- موقف بولس الرسول من الناموس
- المنظور الجديد لبولس الرسول
- انتقادات المنظور الجديد لبولس الرسول
- المنظور القديم لبولس الرسول [۱]
- المنظور القديم لبولس الرسول [۲]
- ☑ المنظور القديم لبولس الرسول [٣]
في الجزئين السابقين بدأنا الحديث عن مجموعة من الباحثين الأكاديميين المعاصرين في الدراسات الكتابية يتبنُّون المنظور القديم لبولس الرسول الذي نشأ مع حركة الإصلاح البروتستانتي، ويُعد تحليل ستيڤن وسترهولم لرؤية بولس للناموس الموسويّ تأكيدًا على الرؤية الإصلاحية التقليدية، وهو مُعارِض قويّ لما يُعرف بـ”المنظور الجديد لبولس“. حيث يرى وسترهولم أن نقد بولس للناموس ينبع من حقيقة أنها لا تستطيع منح البرِّ، ليس بسبب خلَّل فيها، بل لأن البشرية، بما في ذلك اليهود، عاجزةٌ بشكلٍ عامٍ عن اتمام مطالبها. بالتالي كانت الوظيفة الأساسية للشريعة هي إظهار وإدانة هذا الفشل البشريّ [1].
خلافًا للمنظور الجديد الذي يُركِّز على أن بولس عارض فقط ”أعمال الناموس“ كعلامات فارقة كالختان، يُصرُّ وسترهولم على أن اعتراض بولس كان على الفكرة الكاملة بأن الناموس هو طريق للبرِّ من خلال العمل. كما يُؤكِّد وسترهولم أن عقيدة التبرير بالإيمان تعني تبرئة الخاطئ وإعلانه بارًا في نظر الله، بمعزل عن أعمال الناموس. ويجادل وسترهولم بأن بولس لا يعتبر الناموس الموسويّ مصدرًا للتوجيه الأخلاقيّ للمسيحيين، بل بدلًا من ذلك، يتمُّ إرشاد السلوك المسيحيّ بناموس المسيح [2]، الذي يتحقَّق بقوة الروح القدس ويتلخَّص في وصية المحبة [3]، [4]، [5].
يُقدِّم فرانك ثيلمان رؤية دقيقة تتعامل مع اللاهوت المصلح التقليديّ والمنظور الجديد لبولس، حيث تعتمد مُقاربة ثيلمان الأساسية على السياق في رسائل بولس الرسول، ويُحلِّل تصريحات بولس حول الناموس ضمن الحجة الخاصة بكل رسالة، ويُؤكِّد ثيلمان أن رؤية بولس للناموس تظلُّ مُتماسِكةً عند فهمها في سياق العهد الجديد في المسيح. فعلى الرغم من أن ثيلمان كان يرى أن لعنة الناموس هي فقط التي تمَّت إزالتها، إلا أن ثيلمان غيَّر رأيه لاحقًا ليُجادِل بأن العهد الموسويّ والناموس نفسه قد توقفا مع مجيء المسيح.
يُحلِّل ثيلمان دور الناموس حسب السياق في رسائل بولس المختلفة، فيُصرُّ ثيلمان على أن بولس يُعارِض بشدةٍ استخدام الناموس كطريقٍ للتبرير، أي إعلان الشخص بارًا أمام الله. يتفق ثيلمان هنا مع الرأي التقليديّ الذي يرى أن مُعارِضي بولس كانوا يضعون ثقتهم في الأعمال.
