يتكون كل مجتمع من مجموعات من البشر تتماثل أو تتقارب من بعضها البعض في السلوكيات والأبعاد الفكرية. هكذا سنجد أن الجماعات التي تكونت بين الشعب اليهودي لها هذه الصفات، كما سنرى عن قرب.
التنوع الكبير كان في القرن الأول الميلادي، بعد عودة الشعب من السبي الأشوري (722 ق.م.) والسبي البابلي (586 ق.م.)، فنتج عنه عدد من الجماعات التي اختلفت تسميتها إلى بدء تكوينها، مثل الركابيين والسامريين. كما حدث اضطراب ليس بقليل نتيجة ما عُرف بضياع الأسباط العشرة (أي من كانوا يسكنون في شمال إسرائيل).
ويمكن تقسيم هذه الجماعات حسب زمن تكوينها في المجتمع اليهودي هكذا:
أولًا: العهد القديم
1 – القينيون.
2 – الركابيون.
وهم أفراد من الأسباط الأجنبية انضمت إلى المجتمع اليهودي.
ثانيًا: العهد القديم والجديد
3 – السامريون: مجتمع خليط من إسرائيليين وكلدانيين ومستعمرين.
4 – النذيريون: وهم طبقة تحت نذر واحد، وهي ليست مذهب.
ثالثًا: العهد الجديد
بعض المجموعات لها صفة دينية، مثل:
5 – الفريسيون.
6 – الصدوقيون.
7 – الأسينيون.
وبعض المجموعات لها صفة الحرفية أو المهنية، مثل:
8 – الكتبة.
9 – الناموسيون.
وبعض المجموعات لها الصفة السياسية، مثل:
10 – الهيرودسيون: وهم حزب روماني.
11 – الغيوريون: وهم حزب يهودي.
12 – الجليليون.
وهناك جماعة اسمها:
13 – القتلة (!)، أو السيكاري (وهي جماعة سرية).
جماعات أخرى من اليهود:
14 – السنهدرين: وهم الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة.
15 – المبشرون: المتعبدون أو الأشخاص المخلصين.
16 – المستوطنون: وهم جامعي الضرائب.
17 – الهيلينيون: أي اليونانيون.
فلنبدأ في تتبع هذه الجماعات وكيف ظهرت إلى النور:
1 – القينيون
نقرأ عن القينيين إنهم من أولئك الساكنين في كنعان، في أيام أبرآم [1]. ويبدو إنه كان يشير إلى صائغي الفضة أو الذهب، أو شيء من هذا القبيل.
كانت هذه الفئة جماعة بدوية، ونقابلهم هناك في أرض مديان، في شبه جزيرة سيناء. هناك عاش موسى النبي، حيث تزوج موسى ابنة كاهن مديان [2]. وبعد زمن ما انضموا إلى نسل قطورة، ولكنهم بعد ذلك تبعوا الوجهة الإسرائيلية، متأثرين بلا شك بعلاقتهم بموسى عظيم الأنبياء ومعطي الناموس.
وبلعام في رؤيته يشير إلى خيام القينيين كأنها في طرف المعسكر الإسرائيلي [3]. وحتى يثرون كاهن مديان نزل لكي يتبع نسيبه موسى إلى كنعان، ولكن ابنه “هوباب” يبدو إنه بقي مع موسى بعد تردُّدٍ قليل [4].
وتلك العشيرة في نهاية المطاف احتلت البرية الواقعة في جنوب اليهودية، عائشين في الخيام، بالرغم من التقارب والتصاهر بينهم وبين المجتمع الإسرائيلي.
وكما تُملي عليهم الظروف، كانوا يتنقلون من بقعة إلى بقعة. فنتقابل مع إحدى المستوطنات في مرتفعات نفتالي، إلى الشمال، حيث ذُكرت عرضًا في المهمة الفذة التي قامت بها “ياعيل” [5]؛ وبعد ذلك يُذكرون كمنتشرين بين العمالقة في الجنوب [6]. وكان القينيون من ضمن أصدقاء داود حين هرب من شاول [7]، وكانوا في كل تلك الظروف مخلصين للديانة الإسرائيلية.
2 – الركابيون
بعد أيام داود الملك، لا نقرأ شيئًا عن جماعة القينيين، بل كل ما ذكر عن وجودهم هو انضمامهم إلى شعب بني إسرائيل. ربما وجودهم لم يسترعِ الانتباه لكونهم فرع صغير من عشيرة الركابيين.
وفي سفر أخبار الأيام الأولى 2: 55، توصف بعض العشائر من القينيين الساكنون في يعبيص (في جنوب اليهودية)، إنهم الخارجون من بني حَمَّة “أبي بيت ركاب”. وسواء كان “ركاب” اسم علم أم لقب يعني الراكب (أي السائق)، مشيرًا إلى وظيفتهم، فهذا غير واضح. فلم يُذكر لهم اسم علم خاص بهم في الكتاب المقدس. ولكن يهوناداب أو يوناداب هو ابن أو من ذرية ركاب، ويظهر في أيام قيام ياهو ضد عائلة أخآب [8]؛ حيث اتخذ موقفًا حاسمًا وقاطعًا في تحريم عبادة الأوثان [9].
