ترك داود قيثارته بعدما أنهى غناء مزموره الجديد في حضرة شاول الملك، للتو، بعدما هدأت نوبة جديدة من نوبات الهياج المتتالية التي باتت تزوره في الفترة الأخيرة بكثرة، فيفقد صوابه ويصير كثور هائج لا يستطيع أحد أن يكبح جماحه.
داود، كلماته وموسيقاه، كان لها تأثير غريب على شاول الملك. لا أحد كان يعرف السبب. هل هي قداسة داود ونقاء قلبه؟ أم قوة كلماته الممزوجة بمسحة مقدسة من عند الرب؟ أم هي الموسيقى؟ وما أدراك جمال الموسيقى وتأثيرها على الروح والنفس عندما تكون موسيقى مقدسة؟ أم أن تأثير كل هذا مجتمعًا كان له سحر الدواء الشافي على ثورة شاول الجامحة؟ لا أحد كان يعلم، ولا أحد كان مهتمًا أن يعرف. كان يكفيهم النتيجة: الملك الثائر، يأتيه الغلام الجميل الأشقر ليترنم في حضرته بالمزمار والقيثارة، فيهدأ الملك وتهدأ ثورته.
انتظر داود كثيرًا في خيمة الملك بعدما هدأ. انتظر الإذن بالانصراف أو الأمر بالبقاء والغناء من جديد، حتى أعطاه شاول الملك الإشارة بيده للخروج والانصراف. لم ينطق شاول بكلمة، فقط إشارة فهمها داود وكأنه اعتادها، فجمع أشياءه وهمَّ بالخروج. وعند باب الخيمة قال شاول بصوته الضعيف:
— أبلغ القائد والحراس بالخارج أني بخير، ولكني لا أريد أحدًا. أخبرهم أني الملك شاول آمرهم بعدم الدخول مطلقًا، وأني أريد البقاء قليلًا منفردًا.
خرج داود الشاب وفعل ما أمره به شاول الملك، وبقي شاول منفردًا.
كان حزينًا، وعلامات المرارة والإرهاق والانكسار كلها مجتمعة مرسومة على وجهه. وسادت لحظات من الصمت سالت معها دموع كثيرة من عيني شاول.
شاول الملك الذي يهابه كل حكماء وفرسان وقادة إسرائيل يبكي في خبائه منفردًا كالأطفال.
لحظات مرت، ومر معها من أمامه شريط حياته، ذلك الشاب الراعي الذي قضى سنوات طويلة يخدم أباه، كان طويلًا فارعًا لدرجة تراه أطول من كل شباب بني إسرائيل. وفي يوم، تحول كل شيء حينما مسحه العجوز صموئيل ليصبح أول ملك على شعب الله. فجأة، شعر أن الله كافأه على أمانته في حفظ ورعاية ما لأبيه، فوكله الله على حفظ ورعاية شعبه.
كان شاول طوال الوقت يشعر بمعية الله معه، وكان يشعر أن يد الله القوية العزيزة الجبارة معه في كل حرب يخوضها ضد أعداء الله، وكان يشعر بالبركة في حياته وفي أملاكه وزوجاته وأبنائه وفي كل شيء.
ولكن فجأة، في لحظة، تبدل كل هذا، بسبب خطأ صغير لا يستحق، هكذا كان يراه شاول. كان يرى أن الخطأ ليس خطأه بل خطأ نبي الله صموئيل، فقد تأخر، تأخر جدًا جدًا جدًا، وكنا نواجه العدو في أرض المعركة، ولابد أن تُقدَّم الذبيحة ونبادر في المعركة حتى لا نخسر. أيقبل الله بخسارة جيشه؟ أيرضى الله أن يُسبى شعبه ويُذل أبناؤه وتصير نساء شعبه الأحرار جواري وملكات يمين للغلف؟
لقد اتخذت القرار السليم في الوقت السليم، وغضب صموئيل ذلك العجوز الأخرف وأغضب الله عليَّ، وهيجه عليَّ، فصار لي كدبٍّ كامن وكأسد يلتمس ابتلاع فريسته، جرَّعني كل مُرّ.
فارقني، تركني بلا حماية، فصرت فريسة سهلة عندما بغتني روح الشرير.
صرت أضحوكة لشعبي، وهزءًا للأغراب.
لم يحتمل شاول مرارة تلك الأفكار، فاعتلا صوته بالبكاء والنحيب، ثم سقط على الأرض في نوبة هياج عنيفة، فدخل قائد الحرس على صوت سقوط الملك، وأسرع الحراس بالجري للحاق بداود ليعود بقيثارته من جديد.
