Search
Close this search box.
المقال رقم 5 من 12 في سلسلة تكوين التوراة
التضاربات التي في التوراة ما بين تقاليدها المُختلفة، هي أكثر حيوية عن مجرد كونها اختلافات شكلية، بل هي تضاربات كاشفة عن أكثر من كاتب. هذه الاختلافات تعكس هُوِيَّة كاتب التقليد، والزمن المعاصر له، والمكان اللي كتب فيه، واهتماماته الدينية والسياسية.

أحد الملاحظات على التقليد اليهوَي أنه يهتم بقصص الآباء قبل موسى، أجداد مثل إبراهيم و ويعقوب كانوا مهمين عند التقليد اليهوَي، بعكس الذي ﻻ يستفيض في الكلام عنهم. فالتقليد اليهوَي لديه رواية عن خلق العالم، و و، ولديه تقليد عن قصة نوح والطوفان، في حين أن التقليد الإيلوهي الذي ﻻ يذكر شيئًا من هذا، بل يذكر تاريخ ما قبل موسى بالمرور بشكل مختصر ثم يركّز ويكثف على عمل موسى بشكل ملئ بالتفاصيل.

لتوضيح الملاحظة السابقة، يمكننا البَدْء بمثالين مكتوبين في التقليد اليهوَي لكن ﻻ توجد لهم رواية موازية في التقليد الإيلوهي:

– في : مسكن كان في حبرون [1]، وأقام يهوَه عهده مع إبراهيم، وأن أرض نسله ستمتد من نهر مصر للفرات [2].

هنا نحتاج أن نستدعي بعض المعلومات التي كنا قد تحدثنا عنها في الحلقات السابقة: مثلًا، أن أرض المملكة في عصر داود كانت تمتد فعلًا من نهر مصر [الذي أوضحنا أنه نهر العريش وليس نهر النيل] إلى نهر الفرات. وعاصمة ، التي أتى منها ال، كانت حبرون. ولذلك اهتم التقليد اليهوي بهذه التفاصيل وبهذه الرواية من الأساس. بينما التقليد الإيلوهي ﻻ يذكر هذا بالكلّية ولم يمر حتى على هذه الرواية إجماﻻ.

– في التقليد اليهوي: رواية صراع يعقوب مع ملاك الرب [3].

“ملاك الرب”، لقب يطلق على الله عندنا يظهر في العهد القديم [غالبًا نوع من التخفيف اللُغّوي لفكرة أن الله ظهر لإنسان] تقول الرواية أنه بعد طلوع الفجر، طلب يعقوب من “ملاك الرب” أن يباركه، في نفس الموقف تغيّر اسم “يعقوب” إلى “إسرائيل”، وسمّى يعقوب المكان الذي تصارع فيه مع “ملاك الرب”: فنوئيل، والذي معناه: “وجه الله”، ومدينة فنوئيل كانت مدينة في أرض إسرائيل، وفي عهد القضاة كان فيها برجًا عاليًا، وقد هدم “يربعل” [] البرج وقتل سكان المدينة [4] ثم حصنها “” عندما انفصل بمملكته عن مملكة الجنوب [5]. كل هذه الرواية وتفاصيلها أهملها التقليد الإيلوهي ولم يذكرها بالكلّية.

– أحد أشهر الأمثلة عن التضاربات ما بين التقليدين، هي قصة أرض شكيم [تسمى “نابلس” اﻵن].

أرض شكيم [السامرة]، كانت عاصمة ، ومنها ثار عشرة أسباط ضد بن سليمان، وأقاموا يربعام بن ناباط ملكًا عليهم [6]، فصارت شكيم عاصمة إسرائيل في عهد يربعام [7] ويختلف التقليدان في كيفية اقتناء هذه الأرض. التقليد الإيلوهي مقتصد كالعادة ويكتفي بالقول أن يعقوب قد اشتراها [8]، في حين أن التقليد اليهوَي يقول بأن أمير شكيم قام باغتصاب ، ثم تعلق بها وأرادها زوجة. لم يوافق أبناء يعقوب وعللوا رفضهم بمكر: ﻻ يمكن أن تصير ابنة يعقوب لرجل أغلف، لكن يمكن إتمام الزواج بختن كل ذكر في أرض شكيم. وافق حاكم شكيم وتم ختانه هو وابنه وكل ذكر في أرض شكيم، وفي اليوم الثالث وهم متوجعون، قام شمعون ولاوي بدخول أرض شكيم والناس نيام، وذبحوا أهلها ونهبوا الأرض بالثروات بالأطفال بالنساء بالمواشي والدواب وكل ما في الحقل، وعلى هذا فأرض شكيم لم يتم شرائها، لكن تم احتلالها واقتنائها بالدم [9].

