عامل آخر كان له فعله وتأثيره في ارتباكات المشهد الفكري القبطي المعاش ـ ضمن ارتباكات المشهد المصري الأوسع ـ وفي تنامي ظاهرة الاحتراب بين الفرقاء، وهو تقنيات العالم الإفتراضي، التي تتنامي بشكل متسارع في السنوات الأخيرة وجعلت “المعلومة” في كل يد، واختلطت فيها المعلومات الصحيحة والمصنوعة، وحررت إمكانية التعبير وطرح الرؤى لتخرج النقاشات من الدوائر المتخصصة ومن الإطار البحثي، إلى قارعة طريق تتشابك فيه السياسة مع الثقافة السماعية مع المصالح الشخصية مع الصراعات الضيقة.
وتتكرر لحظة الصدمة الحضارية التي تحدث مع كل اشتباك بين واقع منغلق وبين ما يفد إلينا من العالم الأول، خاصة فيما يتعلق بالموروث المستقر لعقود وقرون، حدث هذا مع الحملة الفرنسية على مصر (1798 ـ 1801م)، ومازلنا نذكر كيف تعالت الدعوات لله وقتها ليعيننا على مواجهة هذا المجهول “يا خفي الألطاف نجنا مما نخاف” وكيف اشتعلت دعوات عاتية ترفض كل منجزات الغرب ولعل أبرزها مشروعات تنقية المياه وتعبيد الطرق، باعتبارها خروجًا عما وقر عندنا بل وذهب المناهضون لها إلى الاحتماء بنصوص دينية تؤكد أنها رجس من عمل الشيطان، وكان قبولها والتعاطي معها بفعل فتاوى أكثر انفتاحًا تقرها وتقبلها.
مبادرات اﻹصلاح
تتحول إرهاصات الاستفاقة إلى فعل على الأرض مع بدايات القرن العشرين، عبر محاولات فردية متوالية، تتبلور إلى فعل مؤسسي عندما يطرح حبيب جرجس فكرة تأسيس “منظومة تعليمية تطوعية للأطفال والنشء” على البابا كيرلس الخامس الذي يقرها ويدعو الكنائس لدعمها، وما أن ينتصف القرن حتي يكون لدى حبيب جرجس كتيبة من الشباب، شكّل منهم اللجنة العليا لمدارس الأحد، وهم الذين قادوا الكنيسة فيما بعد خدامًا وشمامسة ووعاظًا وكهنة وأساقفة، وجاء البابا شنودة من صفوفها.
كانت الفكرة محاكاة لمثيلتها التي جاءت بها الإرساليات الغربية، وعندما استقر بها المقام بمصر شكلت صدمة حضارية بما تحمله من أدوات تعليمية وإمكانات تواصل تقنية حديثة بمقاييس عصرها، ربما أبرزها الصورة المطبوعة التي تترجم أحداث وقصص وشخوص الكتاب المقدس وتوزع على الأطفال وفي البيوت، وآلة عرض سنيمائية؛ بروجكتور، تعرض شرائح مصورة لأحداث الكتاب المقدس مصحوبة بشرح مبسط، ووفرت الكتاب المقدس مطبوعًا بالعربية بمطابع لبنان، بالتوازي جاءت الإرساليات بمنظومة مدارس ومستشفيات تقدم خدماتها لكل المصريين.
وفي رد فعل إيجابي، بجوار إنشاء منظومة مدارس الأحد، وقبلها بسنوات قليلة، ينتبه البابا كيرلس الرابع لأهمية إنشاء مدارس نظامية قبطية تشرع أبوابها لكل المصريين، ويتيحها للبنات بجوار الفتيان، قبل دعوة قاسم أمين بنحو ثلاثين سنة، بل ويستقدم ثالت مطبعة كبرى، بعد مطبعة محمد علي والمطبعة الأميرية، لتوفير الكتب الكنسية الطقسية والتعليمية، ويستقبلها بالميناء استقبال البطاركة.
لم يكن المشهد على الأرض نموذجيًا أو طوباويًا، فقد كان الشارع المصري يموج بتفاعلات عديدة بفعل ضغوطات التراجع الحياتي الذي يقترب من دوائر التخلف التي خلفتها أحقاب الاحتلالات غير المنقطعة، وبالأكثر قرون الخلافة العثمانية الثلاثة، ومحاولات ملأ فراغ سقوطها، 1923، وكان تأسيس جماعة الإخوان المسلمين، 1928، أبرزها وأكثرها تنظيمًا، ومنها تشكلت تيارات الإسلام السياسي التي تغلغلت في الحالة السياسية، ولم يكن الأقباط بعيدون عن استهدافاتها، بل كانوا في القلب منها باعتبارهم الكتلة الصلبة المعوقة لاستكمال مشروعها، وهو ما توثقه أحداث النصف الثاني من القرن العشرين وبخاصة سبعينياته وما بعدها.
العمل اﻷهلي
لم تأت اليقظة القبطية بشكل مفاجئ، لكنها بدأت على الأرض مع مطلع القرن العشرين، وكانت واحدة من تداعيات تأسيس وإنشاء المدارس النظامية، بدأت بالمدارس الأميرية التي أنشأها الوالي محمد علي ثم مدارس الإرساليات الغربية ثم المدارس القبطية التي أنشأها البابا كيرلس الرابع والبابا كيرلس الخامس، بامتداد القرن التاسع عشر، إذ تخرج في هذه المدارس العديد من الشباب المصري الذين أكملوا مسيرتهم التعليمية في الجامعة المصرية (الجامعة الأهلية 1908م.)، وهم حملة شعلة التنوير في كافة المجالات، وتصدروا المشهد السياسي، ومنهم شباب قبطي راعه ما صار إليه حال الأقباط، والكنيسة، فذهبوا يؤسسون الجمعيات الأهلية وأخذت على عاتقها النهوض بالمجتمع المصري عامة والمجتمع القبطي بشكل خاص.
