المقال رقم 9 من 9 في سلسلة الموقف من الناموس الموسوي

نستعرض معًا موقف من الناموس الموسوي من خلال كلماته إلى كنيسة أفسس، حيث يرى أن المسيح بموته صالح العالم كله، يهودًا وأممًا، مع الله، حينما أبطل بجسده ناموس الوصايا الموضوع في فرائض وأحكام، وهكذا وحَّد الجميع في ذاته، وصالح الاثنين، أي اليهود والأمم، في جسدٍ واحدٍ مع الله بالصليب.

لماذا أبطل ناموس الفرائض؟

 لأنه هو سلامنا، الذي جعل الاثنين واحدا، ونقض حائط السياج المتوسط أي العداوة. مبطلا بجسده ناموس الوصايا في فرائض، لكي يخلق الاثنين في نفسه إنسانا واحدا جديدا، صانعا سلاما، ويصالح الاثنين في جسد واحد مع الله بالصليب، قاتلا العداوة به.

(رسالة بولس إلى أفسس 2: 14-16)

إن تكليف بولس بإعلان الأخبار السارة للأمم يرتبط أيضًا بإدراك بولس أن ال قد حلَّت محلها سلطة المسيح. لقد أبقت التوراة أساسيًا على اليهود والأمم مُنفصِلين، مُحافِظةً على حائط السياج المتوسط، أي العداوة بين اليهود والأمم [1]. وظهور التوراة بمظهرٍ كونها وصلت إلى نهاية مطافها بقيامة يسوع، أصبح الآن يُعطِي زخمًا أكيدًا لدعوة الأمم، الذين كانوا لا يزالون حتى ذلك الحين محصورين خارج دائرة مواعيد الله، لدعوتهم للرجوع إلى خالقهم ومُخلِّصهم. [2]

الموضوع المركزيّ لرسالة أفسس هو الاحتفال بـ”السرِّ“ المتعدِّد الأوجه والمعلَن في الإنجيل [3]. في بُعده الأفقيّ، هذا السرُّ يتعلَّق باحتواء الأمم في تراث إسرائيل الروحيّ [4]، وبإنجاز المصالحة التي تحقَّقت بموت المسيح [5]. سياج العداوة الفاصل هذا [6] الذي كان يفصل اليهود عن الأمم أصبح يُنظَر إليه الآن كمشكلةٍ أساسيةٍ في تاريخ الجنس البشريّ. هذا السياج كان يُنظَر إليه إيجابيًا من داخل النظرة اليهودية إلى العالم بما أنه تمَّ تعيينه من قِبَل الله [7]، ولكنه يتناقض مع تقليدٍ آخر كانت قوته تتعاظم، وهو شمولية الله.

لقد سبق وأكَّد بولس التضارب بين الاعتراف بأن ”الله واحدٌ“ وبين تقسيم البشرية إلى اليهود الذين كانوا على شركةٍ مع الله بشكلٍ ملائمٍ وبين الأمم الذين كانوا مُنفصِلين عن الله [8]. في رسالة أفسس حقَّق الإنجيل البولسيّ المثال الكونيّ، مُزوِّجًا البشرية بجماعةٍ واحدةٍ تعكس الله الواحد الذي منه تُسمَّى كل عشيرة في السماوات وعلى الأرض [9]. قد تكمن المساهمة اللاهوتية الأعمق لأفسس، التي لا تزال الأكثر تحديًا للهيكليات المعاصرة للحدود والهوية، في هذا التشديد على كسر الله لهذه العوائق الدينية والعرقية بصلب يسوع. [10]

وفي الجزء المقبل نتناول موقف بولس الرسول من الناموس الموسويّ، من خلال كلماته إلى كنيسة كورنثوس. حيث يُشدِّد بولس على أننا قد صرنا خدامًا لعهدٍ جديدٍ، وهكذا يرفض الحرفية الناموسية في مُقابل الروح القدس المحيي، ويصرخ صرخته المدوية في وجه كل متهود ناموسيّ مُلتزِم بالحرفية أن الحرف يقتل ولكن الروح القدس يحيي، وهو واهب الحياة.