– أحد الاختلافات المهمة في توضيح مصادر التقليدين، اليهوي والإيلوهي، هي قصص ميلاد أبناء إسرائيل [الأسباط].

في التقليد الإيلوهي مذكور ميلاد كل من دان و وجاد وأشير و و [10]، وكلهم أسباط في مملكة إسرائيل وليس مملكة يهوذا. أيضًا التقليد الإيلوهي يذكر ميلاد بنيامين [11]، وميلاد إفرايم ومنسّى [أولاد يوسف] [12]، والذين كلهم ينتمون لمملكة إسرائيل [فيما عدا بنيامين]. على الجانب الأخر، يذكر التقليد اليهوَي ميلاد البقية: وشمعون ولاوي ويهوذا. ليس هذا فحسب، إذ أن سبط لاوي ﻻ أرض له. وسبطيّ رأوبين وشمعون مع الوقت فقدا أرضيهما، وأبناؤهم اندمجوا مع أراضي بقية الأسباط، إذن وفعليًا، السبط الوحيد المذكور في التقليد اليهوَي وله أرض فعلًا هو: يهوذا.

 

البكورية لمن؟

رأوبين هو أكبر أبناء يعقوب، والمفترض أن ترتيب الأبناء في هذا العصر كان له أهميّة قصوى، لإن الابن البكر هو من ينال البركة من أباه [حق البكورية] ويتولى قيادة الأسرة من بعده. لكن الطريف في الأمر أن رأوبين، الابن البكر، لم يأخذ حق البكورية، لا في التقليد اليهوَي، ولا في التقليد الإيلوهي. من الذي نال البكورية إذن؟

في التقليد اليهوَي: نجد رواية عن رأوبين أنه زنا مع ، خادمة زوجة يعقوب، والأمر له خلفية أكثر تعقيدًا، فراحيل لم تكن تنجب مما دعاها أن تطلب من زوجها يعقوب أن يدخل على جاريتها “بلهة” كي يقيم له نسلا، ووافقها يعقوب. وعلى ذلك فزنا رأوبين مع بلهة يعتبر بمقام زنا المحارم لأنه ضاجع امرأة أباه. ومثل هذه الحادثة أطاحت باستحقاق رأوبين لحق البكورية. المفترض أن يُمرر حق البكورية للابن التالي، شمعون، لكن هذا أيضا لم يحدث. والتقليد اليهوَي يبرر هذا بأن شمعون ولاوي قد دخلا أرض شكيم وذبحوا أهلها ونهبوها بشكل خسيس [القصة التي بالأعلى]، وعلى هذا خرج شمعون أيضًا من “حق البكورية” وتم التمرير للابن التالي، ﻻوي، والذي كان مشتركًا مع شمعون في المذبحة، فيمرر حق البكورية مرّة ثالثة للابن التالي. إلى من؟ يهوذا بالطبع. [13].

في التقليد الإيلوهي: نجد أن حق البكورية لم ينله أحد من أبناء يعقوب نهائيًا، إنما مرر لأحفاد يعقوب بشكل مباشر. الرواية ذات صلة بأرض مصر وحدثت في مصر حين ارتحل يعقوب وأبناءه إلى يوسف وسكنوا في أرض جاسان، يذهب يوسف لأباه يعقوب وهو على فراش الموت، ويقدم له -بناء على طلب مسبق من يعقوب- ابنيه الاثنين: منسّى وإفرايم [وكلاهما مصري، وُلد في مصر، من أم مصرية، بنت كاهن أون: ]. تفاصيل الرواية تقول إن يوسف وضع ابنه الأكبر، منسّى، على يمين يعقوب، ووضع أفرايم على يساره، لكن يعقوب يعكس يداه ويضع اليد اليمنى، والتي تمثّل حق البكورية، على رأس إفرايم، الأخ الأصغر، ويضع اليد اليسرى على رأس منسّى، بكر ليوسف. يعترض يوسف ويقول لأبيه أن يصحح وضع يديّه لأن منسّى هو البكر، لكن يعقوب يخبره أنه يعلم ماذا يفعل ويصر على أن تكون البكورية للحفيد الأصغر، إفرايم، المصري الأصل والمولد وحفيد كاهن أون [أون: “عين شمس” حاليًا] من أمه صفنات، رغما عن تقاليد بني إسرائيل التي تؤمن بأن الطفل يرث ميراث الأب، ودين الأم [14].