كما يُسلِّط ثيلمان الضوء على الطبيعة المؤقتة للعهد الموسويّ، حيث يزول العهد القديم في ضوء العهد الجديد [6]. ويرى ثيلمان أنه في الرسائل التي لا تدور حول التبرير، يستخدم بولس الجوهر الأخلاقيّ للناموس للحث على النقاوة والقداسة المسيحية. وهكذا يُشدِّد ثيلمان على أن الناموس الموسويّ قد تمَّ تجاوزه، لكنه لم يُهجَر لأن المسيح قد أتى بمعيارٍ أخلاقيٍّ جديدٍ. حيث يعيش المؤمنون تحت ”ناموس المسيح“ [7]، وناموس المسيح هو المعيار الأخلاقيّ لله الذي يتحقَّق بواسطة الروح القدس، ويتلخَّص في وصية المحبة. إن المعايير الأخلاقية للناموس الموسويّ مُدمَجةٌ إلى حدٍّ كبيرٍ في ناموس المسيح، ولكن الناموس الموسويّ نفسه، وخاصةً مُتطلباته الطقسية والعهدية، لم تعد مُلزِمةً للمسيحيين [8].
يُعد تحليل دوجلاس مو لرؤية بولس للناموس الموسويّ دفاعًا مهمًا عن الرؤية الإصلاحية التقليدية ضمن إطار تاريخ الخلاص، وتوجد أفكاره حول هذا الموضوع بشكلٍ رئيسيّ في تفاسيره لرسالتي رومية وغلاطية، ومقالته بعنوان ”ناموس المسيح كإتمام لناموس موسى“. يحاول مو بأن العهد الجديد ينظر إلى الناموس الموسويّ على أنه محالٌ إلى الفترة التي سبقت مجيء المسيح، الذي يُعتبر نقطة التحوُّل الحاسمة في تاريخ الخلاص. يُؤكِّد مو على التقسيم الزمنيّ التاريخيّ لخطة الله. فعلى الرغم من استمرارية خطة الله، إلا أنها تتكشف عبر مراحل مُتميِّزة. ينتمي الناموس الموسويّ إلى مرحلة عهدية مُحدَّدة تمَّ تجاوزها الآن. ولأن الناموس الموسويّ هو وحدة غير قابلة للتجزئة، فإن العهد الجديد في المسيح يؤدي إمَّا إلى تحرُّر كامل من النظام بأكمله أو خضوع كامل له.
ويخلص مو إلى أن الناموس الموسويّ بأكمله لم يعد ملزمًا للمسيحيين. يفسر مو [9] ”المسيح هو غاية الناموس“ بأن المسيح هو الإنهاء للشريعة كمعيار عهديّ للحصول على البرِّ. ويرى مو أن الجوهر الأخلاقيّ للناموس الموسويّ قد تمَّ إعادة تأسيسه باعتباره ”ناموس المسيح“ [10]. ناموس المسيح هو المعيار الأخلاقيّ الجديد للمؤمنين، الذي يتحقَّق من خلال الروح القدس، ويتلخَّص في المحبة [11]. وهكذا تظلُّ الوصايا الأخلاقية المضمَّنة في الناموس الموسويّ ذات صلة، ويتمُّ نقلها إلى العهد الجديد لأنها تعكس مشيئة الله الأبدية. حيث يستخدم بولس الناموس في القضايا الأخلاقية كما في [12]. بينما يتفق مو، في تعامله مع المنظور الجديد لبولس، مع التأكيد التقليديّ بأن الوظيفة السلبية الأساسية للناموس هي الإدانة. فلا يمكن للناموس أن يُبرِّر أحدًا بسبب ضعف الطبيعة البشرية الخاطئة [13]، بالتالي الغرض من الناموس هو الكشف عن عمق الخطية الفردية، مما يقود الفرد إلى المسيح [14]، [15].
