سوف نتناول في هذا الجزء وعلى مدار عدة أجزاء قادمة، المنظور القديم والمنظور الجديد لبولس الرسول في الدراسات الكتابية الأكاديمية الحديثة والمعاصرة، وهذا سيكون مدخلًا قويًا لنا لفهم موقف بولس الرسول الحقيقيّ من الناموس الموسويّ واليهودية عامةً.
حيث اجتازت الدراسات البولسية في نوعٍ من التغيير النموذجيّ خلال الربع الأخير من القرن العشرين، ويرجع الفضل في ذلك بشكلٍ أساسيّ إلى البصيرة الثاقبة وإلى طاقات أولئك الذين يُروِّجون لوجهة نظر جديدة حول بولس واليهودية المبكرة.
تولَّدت وجهة النظر الجديدة هذه من اعترافٍ بأن مُعظم تفسير بولس واليهودية في العصر الحديث قد تشوَّه من خلال التأثير المستمر لتفسير لوثر لبولس بوجه الستارة الخلفية للكثلكة التي دعت للأعمال الجديرة بالمكافأة كوسيلةٍ لتحقيق الخلاص. في كتابات لوثر، أصبحت اليهودية شكلًا ناموسيًا ظاهريًا خاليًا من النعمة، مُغايرًا لديانة بولس التي تفيض بالنعمة والروح والمحبة.
رغم أن بعض الدارسين قد سبقوا ودافعوا عن كون اليهودية أيضًا ديانة نعمة، ولكن إد باريش ساندرز هو الذي لفت الانتباه الشامل لهذا المفهوم. لقد أظهر باستمرارٍ أن اليهودية المبكرة، بكل تنوعها، كانت ديانة نعمة. فاختيار إسرائيل كان عمل نعمة إلهية؛ إعطاء التوراة، العهد الذي ربط الله وإسرائيل معًا، كان أيضًا عمل نعمة إلهية.
لم يكن يُفهَم العمل بالناموس كوسيلةٍ يمكن من خلالها كسب عطف الله، بل كالتجاوب الملائم لعطف الله الذي سبق وأُعطِيَ في الاختيار وفي العهد. كان لهذا علاقة بصيانة حالة الاختيار الممنوحة من الله، وليس باكتساب هكذا حالة. وعلاوة على ذلك، كان الله قد وفَّر بسخاءٍ حلًا للفشل في حفظ العهد بواسطة الذبائح، وهكذا ظلَّ الغفران والمصالحة مُتوفِّرين.
تُظهِر تدابير مثل هذه أن أداءً بلا عيبٍ لم يكن مُتوقَّعًا. وصف ساندرز اليهودية بكونها ديانة ”الناموس العهديّ“، أي تنظيم الحياة بناموسٍ في إطار علاقة عهدٍ مغدقة ومُصانة بالنعمة. [1].
فكيف يمكننا إذًا أن نفهم مُجادلات بولس ضد اليهودية في ضوء وجهة النظر الجديدة. وهنا برزت نظرةٌ ثاقبةٌ هامةٌ، وهي أن بولس لا يضع النعمة بالتناقض مع الأعمال الصالحة بأيّ شكلٍ من الأشكال. [2] بل بالأحرى، الأعمال التي استهدفتها مُجادلة بولس، التي عُبِّرَ عنها غالبًا بشكلٍ أكمل بعبارة ”أعمال الناموس“، تضمَّنت فرائض العهد تلك، التي ارتبطت بشكلٍ وثيقٍ بإسرائيل تحت التوراة – المؤدِّب والحارس الذي مضى زمانه [3].
يُشكِّل الاستمرار في ”أعمال الناموس“ مشكلةً لأن القصد من هذه النواميس كان بشكلٍ أساسيّ تمييز الشعب اليهوديّ عن الأمم [4].
البقاء مُقدَّسين للربِّ كان يعني البقاء في حالة التميُّز والانعزال عن الناس الذين لم يعيشوا بحسب التوراة، أي الأمم، وغالبًا اليهود غير المتدينين. النتيجة الطبيعية المباشرة للتمايُّز كانت الافتخار الوطنيّ بالتوراة كعلامةٍ على عطف الله الخاص تجاه اليهود (ومن هنا جاء انتقاد بولس الشديد اللهجة للاعتماد على الجسد وللافتخار بالناموس).
