلف، وكأنهما قصتين مستقلتين في أزمنة مختلفة، كما قصة ضرب موسى للحجارة عندما كان شعب إسرائيل في الصحراء لإخراج المياه، مرة ذُكرت في سفر الخروج، ومرة ثانية في سفر العدد، وغيرهم من الأمثلة. إشكالية الثُنائيات تملأ التوراة خصوصًا في سفر التكوين بدءًا من قصة الخلق مرورًا بقصة نوح وصولًا لقصص إبراهيم و ويعقوب وأخيرًا يوسف وأخواته.

إشكالية الثنائيات هي ليست مجرد ذِكر متكرر لقصةٍ مرتين، لكن أغلب الوقت تختلف القصتان في التفاصيل إلى حد التناقض. أحيانًا تختلفان في أسلوب الكتابة، وفي أحيان أخرى في اهتمامات الموضوع. أشهر اختلاف واضح بين القصص في الثنائيات أن تجد في مرة يتم كتابة القصة بتسمية الألوهة بكلمة الله [“” في العبرية] ومرة ثانية يتم تسميتها باسم “يهوَه”، والتي يتم ترجمتها في الأغلب إلى “الرب”. نلاحظ أن القصة التي استعملت لفظ “إيلوهيم” ﻻ تستعمل لفظ “يهوه”، والعكس أيضا صحيح. في قصة الخلق على سبيل المثال في الإصحاح الأول، الألوهة يتم تسميتها “إيلوهيم”. في الإصحاح الثاني تسمى “يهوَه”، ونفس النمط يستمر في ثنائيات كثيرة جدًا في سفر التكوين.

هذه الاختلافات والتضاربات لم توضح فقط أن الكاتب ليس هو موسى وحسب، لكنها بدأت توضّح لنا بعض الأنماط تشكّل أدلة وقرائن حول الكتبة الحقيقيين للتوراة. مشكلة الثنائيات تحديدًا كشفت أن الكاتب ليس واحدًا بل إثنين، أحدهما دائمًا يستعمل اسم “يهوه”، والثاني دائمًا يستعمل اسم “إيلوهيم”. وتم تسمية مجموع القراءات التوراتية التي تحمل نمط كتابة محدد باسم الألوهة المستخدم. أي إن نمط الكتابة باستخدام “يهوة” يسمى “المصدر اليهوي”، وفي اللاتينية يختصر بال أو J، [اسم “يهوه” بالألماني هو Javeh، وأهم المحققين وأولهم كانوا من الألمان، أما Y لأن اسم يهوه باﻹنجليزية YHWH أو ]، أيضا، المصدر الثاني الذي يستعمل اسم إيلوهيم تم تسميته “المصدر الإيلوهي”  [أحيانا تُكتب بالعربية بطرق أخرى مثل: إلوهي، إيلوهيمي]، وفي اللاتينية يختصر بال من كلمة Elohim.

مع استمرار الدراسات، اكتشف الدارسون أن مادة كبيرة جدًا من المصدر الإيلوهي هي في الحقيقة ليست مصدرًا واحدًا فقط، وﻻ كاتب واحد بالتبعية، لكنها مصدرين بكاتبين على الأقل، واكتشفوا أن بعض القصص لم تكن ثنائيات فقط لكنها وجدت [Triplets] ثلاثيات أيضًا، واكتشفوا وجود تضاربات داخل نفس المصدر، واهتمامات مختلفة بمواضيع الكتابة، وأساليب أدبية مختلفة، المصدر الإيلوهي عندما اتضح أنه مصدرين لم يستطيعوا التمييز بينهما في البداية لأن كلاهما يسمي الإلوهة باسم “إيلوهيم”، ثم فيما بعد تم الوصول أن المصدر الجديد الذي يحتويه المصدر الإيلوهي يهتم جدا بتفاصيل العبادات والشعائر والطقوس والذبائح والتشريعات. أي أن اهتمامات المصدر كانت كلها كهنوتية من الدرجة الأولى، ولذا تم تسمية المصدر الثالث المكتشف باسم “المصدر الكهنوتي” أو ال، من كلمة Priest بمعنى كاهن.

