- موقف بولس الرسول من الناموس
- المنظور الجديد لبولس الرسول
- انتقادات المنظور الجديد لبولس الرسول
- المنظور القديم لبولس الرسول [۱]
- ☑ المنظور القديم لبولس الرسول [۲]
في الجزء السابق بدأنا الحديث عن مجموعة من الباحثين الأكاديميين المعاصرين في الدراسات الكتابية يتبنُّون المنظور القديم لبولس الرسول الذي نشأ مع حركة الإصلاح البروتستانتي، ويمكننا الإشارة أيضًا إلى رأي الباحث الكتابيّ المعروف تشارلز هارولد دود تشارلز هارولد دود الذي يرى أن بولس لم يكن معاديًا للناموس، بل رأى أن التزامه قد انتقل من ناموس موسى (التوراة) إلى”ناموس المسيح“. وجادل دود بأن بولس اعتبر الجوهر الأخلاقيّ للشريعة أبديًا، ولكن شكلها المحدَّد كعهد موسويّ قد تجاوزه حدث المسيح.
وهكذا يُوضِّح دود في كتابه ”الإنجيل والناموس“ موقف بولس الرسول من الناموس الموسويّ، حيث جادل دود بأن تحرُّر بولس من ناموس موسى لم يكن انتقالًا إلى الانفلات من الناموس، بل كان تحوُّلًا إلى ولاء ومعيار جديدين أي ”ناموس المسيح“ [1]. ويُشِير دود إلى (رسالة بولس اﻷولى إلى كورنثوس 9: 21 )) حيث يقول بولس: لستُ بدون ناموس لله، بل تحت ناموسٍ للمسيح
، ويشرح دود أن ”ناموس المسيح“ هذا لم يكن تدوينًا ناموسيًا جديدًا، ولكنه في الأساس وصية المحبة [2]، التي هي تحقيق القصد الأخلاقيّ لناموس موسى. إنه ”ناموسٌ“ من نوعٍ مختلفٍ، يهتم في المقام الأول بجودة الفعل واتجاه حياة المسيحيّ مدفوعًا بالروح القدس.
كما أكَّد دود على التمييز التقليديّ للإصلاح البروتستانتيّ بين الناموس والإنجيل فيما يتعلَّق بالتبرير أي الإعلان عن البرِّ، لكنه رأى أن للناموس وظيفة أخلاقية في الحياة المسيحية. فقد رأى بولس ناموس موسى على أنه نظامٌ مؤقتٌ، مربي أو مُؤدِّب كما في [3] أدى غرضه حتى مجيء المسيح. فقد تمَّ إلغاء أو إبطال ناموس موسى، لا سيما جوانبه الاحتفالية والمدنية، بموت المسيح وقيامته.
ومع ذلك، فإن الجوهر الأخلاقيّ للناموس يتمُّ الحفاظ عليه والتعبير عنه من خلال حياة المحبة التي يقودها الروح القدس. بينما أصبح العهد الموسويّ ككل باليًا، إلا أن بولس استمر في النظر إلى الشريعة نفسها على أنها مُقدَّسةٌ وعادلةٌ وصالحةٌ [4].
ويُؤكِّد تفسير دود أن بولس لم يكن يرفض المعيار الأخلاقيّ لله، بل كان يرفض استخدام الشريعة كطريقةٍ للخلاص أو كوسيلةٍ لتحقيق البرِّ بمعزل عن الإيمان بالمسيح. فبالنسبة للمؤمن، يتمُّ تحقيق المتطلبات الأخلاقية للشريعة ليس عن طريق الطاعة الحرفية، ولكن عن طريق عيش حياة ”بحسب الروح“ [5]. [6]، [7]
ويرى أوسكار كولمان أيضًا أن الكتاب المقدَّس يصف جدولًا زمنيًا خطيًا ومُتواصلًا لأعمال الله الخلاصية، حيث يُعتبر حدث المسيح، موت يسوع وقيامته، هو نقطة المنتصف الحاسمة ونقطة التحوُّل في التاريخ كله. فبالنسبة لكولمان، يجب فهم نظرة بولس لناموس موسى في سياق هذا الجدول الزمنيّ. تتمثَّل مساهمة كولمان الأساسية في تحديد دور الناموس ليس من خلال التباين المنهجيّ، الناموس مُقابل الإنجيل، بل من خلال وظيفة الناموس الزمنية في خطة الله. فالناموس لم يُلغَ، بل تجاوزه الزمن، فقد كان ناموس موسى إعلانًا إلهيًا حقيقيًا وضروريًا وُجِدَ في الفترة التي سبقت حدث المسيح الحاسم.