وكما نرى في سفر إرميا 35 إن يوناداب عاد وجمع القينيين أو جزء منهم إلى مجتمع نسكي، مرتبطًا بعهود ألا يعيشوا في المدن ولا أن يبنوا بيوتًا ولا أن يزرعوا الأرض؛ بل أن يبقوا في الحياة البدوية، وخاصة أن يقلعوا عن الخمر والشراب المسكر.
أما في أيام نبوخذنصر، فقد كان اقتراب الجيوش البابلية كفيلًا بأن يجعلهم يهربون من خيامهم إلى الأمان داخل أورشليم.
وقد أُوحي إلى إرميا النبي بأن يختبر إخلاص الركابيين حتى يعطي شعب اليهود درسًا، إذ وضعوا أمامهم أقداح من الخمر في الهيكل، وكانوا مكرهين على الشرب، فرفضوا بشدة!! وينتهز النبي إرميا الفرصة لكي يؤكد لشعب اليهودية الدرس المطلوب بشدة عن الإخلاص للوصية! ومضيفًا إلى ذلك وعد الله أن الركابيين ينبغي أن “يقفوا أمامه” باستمرار، أي يخدموا أمامه في هيكله. وطبيعة هذه الخدمة يصعب تحديدها. ففي سفر أخبار الأيام الأولى 2: 55، يظهر الركابيون “ككتبة”. وفي تفسير النسخة السبعينية للمزمور رقم 71، يُعطَون مكانة مميزة أمام أفضل مغنيِّي إسرائيل.
ويبدو من تاريخ السبي أن الحياة البدوية قد انحسرت إلى حدٍّ ما، إذ نرى أن أحد أبناء بني ركاب قد اشترك مع الكهنة والخدام في بناء سور أورشليم [10].
وبالإضافة، فإنه في فترة متقدمة أخرى يكتب المؤرخ Hegesippus إن واحدًا من الكهنة، من بني ركاب المذكورين في سفر إرميا النبي
ينتقد بشدة جريمة استشهاد القديس يعقوب أخي الرب. [11]
وبالإجمال، فإنه يبدو بصفة مؤكدة إن مكانًا في الهيكل كان في حوزة هؤلاء أنسال القوم الأجانب والمتجولين. والتاريخ التالي للركابيين غير معروف، وأخبار الرحالة الذين يذكرون بعض ما وجدوا من آثار للركابيين يصعب القطع بها.
3 – السامريون
في الأيام الأخيرة من مملكة إسرائيل المنفصلة عن يهوذا، كانت العاصمة تسمَّى باسم “السامرة” وذلك دلالة على الأمة بكاملها [12]. وذلك الاسم ورد في العهد القديم في سفر ملوك الثاني 17: 24-41.
وقد كانت العبادات في هذه الأمة يغلب عليها العبادات الوثنية؛ وهي مكونة من المهاجرين من خمسة مقاطعات في آشور، أرسلهم آسرحدون، تحت حماية أحد جنرالاته، ليستعمروا المقاطعات التي هجرها الإسرائيليون. وفي الفترة المبكرة لاستيطانهم، كانت الأرض قد خربت بواسطة السباع (أي الأسود)، إذ كانت قفرة ومهجورة لفترة طويلة. هذا فسَّره المستعمرون بأنه إشارة إلى غضب “رب الأرض”، واستجابة لنداءاتهم بالرحمة أرسل لهم كاهن موثوق به لكي يعلمهم “قضاء إله الأرض”، فمكث في بيت إيل ولكن لم يعلمهم إلا أن يمزجوا عبادة الله مع تلك العبادة المتوارثة، أي التي للأصنام: كانوا يتقون الرب ويعبدون آلهتهم كعادة الأمم الذين سبوهم من بينهم
[13].
هذه الديانة المختلطة استمرت لعدة أجيال، ولكن عبادة الآلهة القديمة الآسيوية والبابلية يبدو إنها قد ماتت تدريجيًا وبلا شك، إلى حدٍّ ما، من تأثير البقية الإسرائيلية الباقية في الأرض – مثل هؤلاء الذين أتوا بعد تدمير أورشليم في القرن الثاني ق. م.، حيث أتوا من “شكيم” ومن شيلوه ومن السامرة ليسجدوا ويقدموا البكور على المذبح مع إخوتهم الذين من اليهودية
[14].
وهناك قرائن تؤكد أن الأحياء من الأسباط العشرة في فترة ما من الزمن، قد اندمجوا مع نسل المستوطنين الآسيويون، وأن السامريين كان لهم أصل إسرائيلي.