كل هذا ينطبق فقط على الأربع أسفار الأولى: التكوين والخروج والأحبار والعدد، لكن ﻻ ينطبق على سفر “تثنية الاشتراع”، والذي يمتاز بأسلوب مختلف تمامًا عن الأربعة أسفار الأولى. ربما يكرر بعض التشريعات لكن أسلوبه مختلف، ومفرداته مختلفة، وﻻ يتسم بأيّ مما اتسمت به المصادر السابقة باستثناء بعض النصوص التي تنتمي للخصائص المصدر الكهنوتي لا أكثر. إذن سفر “تثنية الاشتراع” ببساطة له مصدر خاص منفردًا تم تسميته بالمصدر التثنوي أو ال من كلمة Deuteronomy بمعنى التثنية.

هذا النوع من القراءة والنقد والتفكيك والتحليل للنصوص، قد أوضح لنا أن السؤال الصحيح ليس هو: “من هو كاتب التوراة؟”، ولكن السؤال الصحيح هو: “من هم كتبة التوراة؟”.

على البناء السابق، أصبح لدينا أربعة كتبة على الأقل، تُرى، من منهم الذي كتب أوﻻً؟ ومن تلاه؟ هل كان الكتبة عارفين بعضهم البعض؟ هل اعتمد الواحد منهم على اﻵخر في الكتابة؟ تُرى، متى عاشوا؟ وأيّ أحداث عاصروها وكتبوا عنها؟ وكيف شكّلت الأحداث لغتهم وأسلوبهم في الكتابة؟ وكيف يساعدنا كل هذا على فهم كتاباتهم بشكل أعمق؟ هل يمكننا معرفة لماذا كتبوا في الأساس؟ ومن هو الذي جمع كتابات هذه المصادر الأربعة ووضعهم في كتاب واحد متسلسل كما الذي بين أيدينا اﻵن؟ هل كانوا يعلمون أن ما يكتبوه سيجمع إلى جوار بعضه البعض؟ هل كان لديهم أي نوع من الوعي أو الإدراك أن كتاباتهم في النهاية سيتم تسميتها: الكتاب المقدّس؟

النظرية، أو الفرضية التأريخية، التي تساعدنا على إجابة مثل هذه الأسئلة فيما يخص التوراة اسمها: Documentary Hypothesis أو “”، أو اختصارًا الـ DH، شكلتها ملاحظات وسقطات ونجاحات مؤرخين ونُقاد عبر العصور المختلفة، وأهم من أضاف لتشكيلها كان المؤرخ والباحث التوراتي الألماني Julius Wellhausen ، وطوّرها آخرون بعده، إذ لم تكن كل أطروحات “فلهاوزن” متناسقة مع الملاحظات والأدلة.

أيّ نظرية أو فرضية أو فكرة أو طرح فلسفي أو تأريخي أو علمي، ﻻ تستطيع تقديم كل الإجابات على كل الأسئلة. لكنها تساعدنا على إجابة مجموعة جيّدة من الأسئلة، وبجمع معظم الملاحظات، ووضعها في إطار متناسق نستطيع من خلاله تكوين نظرة ﻻ بأس بها لتاريخ الشعب العبراني في العصور القديمة، ولكيفية تكوين وفهم التوراة في إطارها التاريخي والثقافي بشكل أكتر انضباطًا من القراءة الاعتباطية أو التلقائية غير الة.

أهم ما تم توضيحه في هذا المقال، أننا من الْآنَ فصاعدًا لن نقرأ التوراة باعتبارها كتاب واحد لمؤلف واحد، لكن باعتبارها مجموعة كُتب، لمجموعة كتبة متعددين ومتنوعين، ولكل واحد غالبًا اهتماماتٍ مختلفة وأهدافٍ مختلفة ساقته للكتابة، وعلى هذا، معانٍ مختلفة كليًا للقراءة. هذه النظرة ستغيّر في فهمنا لأمور متعددة، وسنجتهد في توضيحها في الحلقات القادمة لبقية السلسلة، وبشكل غير ممل وفي نفس الوقت غير مُسرف في السطحية قدر الإمكان.

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي حسب تقييمات من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

جزء من سلسلة: تكوين التوراة[الجزء التالي] 🠼 [٢] نشأة الحكم الملكي
[ + مقالات ]