كانت هذه مشكلة لبولس، لأنه مع موت يسوع وقيامته، أظهر الله رغبته بتوسيع الوعد والبركة لتشمل كل الأمم، وهو أمرٌ حظَّرته الغيرة للتوراة قطعًا. في مرحلةٍ كهذه من تاريخ الخلاص، الإصرار على ”أعمال الناموس“ يعمل ضد مقاصد الله للعصر الحاضر. خلال محاولة البقاء أوفياءً للناموس، فإن اليهود غير المسيحيين والمسيحيين المتهودين قد خانوا حقًا الناموس، غير مُدرِكين أن هدفه قد تحقَّق بمجيء المسيح.
كان إصرارهم على أعمال التوراة يعني محاولتهم إعادة تشييد سياج العداوة المتوسط في وقت نقض الله هذا السياج في المسيح وفي سكب الروح القدس [5]، فكانوا يتحدُّون الله علانيةً بعملهم هذا. [6].
ولكن يرى ديفيد دي سيلفا أن وجهة النظرة الجديدة عن بولس قد حقَّقت عدة منافع لدراسة العهد الجديد واليهودية المبكرة. إلا أنها قد علَّمتنا أن نحاول فهم اليهودية المبكرة وفقًا لشروطها الخاصة بها، كشرطٍ مُسبقٍ لتفسير بولس.
ولقد أعطانا هذا سببًا كافيًا لنعيد فحص نظراتٍ قديمة العهد عن اللاهوت البولسيّ التي قد تكون لها علاقة أوثق مع مُجادلات عصر الإصلاح، مما لها من تحدي بولس ببعض التيارات في المسيحية اليهودية. ورغم أن بعض التصريحات التي نتجت عن وجهة النظر الجديدة هي أكثر تطرفًا مما يتطلبه البرهان، فإن هذا هو ما نتوقعه بالضبط، وستظهر جليًا عبر مناقشاتنا لرسالتي غلاطية ورومية. [7].
وقد أشار چيمس دَن، أحد مُؤسِّسي المنظور الجديد لبولس، إلى أن الجميع هي واحدةٌ من الكلمات المفتاحية في رسالة رومية، فالجميع تعني باستمرار اليهوديّ والأمميّ على حدٍّ سواء، والأمميّ كما اليهوديّ سواسيةً. [8].
كان هذا حقًا موضوعًا هامًا ليأخذه بولس على عاتقه في رسالة رومية. فلقد نظر الشعب اليهوديّ طويلًا إلى أنفسهم كمفروزين عن الأمم من قِبَل الله نفسه. ونظروا إلى حفاظهم على هذا التمايُّز، وعلى هذا الانفصال، كواجبٍ من قِبَلهم تجاه الله. الوكالة والوسيلة لصيانة هذا التمايُّز، علاوة على ذلك، كانتا مُتضمَّنتين في التوراة. حيازة التوراة أعطت إسرائيل امتيازًا وتقدُّمًا كبيرين على الأمم، وحفظ التوراة زوَّد إسرائيل بطريقة صيانة تمايُّزه [9].
العديد من المسيحيين اليهود استمروا بالإعلاء من شأن هذه الوصايا، حتى إلى نقطة الإصرار على وجوب أن يصبح الأمميّ أولًا جزءًا من شعب الله بواسطة الطقوس الموصَى بها في التوراة (مثل الختان). بالنسبة لهم، كان هناك تمييز بين اليهود والأمم في نظر الله، مع تفضيل ملحوظ للأول على الأخير!
”أعمال الناموس“ التي هاجمها بولس، تُمثِّل بالتالي مُحاولة اليهود والمسيحيين اليهود الحفاظ على التمايُّز بين اليهود والأمم بحفظ التوراة، الناموس بكل نواميسه التي ترسم الحدود مثل الختان، حفظ السبت، وقواعد المحلَّل والمحرَّم من الطعام، إضافةً إلى نواميسه الأخلاقية، بما أن هذه لا تزال تختصُّ بناموس إسرائيل، وتُشكِّل علامةً على انفصال اليهود عن الأمم [10].
صدر للكاتب:
ترجمة كتاب: "الثالوث"، للقديس أوغسطينوس أسقف هيبو [٢٠٢١]
كتاب: عظات القديس غريغوريوس النيسي على سفر الجامعة [٢٠٢٢]
ترجمة كتاب: "ضد أبوليناريوس"، للقديس غريغوريوس النيسي [٢٠٢٣]
كتاب: الطبيعة والنعمة بين الشرق والغرب [٢٠٢٣]
كتاب: مونارخية الآب في تعليم آباء الكنيسة [٢٠٢٤]
