في هذه السلسلة من المقاﻻت نستعرض معا رحلة العلمانيون والكنيسة من الشراكة للتهميش للصراع، محاولين إيجاد حلول.
ماذا لو كان حبيب جرجس يعيش معنا اليوم؟ أين سيوجد وماذا سيكون دوره في الكنيسة؟
البداية: سؤال يتجاهله المؤرخون
هل كانت نهضة الكنيسة القبطية الحديثة ممكنة لو انتظر العلمانيون إذنًا ليتحركوا؟
عندما نتحدث عن نهضة الكنيسة القبطية في القرن العشرين، تتجه الأنظار عادة إلى البطاركة والأساقفة والرهبان. تُروى الحكاية غالبًا من أعلى إلى أسفل، فتظهر القيادة الكنسية في مقدمة المشهد، بينما يتراجع إلى الخلف أولئك الذين كانوا يتحركون في الصفوف الأولى من التعليم والخدمة والتثقيف والوعظ.
لكن التاريخ الحقيقي أعقد من هذه السردية المريحة.
لا أطرح السؤال رغبة في التقليل من دور الإكليروس، كما لا أكتبه من باب المقارنة أو المنافسة بين فئتين داخل الجسد الواحد. فالكنيسة ليست ساحة صراع بل جسد متكامل تتعاضد فيه المواهب والأدوار. لكن التاريخ يصبح ناقصًا عندما نتذكر نصفه وننسى النصف الآخر — وأحيانًا ننسى أكثر من النصف.
النموذج الأول: عندما كان العلماني قائدًا
لنبدأ من حيث يجب أن نبدأ: من النماذج.
إذا أردنا أن نكون منصفين مع تاريخنا، فلا يمكن أن نتحدث عن نهضة الكنيسة القبطية دون أن نتوقف طويلًا أمام اسم مثل القديس حبيب جرجس.
لم يكن أسقفًا. لم يكن كاهنًا. لم يكن راهبًا.
كان علمانيًا.
ومع ذلك أسس حركة مدارس الأحد الحديثة. لم يكن المؤسس الوحيد، لكنه كان الروح التي أعطتها اتجاهًا تربويًا متماسكًا. وقاد بنفسه تطوير التعليم الكنسي من مجرد حفظ صلوات إلى منهج متدرج ومُفكر فيه. وأشرف على إعداد أجيال كاملة من الخدام — لم تكن هذه أعمال هامشية أو مساعدة، بل كانت في قلب حركة النهضة نفسها.
من بين من خدموا تحت يديه، خرج أساقفة وبطاركة وقادة، شكلوا وجه الكنيسة في النصف الثاني من القرن العشرين.
ولم يكن حبيب جرجس وحيدًا.
بل إن كثيرًا من الشخصيات التي نذكرها اليوم باعتبارها أعمدة الكنيسة بدأت حياتها خادمة في مدارس الأحد. بعضهم اتجه فيما بعد للرهبنة أو أصبح من الإكليروس، لكن جذورهم كانت في العمل العلماني:
- نظير جيد (فيما بعد الأنبا شنودة أسقف التعليم ثم بطريرك الكرازة المرقسية)
- الراهب متى المسكين (الذي بدأ خادمًا قبل رهبنته)
- إيريس حبيب المصري
- عزيز سوريال عطية
- يوسف سيدهم
- بطرس بطرس غالي
- سلامة موسى
- عياد عياد
- إسكندر حنا
- غطاس بشارة
- فؤاد باسيلي
كانت النهضة في جوهرها مشروعًا شارك فيه الجميع. لم يكن هناك تمييز حاد بين “إكليروس” و”علمانيين” بالمعنى الذي نفهمه اليوم. كان هناك خدام بمختلف مواقعهم، يعملون معًا نحو هدف واحد. وكانت الكنيسة في تلك المرحلة أكثر قدرة على الاستفادة من طاقات أبنائها مهما اختلفت مواقعهم.
هذا لم يكن شيئًا نادرًا أو استثنائيًا. كان هو النموذج.
في الحلقة المقبلة سنتكلم عن كيف نشأ الصراع من البداية، ثم التحول المُسيطر، إلى دور الدولة والكنيسة في مأسسة الإكليروس، حتى اختفى دور العلمانيين خارج عباءة الإكليروس.