كانت البداية بمبادرة من المجلس الملي بطرح فكرة إنشاء جمعية أهلية مهمتها النهوض بالتعليم القبطي والكنسي وأسندوا هذه المهمة للأستاذ باسيلي بطرس المدرس بمدارس الأقباط الثانوية الذي ابتعثه المجلس الملي إلى كلية ليدز اللاهوتية بإنجلترا ليدرس نظم الجمعيات على نفقة المجلس الملي لمدة أربع سنوات، وعاد في 1907 بعد أن حصل على الدبلوم بتفوق، بعد عودته أسس جمعية “أصدقاء الكتاب المقدس” سنة 1908، وتولى رئاستها مرقس سميكة باشا، وينضم لعضويتها حبيب جرجس وإبراهيم بك تكلا، ويُختار باسيلى سكرتيرًا عامًا لها.
لم تكن جمعية دينية حصرًا بالمعنى المتداول اليوم، بل كانت جمعية مدنية (أهلية) تهتم بتكوين الشباب بشكل متكامل، فشرعت في توفير منازل للطلبة المغتربين في 1910، وابتكار ما نعرفه اليوم بالمؤتمرات الصيفية، عرفت باسم “خيام الأصدقاء” في 1912 للشباب والعائلات، تخصص لدراسة الكتاب المقدس والتأملات الروحية، تقام بضواحي القاهرة ـ وقتها ـ وعلى شاطئ النيل في أماكن متفرقة تمتد من شبرا إلى المعادي.
ومنها تتولد “مؤتمرات الأصدقاء” في 1915 وهي اجتماع سنوى يجمع كل فروع الجمعية يعقد في القاهرة أو في إحدى عواصم المحافظات بالتتالي.
وأسست الجمعية العديد من النوادي للشباب، يمارسون فيها هواياتهم الرياضية والفنية والأدبية والروحية، وكانت ترى أن رسالة النادي لا تقل عن رسالة الكنيسة بل وتتممها، ويتكامل معها، وأنشأت مصيفًا خاصًا بالأصدقاء. وتصدر الجمعية “مجلة الأصدقاء” لتكتمل المنظومة الثقافية لها.
وما هي إلا سنوات قليلة حتى يصبح شباب هذه الجمعية نجومًا على منابر الوعظ بالكنيسة، يملكون ناصية الشرح والتفسير، بلغة عربية رصينة، ووعي مسيحي متعمق، تبدأ معه الكنيسة في استرداد وعيها، وتظهر معهم “خدمة القرى” والكشافة وخدمة الكورال، مبكرًا.
كان الأستاذ حافظ داود (القمص مرقس داود فيما بعد) أبرز أعضاء الرعيل الأول لهذه الجمعية وتولى إدارتها بعد الرحيل المبكر لمؤسسها، وتقدم الجمعية للكنيسة جيلًا متميزًا من الخدام، منهم إبراهيم لوقا (القمص إبراهيم لوقا) المؤسس لكنائس وخدمة مصر الجديدة، والأراخنة الذين تركوا بصماتهم وأسسوا العديد من الجمعيات المدنية الأساتذة : عياد عياد، بانوب عبده، يسى عبد المسيح، شاكر خليل المعصراني، حليم بشارة، يونان نخلة، بشارة بسطوروس، بطرس رزق الله، جيّد جندى الفيزى. وقدمت الجمعية للكنيسة العديد من المطارنة والأساقفة والقمامصة والقسوس والرهبان والعلمانيون.
كانت جمعية الأصدقاء واحدة من طابور ممتد للجمعيات القبطية التي تعكس الدور العلماني المبكر ـ بعيدًا عن الصراعات ـ لإقالة الكنيسة من عثرتها، في مناخ عام يشهد مدًا مدنيًا مؤثرًا. نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر؛ جمعية الإيمان التي اهتمت بجانب النشاط الوعظي بإنشاء سلسلة من المدارس حملت اسم “مدارس الإيمان”، شملت المراحل التعليم قبل الجامعي، وجمعية التوفيق القبطية، وتأسست تحمل مهمة التوفيق بين البابا البطريرك وبين المجلس الملي، ومعها تأسست منظومة مدارس نظامية تحمل اسم مدارس التوفيق، وجمعية بيت مدارس الأحد التي تأسست لرعاية وتربية الأطفال اليتامى ووفرت لهم بيتا للإقامة الدائمة فيه، إضافة إلى إنشاء مطبعة لطباعة الكتب العامة والكنسية وعنها صدرت مجلة “مدارس الأحد” وشهدت العديد من أطروحات التوعية والإصلاح الكنسي. ثم جمعية المحبة التي اهتمت بنشر الكتب التعليمية والطقسية وأسست بجوار عملها الأهلي الروحي والاجتماعي مكتبة المحبة، أعرق المكتبات التي تنشر هذه الكتب.
صدر للكاتب:
كتاب: الإشكالية القبطية: رؤية من الداخل ١٩٩٨
كتاب: العلمانيون والكنيسة: صراعات وتحالفات ٢٠٠٩
كتاب: قراءة في واقعنا الكنسي: شهادة ورؤية ٢٠١٦
كتاب: الكنيسة.. صراع أم مخاض ميلاد ٢٠١٩
كتاب: كنيستنا القبطية إلى أين؟ ٢٠٢٦