كما يرى أن الخدمة الناموسية كانت خدمة الموت المنقوشة بأحرفٍ في حجارةٍ، فبالأولى جدًا خدمة الروح، أيّ خدمة إنجيل المسيح، أن تكون في مجدٍ أيضًا. ويُقارِن بين مجد الخدمة الناموسية الزائلة وبين مجد الخدمة الإنجيلية الدائمة. ويُصرِّح بولس الرسول تصريحًا واضحًا، في مُواجهة المتهودين في كل زمان وفي كل مكان وفي كل عصر، بأن برقع العهد العتيق مازال باقيًا على قلوب اليهود غير المؤمنين إلى الآن، وأنه قد تمَّ إبطاله في المسيح، ويُطالِبهم بالرجوع إلى الربِّ، وترك حرفية العهد العتيق، ويحثهم على التمتُّع بروح الربِّ، الذي هو روح الحرية، روح العتق من عبودية العهد القديم. فحيث يكون الروح القدس، روح الربِّ، تكون الحرية.

من هم خدام الروح والعهد الجديد؟

بل كفايتنا من الله، الذي جعلنا كفاة لأن نكون خدام عهد جديد. لا الحرف بل الروح. لأن الحرف يقتل ولكن الروح يحيي.

(رسالة بولس الثانية إلى كورنثوس 3: 5-6)

كتب بولس الرسول رسالة كورنثوس الثانية إلى حدٍّ كبيرٍ ليُواجِه تأثير بعض الكارزين المسيحيين اليهود المتجولين الذين أثَّروا بعمقٍ على شريحة من الجماعة الكورنثية. اتَّخذ بولس موقفًا بالأحرى من الطريقة التي تلاعب بها هؤلاء المعلِّمين بالمعايير والتوقعات الحضارية لدى مستمعيهم، ولا سيما فيما يختص بالمعايير التي استخدموها للترويج لسلطتهم في الخدمة، كما كانت الحال، وأن يُقارِنوا أنفسهم بمحاباةٍ مع بولس على حسابه. كان لديهم جوابٌ مختلفٌ بالجوهر عن بولس، على السؤال، ما الذي يجعل من الشخص قائدًا مسيحيًا جديرًا؟ جوابٌ كان أكثر تناغمًا مع قيم الذهن العالميّ مما كانت القيم التي آمن بولس أنها جزءٌ لا يتجزأ من إنجيل المسيا المصلوب. بالنسبة لبولس، كان هذا أمرًا جوهريًا إذا قارناه بالوزن، ولو كان مختلفًا بالشكل، مع التهديد للإنجيل في غلاطية. [11]

إن فهم المنافسين الذاتيّ والقيم التي جسَّدوها وروَّجوا لها وصلت إلى حدِّ تقديم ”يسوع آخر“، وإلى الكرازة بـ”إنجيل آخر“، وإلى إضفاء ”روح أخرى“ على الجماعة الكورنثية. فعلى أكثر من صعيد، قاموا بتعزيز تلك الروح بالتحديد (مُنافسة، مُقارنة الواحد بالآخر، إفتخار بالمواهب والإنجازات كوسيلةٍ للتأكيد على الأسبقية) التي كان بولس قد سعى للإطاحة بها في رسالة كورنثوس الأولى. لقد جسَّد مُناهضو بولس تفكيرًا عالميًا مثل هذا. خلال بنائهم لأنفسهم على أساس قوة مظهرهم وكفاءاتهم، على أية حالٍ، وبطلبهم من أتباعهم أن يُقيِّموهم على هذا الأساس، لا يسمحون لحضور الله أن يشعَّ من خلالهم. بالأحرى، يبقون كامدين غير سامحين لقوة الله بأن تخترقهم، وغير مُعلِنين عن أساسٍ جديدٍ للثقة والإيمان بل عاكسين ومُعِيدين التأكيد على قيم العالم. [12]

ما هي خدمة الموت وخدمة المجد؟

ثم إن كانت خدمة الموت [الناموس]، المنقوشة بأحرف في حجارة، قد حصلت في مجد، حتى لم يقدر بنو إسرائيل أن ينظروا إلى وجه موسى لسبب مجد وجهه الزائل، فكيف لا تكون بالأولى خدمة الروح [الإنجيل] في مجد؟