وحينما أمر كورش اليهود المسبيين في بابل أن يعودوا إلى أورشليم، في أيام نحميا، وجدوا عددًا كبيرًا من الشعب في الجزء الشمالي من المملكة، حيث كانوا يعبدون إله إبراهيم. وجاء هؤلاء إلى زربابل ونحميا ورفاقهم وأَبدَوا استعدادهم للمساعدة في بناء الهيكل. فما كان من هؤلاء القادة اليهود إلا أن رفضوا بشدة، إذ شعروا بخطر قبول هذا الشعب، بل وتأثيرهم على التحالف الإسرائيلي. بالتالي، عند رفضهم في المساعدة في بناء الهيكل، أصبحوا أكثر المعاندين لليهودية [15]. هذه العداوة بطلت في أيام نحميا أيضًا، حينما أزعج سنبلط الحوروني وطوبيا العبد العموني، أزعجوا اليهود بالمعارضات الخبيثة من كل نوع التي انتهت بعد ارتحال نحميا بالتقدم نحو صلح ظاهري. غير أن الحاكم الوطني والقدير “نحميا” حينما عاد من سفره، وجد أن طوبيا كان يُنصِّب المساكن في تخم الهيكل، وأن سنبلط أعطى ابنته زوجة لأكبر أولاد رئيس الكهنة. حينئذٍ كان من المستحيل على نحميا أن يتصالح مع أعداء شعب الله الأوائل. لأن ما عمله طوبيا وسنبلط العموني في الهيكل يعتبر تدنيسًا للهيكل شرعًا. حينئذٍ أصبح طوبيا والابن الأكبر لرئيس الكهنة مطرودين من الجماعة اليهودية [16].
ولكن يوسيفوس المؤرخ اليهودي المعروف، يذكر إن منسى أخو يادوا كان رئيسًا للكهنة (في العام333 ق. م.)، أي إن سنبلط آخر كان حمو منسى (أي أبو زوجته). وهكذا أخذ منسى هذا على نفسه خدمة الكهنوت في السامرة (حوالي 408 ق. م.)، مؤسسًا هناك مجتمعًا دينيًا منظمًا.
أما جبل جرزيم، المعروف عنه بالتأكيد منذ زمن بعيد كواحد من الأماكن المقدسة في فلسطين، فقد اختير كمركز للعبادة الجديدة وبتصريح من الملك الإيراني داريوس نوثوس حيث تكرس هناك مذبح للرب الإله.
وقد اعتمدت الطائفة السامرية على أسفار توراة موسى النبي وحدها كمرجع للإيمان الخاص بهم.
وهكذا شيئًا فشيئًا انفصل اليهود عن جبل جرزيم، وزادت الفُرقة بمرور الوقت.
وحينما أظهر أنتيوخوس إبيفانس (عام 175 ق. م.) رغبته في نزع جنسية اليهود، والارتداد إلى عبادة الأصنام؛ أظهر السامريون ضعف إيمانهم باستعدادهم الخضوع للطاغية (حسب يوسيفوس، Ant XII, 5, sec 5)؛ هذا وضعهم في موقف مميت ضد الوطنية اليهودية، حيث تم تحت قيادة يوحنا هيركانوس المكابي تحطيم السامرة ومعبد جرزيم عام 130 ق. م. [17]. ولكن بقي المذبح وروح المذهب لم تُكسر والكراهية القديمة ظلت بكل قوتها حتى عهد ربنا.
وظل السامري معتبرٌ أنه غريب [18]. وفي حالة السفر من الجليل إلى اليهودية لا يستطيع اليهودي أن يعبر خلال السامرة، إن كان لا بد من ذلك، ولكن يتخذ الطريق الموجود في شرقي الأردن. وحينما يلتقي اثنان من الجماعتين، فبالتأكيد قد يقوم بينهما شجار ومشاحنة [19]، مؤديًا بالطبع إلى نزف الدماء.
غير أنه لم يكن هناك في أورشليم اسم للاستهزاء أو السخرية أكثر مرارة من تعبير “السامري” [20]. كل هذا يشير إلى سبب تكرار ربنا يسوع المسيح لتعاليم المحبة الأخوية [21]. ومن الطريف أن نجد أحد التلاميذ الذي طلب أن تنزل نار من السماء لتهلك السامريين الذين رفضوا يسوع المسيح، هو نفسه الذي بشر بالإنجيل في مدن السامرة [22]. وعلى مدى العصور، ومهما كان من تغيير في هذه الأجواء، فقد بقي السامريون في تسلسلهم الوراثي في مقرهم في نابلس (نيابوليس، أو شكيم القديمة)، بمذبحهم وخدمتهم على جبل جرزيم. وهم الآن: “أقدم وأصغر مذهب في العالم” (حسب Dean Stanley)، ويحفظون نسختهم من الأسفار الخمسة بالحروف العبرية القديمة، بكل تقوى.