كان الناموس جزءًا من الخطة المتكشفة. ولكن مع المسيح، مرَّ مركز الجدول الزمنيّ. ولذلك، فإن وظيفة الناموس كعلامة عهد أو كوسيلة للبرِّ تجاوزها الزمن لأن الحقيقة النهائية التي أشار إليها، أي المسيح، قد وصلت. وهكذا ينتمي الناموس إلى الجزء الذي تمَّ بالفعل من تاريخ الخلاص، لكن الجزء الذي لم يتمَّ بعد يحكمه الآن الروح القدس والعهد الجديد. وهكذا يُنظَر إلى الناموس على أنه مرحلةٌ مؤقتةٌ في عملية الخلاص، ضروريةٌ لوقتها، ولكنه لم يعد بعد العهد الفاعل لمَن هم ”في المسيح“.
كما يُوضِّح كولمان تصريحات بولس المعقَّدة، التي قد تبدو مُتناقضةً حول الناموس، بالتركيز على الخريستولوچي. فالمسيح هو التحقيق للناموس. حيث يرى بولس المسيح أنه غاية الناموس [8]. وبالنسبة لكولمان، هذا يعني أن المسيح هو نقطة النهاية للناموس في وظيفته كطريق حياة مُؤدِي إلى البرِّ. وهكذا يُنظَر إلى استخدام بولس المتكرِّر للعهد القديم على أنه يُوضِّح كيف أن الأحداث التاريخية لحياة المسيح وعمله هي تحقيق الوعود الإلهية القديمة، بالتالي التحقُّق من الاستمرارية التاريخية للجوهر الأخلاقيّ للناموس مع إبطال جوانبه الاحتفالية والقانونية المؤقتة.
باختصارٍ، يُجادِل كولمان بأن بولس نظر إلى الناموس كبناءٍ إلهيٍّ، لكنه مؤقتٌ، ضمن التطوُّر الخطيّ لخطة الله، وهو بناءٌ أصبح باليًا فيما يتعلَّق بالتبرير وعضوية العهد بوصول نقطة المنتصف في التاريخ، يسوع المسيح. [9]
ويُقدِّم چوزيف أ. فيتزماير عرضًا دقيقًا لنظرة بولس لناموس موسى، مُعتمِدًا بشكلٍ كبيرٍ على تعليقه على رسالة رومية وعمله النظاميّ بعنوان ”بولس ولاهوته: لمحة موجزة“. وتتلخَّص نظرة فيتزماير في أن بولس يُميِّز بين الجوهر الأخلاقيّ الإلهيّ والدائم للناموس ووظيفته الطقسية المؤقتة كهيكلٍ عهديٍّ تمَّ تجاوزه بواسطة المسيح. كما يُقاوِم فيتزماير كلًا من النظرة المتطرفة المعادية للناموس ووجهة نظر ”المنظور الجديد لبولس“ التي تعتبر أن المشكلة الوحيدة للناموس هي ”علامات التمييز“ فقط.
ويُؤكِّد فيتزماير أن بولس لم يرفض أبدًا السلطة الأخلاقية للناموس. فالناموس، كتعبير عن مشيئة الله المقدَّسة والصالحة، يظلُّ صالحًا للمسيحيّ، ولكن يجب تحقيقها بقوة الروح القدس، وليس بالجهد البشريّ لكسب التبرير. [10]
وفي تفسيره لرسالة بولس إلى رومية 7: 12، يُؤيِّد فيتزماير الرأي التقليديّ بأن بولس يرى الشريعة ”مُقدَّسة وعادلة وصالحة“، وأن المشكلة لا تكمن في الشريعة نفسها، بل في خطية البشر. [11]
وهكذا يتمُّ تمكين المسيحيّ من تحقيق المتطلبات العادلة للناموس من خلال الروح القدس الساكن فيه. [12]، [13]
ويشرح فيتزماير [14]، مجادلًا بأن إنجيل بولس بالإيمان لا يُبطِل الناموس، بل يُثبِّته في وظيفته الصحيحة. فالمسيح هو تيلوس Telos أو غاية الناموس [15].