 

تفسير ما نجده من تضاربات

في كل الأمثلة السابقة، نستطيع أن نرى تفضيلات معيّنة لكل تقليد. كلاهما يفضّل الأسباط والأشخاص والأراضي التي ينتمي إليها أو ينحدر من أصولها. التقليد اليهوَي: ينحاز معرفيا إلى الأسباط والأشخاص والأراضي والتفاصيل التي تنتمي لمملكة يهوذا. في حين أن التقليد الإيلوهي ينحاز معرفيا إلى الأسباط والأشخاص والأراضي والتفاصيل التي تنتمي لمملكة إسرائيل.

في التقليد اليهوَي، يهوذا هو الذي نال حق البكورية من يعقوب. في حين في التقليد الإيلوهي كان إفرايم، أحد الأحفاد وليس الأبناء، هو الذي نال حق البكورية. هل تعلم ماذا تمثّل “إفرايم”؟ إفرايم هي الأرض والسبط الذي ينحدر من نسله يربعام بن ناباط، ملك مملكة إسرائيل، وفي أرض إفرايم تقع أرض شكيم عاصمة مملكة إسرائيل. التقليد الإيلوهي يقول أن مدينة شكيم تم اقتنائها بشكل سلمي عن طريق الشراء، بينما التقليد اليهوَي يقول أنه تم اقتنائها بمذبحة ﻻ أخلاقية. التقليد الإيلوهي يذكر أرض فنوئيل الموجودة بمملكة إسرائيل، التقليد اليهوَي لا يهتم بقصة كتلك، لكنه يهتم بفكرة أن بيت إبراهيم كان هو حبرون عاصمة يهوذا، وان نسل إبراهيم ستكون أرضهم ممتدة من نهر مصر للفرات، [حدود مملكة داود]. هذه الاختلافات توضح أن الذي كتب التقليد اليهوَي كان مهتمًا بمملكة يهوذا ويحاول أن يشرعن مُلكها عن طريق نسب حق البكورية ليهوذا، ويحاول أن يقلل من أهمية أراضي مملكة إسرائيل، ومن كتب التقليد الإيلوهي كان يفعل النقيض، كان يشرعن مُلك مملكة إسرائيل عن طريق نسب حق البكورية لإفرايم، ويهتم بأراضي مملكة إسرائيل ويتجاهل ذكر أراضي يهوذا.

والأمر لا يتوقف عند هذا الحد ويظل مستمرًا،

في التقليد الإيلوهي: الشخص الذي أنقذ يوسف عندما اتفق عليه أخوته، كان: رأوبين، الابن البكر ليعقوب [15]، لكن في التقليد اليهوَي: كان يهوذا [16].

في التقليد الإيلوهي: يُعظّم شخص مثل ، من سبط إفرايم، في حين أن في التقليد اليهوَي: يعظم شخص مثل كالب ابن يفنّة، من سبط يهوذا [17].

يتشارك التقليدان في مسألة استعباد شعب إسرائيل في مصر، لكن تسميتهم لمُستعبديهم مختلفة، التقليد اليهوَي يسمي القائم بالاستعباد بانهم: “أصحاب عمل” [18]، في حين أن التقليد الإيلوهي يسميهم: “وُكلاء تسخير” [19]، لماذا وُكلاء تسخير؟ كنا قد أوضحنا سلفا ضجر شعب مملكة الشمال من سليمان بفرضه العمل الإجباري شهرا على كل سبط وأنه استثنى سبط يهوذا، لذا سمى شعب مملكة إسرائيل مشرفين سليمان: “وُكلاء تسخير” في سفر الملوك، وما قام به التقليد الإيلوهي أنه أطلق على مشرفي سليمان نفس المسمى الذي أطلقه على المصريين، غالبًا كنوع من إهانة حكم سليمان [وبالتالي مملكة يهوذا] ورفض سياسته بتشبيهه بفرعون، الشخص الذي أذاق شعب إسرائيل الويلات وبالكاد أفلتوا من يده، على الأقل في الفكر التاريخي.

