كانت المرة الأولى التي أسمع فيها اسم عام 1970، وأنا طفل في مدرسة الأحد بكنيسة السيدة العذراء بحي “توريال” في المنصورة. أتذكر أنني قرأت على لوحة الإعلانات إعلانًا صغيرًا يقول إنه سيتم فتح باب الحجز لكتاب “” من تأليف الأب متى المسكين. واستغربت يومها.

لماذا نحجز كتابًا؟ لماذا لا يكون مطبوعًا وموجودًا في مكتبة الكنيسة كغيره من الكتب؟ لكنني، كطفل صغير، جمعت من مصروفي ما استطعت أن أجمعه وحجزت نسخة منه. وبعد شهور طويلة وصلت النسخة أخيرًا إلى يدي. بدأت أقرأها بشغف، لكن الحقيقة أنني كنت أصغر بكثير من أن أفهم ما أقرأ. كانت الكلمات جميلة، لكن عالم الصلاة الذي يتحدث عنه الكتاب كان أكبر من خبرتي ومن سني ومن قدرتي على الاستيعاب. وضعت الكتاب جانبًا، ومضت السنوات. ومرت العقود. ثم جاء الثامن من يونيو عام 2006، يوم انتقل الأب متى المسكين. وللمرة الأولى بدأت أتساءل بجدية:
من هو هذا الرجل؟
ولماذا يثير كل هذا الجدل؟
ولماذا يحبه البعض إلى هذا الحد بينما يعارضه آخرون بهذه القوة؟

فعُدت إلى الكتاب نفسه بعد أكثر من ثلاثين عامًا من قراءتي الأولى. وهنا كانت المفاجأة. لم يكن الكتاب قد تغير. لكن القارئ هو الذي تغير. فتحت صفحاته من جديد، ووقفت طويلًا أمام الأبواب التي يتحدث فيها عن “الهذيذ” و”الدهش”، ووجدت نفسي أقرأ بعض الاختبارات الروحية التي يرويها الأب متى المسكين فأشعر بدهشة لا تقل عن دهشته هو. بل أخشى أن أقول إن بعض ما وصفه في تلك الصفحات كنت قد عرفته بنفسي في سنوات سابقة من حياتي دون أن أخبر به أحدًا.

ثم اشتريت سيرته المختصرة. وأذكر أنني بدأت قراءتها في ساعة متأخرة من الليل، قرابة العاشرة مساءً. وما أن بدأت، لم أستطع التوقف. ظللت أقرأ حتى الثالثة فجرًا، حتى انتهيت من الكتاب كله في ليلة واحدة. وكانت دهشتي تزداد صفحة بعد صفحة. لم أكن أعرف أن الأب متى المسكين قد جُرّد من رهبنته. ولم أكن أعرف أنه عاش سنوات طويلة مطاردًا في صحراء وادي النطرون. من ١٩٦٠ حتى ١٩٦٩. ولم أكن أعرف أنه أخذ قافلة جمال مع قلة من تلاميذه ومضى إلى أعماق الصحراء، ساعات طويلة بعيدًا عن العمران، حتى استقر في مكان لا تصل إليه المؤونة ولا انسان إلا بعد رحلة شاقة.

لكن الأمر الذي هزني حقًا لم يكن هذه الوقائع التاريخية. بل سؤال آخر. سؤال ظل يلاحقني لسنوات طويلة. ماذا رأى هذا الرجل في الله؟ ما الذي وجده هناك في قلب الصحراء؟ ما الذي اكتشفه حتى هانت عليه الراحة والأمان والمكانة والكرامة؟ مطرود ليس فقط من العالم بل حتى من كنيسته ذاتها، بل ما الذي وجده حتى لم يكتفِ بالخروج إلى الصحراء، بل كان يترك حتى جماعته الصغيرة في ويصعد وحده إلى الجبل ليقضي أكثر من أربعين يومًا منفردًا بالله؟
ماذا رأى منك يا رب؟
ما الذي أبصره حتى جذبت قلبه بهذه الصورة؟
ما الذي عرفه عنك حتى استغنى عن كل شيء من أجلك؟
وهل يمكن لإنسان مثلي أن يرى منك ما رآه هذا الرجل؟