(رسالة بولس الثانية إلى كورنثوس 3: 7-8)

يتكلَّم بولس الرسول هنا عن سمو الخدمة التي تتضمَّن الروح على الخدمة المنقوشة على حجارة، والتي نهايتها الموت [13]. [14] فأية قيمةٍ إذًا ستكون للقوى الجسدية أمام الله؟ القدرة البلاغية، والمناقبية الكاريزماتية، وكل ما يساعد على خلق مظهرٍ جيد في الجسد لا يستطيع أن يجعل شخصًا كافيًا لخدمة الإنجيل. فهذه الأمور، إلى جانب الكفاءات البشرية، تنتمي إلى الزمن الحاضر الذي هو طور الزوال، وسوف يتبرهن بُطلان قيمتها وعجزها أمام الموت. فهي لا تحمل شيئًا من قوة الله التي تُحضِر الإنسان إلى حياة الزمن الآتي [15]. إنها مثل المجد الزائل لوجه موسى، ومثل موسى، المعلِّمون المنافسون يخفون بقناعٍ حقيقة الطبيعة المؤقتة والزائلة لكل القوى البشرية [16]. الله وحده يمكنه أن يمنح الشرعية لشخصٍ لعمل إعلان الكلمة التي تفصل أولئك الذين يهلكون عن أولئك الذين يخلصون [17]، [18].

لأنه إن كانت خدمة الدينونة [الناموس] مجدا، فبالأولى كثيرا تزيد خدمة البر [الإنجيل] في مجد! فإن الممجد أيضا لم يمجد من هذا القبيل لسبب المجد الفائق. لأنه إن كان الزائل [الناموس] في مجد، فبالأولى كثيرا يكون الدائم [الإنجيل] في مجد!

(رسالة بولس الثانية إلى كورنثوس 3: 9-11)

لقد أصرَّ بولس بالفعل، وبناءً على خلفيته العبرية والإسرائيلية، [19]، على أنه يُمجِّد الحياة الجديدة وعهد الروح على ما نُقِشَ بحروفٍ على حجر، مجَّد تفوُّق انعكاس مجد الربِّ بوجهٍ مكشوفٍ أكثر من انعكاسه بوجهٍ غير مكشوف، كما حدث مع موسى. وهذا التأكيد يوحي بأن المؤيِّدين كانوا يضعون قيمةً كبيرةً لتراثهم اليهوديّ [20].

ما هو برقع العهد العتيق؟ وما روح الحرية؟

بل أغلظت أذهانهم، لأنه حتى اليوم ذلك البرقع نفسه عند قراءة العهد العتيق باق غير منكشف، الذي يبطل في المسيح.لكن حتى اليوم، حين يقرأ موسى، البرقع موضوع على قلبهم.ولكن عندما يرجع إلى الرب يرفع البرقع.وأما الرب فهو الروح، وحيث روح الرب هناك حرية.

(رسالة بولس الثانية إلى كورنثوس 3: 14-17)

لقد وضع موسى برقعًا على وجهه عندما تعامل مع إسرائيل، وظلَّ هكذا في أثناء قراءة الإسرائيليين للعهد القديم. على الرغم من ذلك، عندما يتحوَّل المرء إلى المسيح يخلع البرقع لأن الربَّ الذي تكلَّم مع موسى موجودٌ بالروح [21]. [22] لقد أعلن بولس هنا هذا المبدأ التفسيريّ – في أيّ وقتٍ يرجع الإنسان إلى الربِّ، أي إلى يسوع المسيا، سيُزَال عنه حجاب فهم الأسفار العبرية. بعد ذلك وبناءً عليه، يقرأ بولس الناموس والأنبياء ويُفسِّرهما في ضوء المسيح، لأن الربَّ المقام كان السلطة العليا والنهائية بالنسبة له. [23]

 