يتميَّز عرض مارك ألان سيفرايد لرؤية بولس للناموس الموسويّ بالدفاع القويّ عن الفهم المصلح التقليديّ للتبرير وانتقاد المنظور الجديد لبولس. حيث ينظر سيفرايد إلى الناموس في المقام الأول من منظور برِّ الله والضرورة المطلقة للإيمان بالمسيح من أجل التبرير. ويُؤكِّد سيفرايد أن الناموس الموسويّ يعمل كمطلب إلهيّ أبديّ لا يتغيَّر، ولكن بسبب الخطية البشرية، أصبح الناموس الآن مصدرًا للدينونة واللعنة. الشريعة أُعطِيَت بواسطة موسى لإسرائيل، وهي تُعلِن مُتطلبات الله للحياة في العالم الحاضر الساقط بكلماتٍ مكتوبةٍ، التي تُقدِّم الحياة والبركة بشرط الطاعة، والموت واللعنة لعدم الطاعة. أولئك الذين يعرفون الشريعة سيتمُّ الحكم عليهم بها [16].
ويُشدِّد سيفرايد على أن الناموس عاجزٌ على إحداث الطاعة التي يتطلبها. الناموس يُوفِّر معيارًا للبرِّ، لكن البشرية، بما في ذلك بولس قبل تحوُّله، لم تتمكَّن إلا من تحقيق البرِّ وفقًا للمعايير البشرية، ولكن ليس أمام الله وفي القلب [17].
يُجادِل سيفرايد بأن بولس يرى الناموس باستمرارٍ فيما يتعلَّق بعمل التبرير الإلهيّ في المسيح. فالناموس في العهد القديم يقف الآن مثل يوحنا المعمدان في حضرة المسيح. وهكذا عليه أن يخضع للأعظم الذي أتى، وهذا يُؤكِّد أن الغرض الحقيقيّ للناموس، في التاريخ الخلاصيّ، هو الإشارة إلى المسيح [18].
ويُعارِض سيفرايد بشدةٍ وجهة نظر المنظور الجديد لبولس التي تقول بأن ”أعمال الناموس“ عند بولس تُشِير فقط إلى علامات الهوية العرقية كالختان ونواميس الطعام وحفظ السبت. ويُجادِل سيفرايد بأن استخدام بولس للناموس/الشريعة يُشِير بالأساس إلى التشريع الموسويّ ككل، الذي يحتوي على مطالب الله. ويرى أن ”أعمال الناموس“ هي ببساطةٍ أعمال الطاعة التي تتطلبها الشريعة. بالنسبة لبولس، المشكلة ليست في سعي اليهود للانضمام إلى المجتمع عبر علامات الحدود، بل في سعيهم لتأسيس برهم الخاص من خلال الطاعة، بدلًا من الخضوع لبرِّ الله الموجود في المسيح [19].
ويُؤكِّد سيفرايد أن مجيء المسيح يُغيِّر جذريًا وضع الناموس ودوره، مما يؤدي إلى تجاوزه داخل الإنجيل. فقد تمَّ إتمام الشريعة في الإنجيل [20] ونظام الشريعة كقانون غائب في التعليم الأخلاقيّ لبولس، وحيثما تظهر الأوامر الأخلاقية، فإنها تظهر في شكل الإنجيل، الذي استوعب فيه الشريعة وتجاوزها [21]، وأن القوة الأخلاقية لمشيئة الله تتمُّ الآن من خلال شخص المسيح وعمل الروح القدس، وليس من خلال الناموس الموسويّ كقانونٍ مُلزِمٍ [22].
صدر للكاتب:
ترجمة كتاب: "الثالوث"، للقديس أوغسطينوس أسقف هيبو [٢٠٢١]
كتاب: عظات القديس غريغوريوس النيسي على سفر الجامعة [٢٠٢٢]
ترجمة كتاب: "ضد أبوليناريوس"، للقديس غريغوريوس النيسي [٢٠٢٣]
كتاب: الطبيعة والنعمة بين الشرق والغرب [٢٠٢٣]
كتاب: مونارخية الآب في تعليم آباء الكنيسة [٢٠٢٤]
![المنظور القديم لبولس الرسول [٣] أنطون جرجس](https://tabcm.net/media/2021/12/%D8%A3%D9%86%D8%B7%D9%88%D9%86-%D8%AC%D8%B1%D8%AC%D8%B3-1-150x150.jpg)