ستجد في الترجمات العربية أن كلا التقليدين يسمي المصريين المشرفين على العبيد بنفس الاسم وهذا مخالف للأصل العبري، النص العبري في التقليد الإيلوهي يسمي هذه المهام: "mis-sîm"، وهو نفس الاسم اللي أطلقته مملكة الشمال على ضريبة سُليمان، وهذه التسمية غير موجودة سوى في التقليد الإيلوهي وحده.

 

النبش وراء هويّة كاتب التقليد الإيلوهي

أحد أهم الأمثلة التي تتعقّب هويّة كاتب التقليد الإيلوهي هي قصة العجل الذهبي [20]، وهي قصة ليس لها ما يوازيها في التقليد اليهوَي، تقول الرواية أن موسى صعد الجبل لاستلام لوحي الشريعة، ومعه تلميذه يشوع، في حين أن الشعب ظل منتظرا أسفل الجبل، وعندما طال الانتظار، طلبوا من هارون أن يصنع لهم تمثال من ذهب، وتم عمل التمثال على شكل عجل [ثور صغير]، ويقول النص أنّ هارون:

فأخذ ذلك من أيديهم وصوره بالإزميل، وصنعه عجلا مسبوكا. فقالوا: «هذه آلهتك يا إسرائيل التي أصعدتك من أرض مصر»

(سفر الخروج 32: 4)

وهو تقريبًا نفس منطوق النص الذي قاله يربعام لمملكة إسرائيل عندما صنع لهم عجول ال الذهبية: [21]

فاستشار الملك وعمل عجلي ذهب، وقال لهم: «كثير عليكم أن تصعدوا إلى أورشليم. هوذا آلهتك يا إسرائيل الذين أصعدوك من أرض مصر»

(سفر الملوك الأوّل 12: 28)

بافتراش القصتين متجاورتين، يحاول هنا كاتب التقليد الإيلوهي عدّة أمور مركّبة، فهو: يهاجم هارون باعتباره الذي سبك العجل. وهارون هو الكاهن الأعلى، والذي يُعتقد أن كهنة حبرون [في يهوذا] هم من نسله، وعلى هذا فهو يهاجم دين مملكة يهوذا، وفي نفس الوقت هو: يبرئ يشوع، لأنه كان مع موسى فوق الجبل ولم يشارك. أيضا -على غير المتوقّع- يهاجم الشكل الديني لمملكة إسرائيل، بمماثلة العجلين اللي تم بناؤهما في دان و “بيت إيل” كبدائل لل، بالعجل الذهبي الذي صنعه هارون الذي تمت مهاجمته. فمن يكون الكاتب ذو الهويّة المعقدة الذي يهاجم الجميع؟

هناك مجموعة من مملكة إسرائيل، تتوافق هذه التركيبة مع أفكارها، وهم: كهنة شيلوه ﻻ سواهم.

كهنة شيلوه تم رفضهم وطردهم من أورشليم [مملكة يهوذا] فارتحلوا إلى مملكة إسرائيل، لذا يهاجمون مملكة يهوذا في مهاجمة شخص هارون. وفي نفس الوقت فالملك يربعام، ملك إسرائيل الشرعي، الذين يسكنون مملكته، لم يسمح لهم بالخدمة في “بيت إيل”. لذا فما يحدث أن الكاتب يشرعن الموقف المَلَكي لمملكة إسرائيل لكنه يرفض تصورها الديني الذي استبعده من الخدمة. وهذا يعني أن كاتب النص غالبًا كان كاهنًا من كهنة شيلوه في مملكة إسرائيل.

استكمالًا لما سبق في قصّة موسى وعجل هارون: نزل موسى ويشوع من الجبل وشاهدا العجل. يكسر ال لوحيّ الشريعة، وتحدث مذبحة يقتل الكهنة فيها كثيرٌ من الشعب بسبب عبادة العجل الذهبي، لكن هارون ﻻ يُقتل، لأنه ﻻ يمكن بناء تاريخ يكون فيه الكاهن الأعلى مقتول بهذا الشكل المخزي في فترة مبكّرة من تاريخ الشعب. لذا فالكاتب يهاجمه لكن إلى حدٍ معيّن ﻻ يطيح به، أو ربما ﻻ يستطيع قتله في الرواية لأن كهنة حبرون يعتقدون أنهم من نسله وليس من العقل إغضابهم بجريمة تزوير واضحة في إنحيازاتها حتى وإن كان شفاهة.