يتناول فيتزماير العبارة الحاسمة في رومية [16]: لأن الغاية هي المسيح لبرِّ كل مَن يؤمن
. ويرفض فيتزماير التفسير المبسَّط لكلمة ”غاية“ على أنها مجرَّد توقف، ويُفضِّل معنى مزدوج يُسلِّط الضوء على دور المسيح الحاسم: فقد تمَّ إنهاء الشريعة كوسيلة للتبرير، قد تمَّ إنهاء وظيفة الناموس بشكلٍ قاطعٍ كطريقةٍ لتحقيق البرِّ أمام الله. فالمسح هو الغاية والهدف الذي أشار إليه الناموس. إنه ذروة وتحقيق خطة الله للخلاص، مما يجعل الوظيفة المؤقتة للناموس بالية. [17]
ويُوافِق فيتزماير على أن ”أعمال الناموس“ تشمل علامات العهد المحدَّدة كالختان ونواميس الطعام وحفظ السبت، التي ميَّزت اليهود عن الأمم. ولكنه يحافظ على توازن مع الرأي التقليديّ، فبينما يُقرُّ فيتزماير بوظيفة الناموس كعلامة على الهوية، وهي نقطةٌ رئيسيةٌ في المنظور الجديد لبولس، إلا أنه يُصرُّ على أن حجة بولس في رسالتي غلاطية ورومية تدور بالأساس حول الخلاص والتبرير. ويرى أن ”أعمال الناموس“ تشمل أيّ مجهود بشريّ لأداء الناموس بطريقةٍ تستحق الرضا الإلهيّ أو تُكمِّل برَّ المرء [18].
ويُنظَر إلى رؤية بولس للناموس ضمن النطاق الأوسع لتاريخ الخلاص، فقد أُعطِيَ الناموس لإسرائيل كمربٍ مؤقت حتى مجيء المسيح (غل 3: 24). وكانت وظيفته كشف الخطية، وبالتالي إعداد إسرائيل لمجيء الإيمان. وهكذا يضع تفسير فيتزماير بولس بوضوحٍ في موقف حيث يتمُّ فيه الحفاظ على السلطة الأخلاقية للناموس ليتمَّ تحقيقه بالروح القدس، ولكن يتمُّ إنهاء هيكله العهديّ وقدرته على التبرير بشكلٍ قاطعٍ بواسطة عمل المسيح الخلاصيّ [19].
يُقدِّم توماس ر. شراينر رؤية مفادها أن ناموس موسى قد وجد كماله في المسيح، وأنه انتهى كنظامٍ عهديٍّ للتبرير، لكن تستمر مبادئه الأخلاقية في إطارٍ مُحدَّدٍ. ويرى شراينر أن الشريعة الموسوية خدمت أغراضًا مهمةً، مثل: الكشف عن الخطية، والإشارة إلى المسيح. ولكنها لم تعد المعيار العهديّ للمسيحيين. لقد انتهى العهد الموسويّ بأكمله كنظام للتبرير، مع التأكيد على الوصايا الأخلاقية في ناموس المسيح [20].
ويُجادِل شراينر في شرح رومية [21] بأن كلمة ”غاية“ تعني كلًا من ”هدف“ و”نهاية“، مما يُشِير إلى نهاية الناموس كطريق للبرِّ. [22] ويُؤكِّد شراينر على الصلاحية الدائمة للمبادئ الأخلاقية للناموس الموسويّ كما تتحقَّق بالروح في العهد الجديد، واستمرارها في ناموس المسيح [23].
يرى شراينر نهاية الناموس كنظامٍ عهديّ، ويُشِير إلى أن ”الجسد“ مُرتبِطٌ بالعهد القديم، على عكس عصر ”الروح“ الجديد (رومية 8). ويُؤكِّد شراينر أن المسيح أكمل الشريعة [24].
صدر للكاتب:
ترجمة كتاب: "الثالوث"، للقديس أوغسطينوس أسقف هيبو [٢٠٢١]
كتاب: عظات القديس غريغوريوس النيسي على سفر الجامعة [٢٠٢٢]
ترجمة كتاب: "ضد أبوليناريوس"، للقديس غريغوريوس النيسي [٢٠٢٣]
كتاب: الطبيعة والنعمة بين الشرق والغرب [٢٠٢٣]
كتاب: مونارخية الآب في تعليم آباء الكنيسة [٢٠٢٤]
![المنظور القديم لبولس الرسول [۲] أنطون جرجس](https://tabcm.net/media/2021/12/%D8%A3%D9%86%D8%B7%D9%88%D9%86-%D8%AC%D8%B1%D8%AC%D8%B3-1-150x150.jpg)