هوامش ومصادر:
  1. رسالة بولس إلى أفسس 2: 14-15 [🡁]
  2. ديفيد دي سيلفا، مقدمة للعهد الجديد ج2، ترجمة: القس الدكتور بيار فرنسيس، لبنان: دار منهل الحياة، 2014، ص 24. [🡁]
  3. رسالة بولس إلى أفسس 1: 9؛ 3: 3، 4، 9؛ 5: 32؛ 6: 19 [🡁]
  4. رسالة بولس إلى أفسس 3: 3-6 [🡁]
  5. رسالة بولس إلى أفسس 2: 11-22، خاصةً 2: 13-16 [🡁]
  6. طريقةٌ ثوريةٌ للإشارة إلى التوراة؛ رسالة بولس إلى أفسس 2: 14 [🡁]
  7. أنظر سفر اللاويين 20: 22-26 [🡁]
  8. رسالة بولس إلى رومية 3: 27-30 [🡁]
  9. رسالة بولس إلى أفسس 3: 15 [🡁]
  10. ديفيد دي سيلفا، مقدمة للعهد الجديد ج2، ترجمة: القس الدكتور بيار فرنسيس، لبنان: دار منهل الحياة، 2014، ص 371. [🡁]
  11. ديفيد دي سيلفا، مقدمة للعهد الجديد ج2، ترجمة: القس الدكتور بيار فرنسيس، لبنان: دار منهل الحياة، 2014، ص 171. [🡁]
  12. ديفيد دي سيلفا، مقدمة للعهد الجديد ج2، ترجمة: القس الدكتور بيار فرنسيس، لبنان: دار منهل الحياة، 2014، ص 171. [🡁]
  13. رسالة بولس الثانية إلى كورنثوس 3: 4-11 [🡁]
  14. رايموند براون، مدخل إلى العهد الجديد، ترجمة: نيكلس نسيم، سلسلة آفاق كتابية 5، القاهرة: دار لوغوس ودار الأكويني، 2021، ص 736. [🡁]
  15. ديفيد دي سيلفا، مقدمة للعهد الجديد ج2، ترجمة: القس الدكتور بيار فرنسيس، لبنان: دار منهل الحياة، 2014، ص 172. [🡁]
  16. رسالة بولس الثانية إلى كورنثوس 3: 7-14 [🡁]
  17. رسالة بولس الثانية إلى كورنثوس 3: 4-6 [🡁]
  18. ديفيد دي سيلفا، مقدمة للعهد الجديد ج2، ترجمة: القس الدكتور بيار فرنسيس، لبنان: دار منهل الحياة، 2014، ص 172. [🡁]
  19. رسالة بولس الثانية إلى كورنثوس 3: 6-18 [🡁]
  20. رايموند براون، مدخل إلى العهد الجديد، ترجمة: نيكلس نسيم، سلسلة آفاق كتابية 5، القاهرة: دار لوغوس ودار الأكويني، 2021، ص 750. [🡁]
  21. رسالة بولس الثانية إلى كورنثوس 3: 12-18 [🡁]
  22. رايموند براون، مدخل إلى العهد الجديد، ترجمة: نيكلس نسيم، سلسلة آفاق كتابية 5، القاهرة: دار لوغوس ودار الأكويني، 2021، ص 736. [🡁]
  23. ديفيد دي سيلفا، مقدمة للعهد الجديد ج2، ترجمة: القس الدكتور بيار فرنسيس، لبنان: دار منهل الحياة، 2014، ص 215. [🡁]

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي 0 حسب تقييمات 0 من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

‎ ‎ جزء من سلسلة: ‎ ‎ الموقف من الناموس الموسوي[الجزء السابق] 🠼 الموقف من الناموس في رسالة غلاطية
أنطون جرجس
بكالوريوس اللاهوت اﻷرثوذكسي في    [ + مقالات ]

صدر للكاتب:
ترجمة كتاب: "الثالوث"، للوس أسقف هيبو [٢٠٢١]
كتاب: عظات القديس على سفر الجامعة [٢٠٢٢]
ترجمة كتاب: "ضد "، للقديس غريغوريوس النيسي [٢٠٢٣]
كتاب: الطبيعة والنعمة بين الشرق والغرب [٢٠٢٣]
كتاب: مونارخية الآب في تعليم آباء الكنيسة [٢٠٢٤]