ربما يكون السؤال الأولى بالبحث حوله هو: كيف يكتب الكاتب أن موسى كسر لوحيّ الشريعة، المنقوشين بإصبع الله؟ لماذا يفعل؟

مملكة إسرائيل ليس فيها ، بل يشكّل بالنسبة لها منافسًا مزعجًا يجعل الإسرائيليون يحجّون إلى أورشليم في مملكة يهوذا كما أسهبنا، لذلك ربما تكون قصة كسر لوحيّ الشريعة نوعا من التشكيك في مصداقية معبد أورشليم ومقدسات مملكة يهوذا، فكسر اللوحين يعني أن التابوت فارغ، أو أن اللوحين بداخله ليسا أصليين، أو نسخة ثانية. مع التوكيد أن التقليد اليهوي يذكر فقط أن موسى أخد لوحي الشريعة من الله، لكن ﻻ يذكر مسألة كسره، وﻻ قصة بناء العجل الذهبي المؤدي للكسر من الأساس، وإﻻ سيكون في هذا إهانة لهارون، الكاهن الأعلى [22].

ثُمَّ قَالَ يَهْوّه لِمُوسَى: «انْحَتْ لَكَ لَوْحَيْنِ مِنْ حَجَرٍ مِثْلَ الأَوَّلَيْنِ، فَأَكْتُبَ أَنَا عَلَى اللَّوْحَيْنِ الْكَلِمَاتِ الَّتِي كَانَتْ عَلَى اللَّوْحَيْنِ الأَوَّلَيْنِ اللَّذَيْنِ كَسَرْتَهُمَا.

(سفر الخروج 34: 1)

الكلمات التي باللون الأزرق لم تكن ضمن التقليد اليهوي، والأرجح أن أضافهما مُحرر لاحق في مرحلة جمع التقليدين اليهوي والإيلوهي في كتاب واحد. وفي توافق مع ما سبق، نجد أن تابوت العهد مذكور في التقليد اليهوي دون ذكر في التقليد الي.

ملاحظة قلناها وتحتاج اﻵن تدقيقًا أعلى: [التقليد اليهوَي يسمي الألوهة يهوَه، لكن التقليد الإيلوهي يسميها إيلوهيم]، لكن ليس الحال دائمًا هكذا، الوصف الأدق أن التقليد اليهوي دائمًا يسمي الألوهة يهوَه، لكن التقليد الإيلوهي كان يسميها إيلوهيم حتى حدث مُعين، ومن بعده بدأ يستعمل اسم يهوَه بشكل طبيعي. وهذا الحدث هو ظهور الله لموسى في العلّيقة حين كشف الله اسم "يهوه" لموسى [23]، ومن بعد هذا الحدث، بدأ التقليد الإيلوهي في استخدام اسم يهوَه بشكل طبيعي.

لماذا تحوّل التقليد الإيلوهي هكذا؟ يرى بعض المؤرخين أن حدث الخروج حدث بسيط تم تضخيمه، وأن كل شعب إسرائيل لم يكن في مصر لكن جماعة صغيرة منهم هي التي كانت، وهَرَبَت، وأنّ بقيّة شعب إسرائيل الذين في زمن الكاتب لم يكونوا في مصر لكن كانت في أراضيها بشكل طبيعي، بينما الجماعة الذين كانوا في مصر غالبًا هم من أصبحوا فيما بعد معروفين باسم سبط لاوي. وهذا يفسّر حمل شخصيات هذا السبط لأسماء مصرية وليست عبرية، الخارجين من مصر كانوا يعبدون يهوَه، لكن البقية في إسرائيل كانوا يعبدون إيل [إله الكنعانيين].

وعلى هذا، يبدو أن الكاتب هنا حاول أن يقول أن الإلهين في الحقيقة إله واحد، بنفس الوتيرة التي وضحناها في فكرة “إله نظير” لشعب ما عند شعب آخر، وكيف أن هذا يساعد في تأقلم الشعبين أو الجماعتين مع بعضهما البعض، وفيما بعد، أصبح اللاويين هم الكهنة الرسميين، لكن لم يكن لهم أرض مميزة كباقي الأسباط، ومحظور عليهم ملكية الأرض. وكانوا موزّعين على أسباط إسرائيل للقيام بخدمة الكهنوت مع الحصول على حصة من العشور والبكور والنذور والتقدمات والذبائح.