ثم قرأت السيرة المطولة. فوجدت فيها ما أحزنني. ووجدت فيها ما أوجعني. ووجدت فيها ما أدهشني. ورأيت فيها إنسانًا دفع ثمنًا باهظًا من أجل ما كان يؤمن به. ومنذ ذلك الوقت بدأت رحلة جديدة مع كتابات الأب متى المسكين. قرأت “حياة الصلاة الأرثوذكسية”، ثم تفسير إنجيل يوحنا ثلاث مجلدات، ثم تفسير رسالة غلاطية، ثم تفسير رسالة العبرانيين، وهنا وقعت المفاجأة الثانية، ففي مقدمة تفسيره لرسالة العبرانيين كتب الأب متى المسكين أنه يفضل أن تُقرأ الرسالة بصوت مسموع، وأن يعيش القارئ أحداثها ويتأملها وكأنها تحدث أمامه.

وأذكر أنني توقفت طويلًا أمام هذه العبارة. لأنني كنت أفعل الأمر نفسه قبل أن أقرأها بعشر أو خمس عشرة سنة كاملة. فبعد تخرجي التحقت بإحدى الشركات الأجنبية، وكنت أقيم وحيدًا في استراحة الشركة بصحراء الهرم. وكانت أيام الجمعة الطويلة تمنحني ساعات من العزلة. فكنت آخذ الإنجيل، وأفتح رسالة العبرانيين، وأقرأها بصوت مرتفع. ولم أكن أقرأها كدراسة لاهوتية. بل كنت أعيشها. كنت أرى الابن يدخل إلى محضر الآب بدمه الكريم ليصنع فداءً أبديًا. وأتأمل كيف صار يسوع المسيح أخي البكر، وكيف صار الله الآب أبي. كنت أقرأ الرسالة وكأنني أشارك في أحداثها.

وحين قرأت كلمات الأب متى المسكين شعرت بدهشة عميقة. كيف عبر الرجل الطريق نفسه؟ وكيف وصل إلى الاختبار ذاته؟ ولماذا التقينا عند هذه النقطة رغم أنني لم أره يومًا ولم أجلس معه ساعة واحدة؟ ومنذ ذلك الوقت لم أكَد أسافر في طائرة أو سفينة أو سيارة إلا وكان معي واحد من كتبه. وفي أحيان كثيرة كانت كتاباته تهزني من الداخل.

وأذكر أنني كنت أقرأ ذات يوم تفسير رسالة غلاطية. ثم أغلقت الكتاب فجأة. واحتضنته بين ذراعي. وأخذت أربت عليه كما يربت الإنسان على كتف صديق عزيز. ولم يكن شوقي إلى الكتاب. بل إلى صاحبه. إلى ذلك الراهب الذي لم أعرفه في حياته، لكنني شعرت أنني أعرفه من خلال كلماته.

وكانت صلاتي تتكرر عامًا بعد عام:

يا رب، أريد أن أراك كما رآك متى المسكين.
عايز أشوف اللي شافه منك.
أريد أن أعرف ما الذي وجده فيك حتى باع كل شيء.
ليس المال فقط.
ولا الراحة فقط.
بل حتى المجد الكنسي نفسه.
أريد أن أعرف ما الذي جعل هذا الرجل يختار أن يخسر كل شيء لكي يربحك.

ولعل هذا هو السر الذي جعل الأب متى المسكين يبقى حاضرًا في حياتي كل هذه السنين. فالقضية لم تكن يومًا قضية أفكار أو كتب أو جدالات. بل كانت سؤالًا واحدًا ظل يتردد في أعماقي منذ أن أغلقت آخر صفحة من سيرته:
ماذا رأى متى المسكين في الله؟
وما زلت، بعد كل هذه السنوات، أبحث عن الجواب.

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي 3.8 حسب تقييمات 4 من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

سليمان وديع
[ + مقالات ]