وما سبق يمكن تفسيره بأن كاتب التقليد الإيلوهي غالبًا كاهن من كهنة شيلوه، من مملكة إسرائيل، عاش في زمن يربعام بن ناباط أو بعده، لكنه عاش قبل انهيار مملكة إسرائيل تحت مملكة آشور، وفي فترة القرنين من زمن يربعام وحتى 722 قبل الميلاد وقت سقوط مملكة إسرائيل. من الصعب تحديد فترة زمنية أكثر دقة.

على الجانب الآخر، كاتب التقليد اليهوَي كان من مملكة يهوذا، هويّته غير محددة، البعض يقترح احتمالية كونها كاتبة أنثى عبر الاستدلال على سعة إطلاع من يكتب بشؤون النساء والتعاطف معهن كما في قصّة ومحاولة تبرئتها [24]، لكن هذا ﻻ يعد دليلًا أن الكاتب امرأة بقدر ما هو دعوة لعدم التسرع في الاستنتاج أن الكاتب رجل، قد يكون امرأة. المهم أن من كتب هذا التقليد قد عاش في نفس الحقبة التي كُتب فيها التقليد الإيلوهي، وﻻ نستطيع التحديد الدقيق من منهم كُتب أولًا، أو إن كان أحدهم على علم ومعرفة باﻵخر، أو اطلع على ما كتبه الآخر أم ﻻ. لكننا عرفنا ما يكفي لتحديد فترة زمنية معينة ومكان كل تقليد مع أهدافه وميوله السياسية والدينية.

عندما انهارت مملكة إسرائيل، هرب من عاش منها إلى مملكة يهوذا في الجنوب، وحملوا معهم تقليدهم الخاص [التقليد الإيلوهي]، لكن وجود تقليدين متضاربين، ومختلفين، وكل تقليد منهم يهاجم شخصيات وأراضي وأحداث يحترمها ويجلّها التقليد الآخر، لن يكون عاملًا مساعدًا على تأقلم الجماعتين بشكل سريع يسمح بالجمع المتداخل الذي بين أيدينا. وفي الوقت نفسه ﻻ يمكن التخلص من أحدهما لأن التخلّص من تقليد ما، يهدد إستقرار وآمال وتطلعات ورؤية الجماعة التي تتبناه. وما حدث يمكن إختصاره في أن: بعد فترة تسمح بالتفاهم السلمي، تم دمج التقليدين في كتاب واحد ومحاولة التوفيق بينهما، والتقليد الذي نتج من ذلك سماه المُحققون: المصدر JE.

هوامش ومصادر:
  1. تكوين 13: 18 [🡁]
  2. تكوين 15: 18 [🡁]
  3. تكوين 32 [🡁]
  4. قضاة 8: 8، 9، 17 [🡁]
  5. 1 مل 12: 25 [🡁]
  6. ملوك أوّل 12: 1-19 [🡁]
  7. ملوك أول 12: 25 [🡁]
  8. تكوين 33: 18-19 [🡁]
  9. تكوين 34 [🡁]
  10. تكوين 30 [🡁]
  11. تكوين 35 [🡁]
  12. تكوين 48 [🡁]
  13. تكوين 49: 1-10 [🡁]
  14. تكوين 48: 7-22 [🡁]
  15. تكوين 37: 21-22 [🡁]
  16. تكوين 37: 26-27 [🡁]
  17. عدد 13: 30-31 [🡁]
  18. الخروج 5: 10 [🡁]
  19. الخروج 1: 11 [🡁]
  20. الخروج 32 [🡁]
  21. سفر الملوك الأوّل 12: 28 [🡁]
  22. سفر الخروج 34: 1 [🡁]
  23. الخروج 3: 13-15 [🡁]
  24. تكوين 38 [🡁]

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي حسب تقييمات من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

جزء من سلسلة: تكوين التوراة[الجزء السابق] 🠼 [٤] المملكتان: يهوذا وإسرائيل[الجزء التالي] 🠼 [٦] التقليد الكهنوتي: صراع موسى وهارون
[ + مقالات ]