عندما نتتبع البدايات عند الأب متى المسكين نجده لم يسع للرهبنة بدافع النسك والزهد أو اعتزال العالم، بل كان مشدودًا لمكان ومناخ يوفران له مساحة لاستيعاب كلمة الله وتدبير الخلاص، بعد أن وجد نفسه يتماهى مع أسفاره وشخوصه، وقد استنار ذهنه بنور المسيح، ووقفت التزامات عمله الدقيقة دون تحقيق غايته، واستعرض بدائل عديدة لكنها قصرت عن أن تحقق ما يسعى إليه، حتى طرح عليه أحد أصدقائه فكرة الرهبنة، وذهبا معًا لمقابلة مطران الحبشة المصرى الأنبا كيرلس، الذي استبعدته قوات الإحتلال الإيطالي من إثيوبيا، ليستقر به المقام في بيت ضيافة ملحق بكنيسة العذراء بمهمشة ـ الشرابية، أحد أحياء القاهرة، التي كانت تضم في رحابها المدرسة الإكليريكية، قبل أن تنتقل إلى موقعها الحالي بدير الأنبا رويس بالعباسية في حبرية البابا البطريرك الأنبا يوساب الثاني، ذهبا إليه لاستشارته في أمر رهبنة الدكتور يوسف إسكندر، وهو لقاء يكشف عن ملمح من شخصيته، فنراه وهو بعد شاب صغير يمتلك قدرة على الحوار وتوجيهه، وقناة لا تلين، وينتهي الأمر إلى ذهابه إلى دير الأنبا صموئيل بمغاغة بالمنيا، ليتتلمذ على الراهب الأب مينا المتوحد، الذى صار فيما بعد قداسة البابا كيرلس السادس.
ينتقل بعدها إلى دير السريان بوادي النطرون، وكان قد تعمق في سياحته بين أسفار الكتاب المقدس، وأمسك بخيوط تدبير الخلاص، وهناك يجد منحى جديد وفرته له مجموعة كتب آباء نيقية وما قبل نيقية وما بعد نيقية، بمكتبة الدير فينكب عليها وتكتمل لديه الرؤية، ويتشكل ذهنه على قاعدة إنجيلية آبائية، وتترسخ عنده مكتسبات الإنسان من التجسد الإلهى، ولا يكاد يخلو كتاب أو عظة من التنبيه على “حقوقنا في المسيح”، الذي “رد آدم إلى رتبته الأولى”، ووصل ـ عبر الصليب والقيامة والصعود والجلوس عن يمين الآب ـ ما انقطع بسبب التعدى والعصيان.
يسجل الأب متى المسكين هذه الخبرة بقوله في كلمة مسجلة له بعنوان : ”تأثير الإنجيل في حياته الرهبانية“ في أربعاء أيوب سنة 1974:
كان الإنجيل هو أمنيتي التي خرجتُ من أجلها من العالم. كنتُ في العالم مشغولًا، وكنتُ أودُّ أن أهدأ لأقرأه بفهم وبوعي، وكان عملي يغطي يومي كله من ٧ صباحًا إلى ١١ مساءً. كنتُ أقول ربما أهدأ السنة القادمة، وتنتهي تلك السنة وما بعدها، وهكذا كان الزمن يتآكل أمامي، ثم قلتُ: يستحيل أن العالم يغلبني، فلابد أن أتمتع بالمسيح والإنجيل. يستحيل أن يأخذ العالم مني شبابي والـ٢٤ ساعة كل يوم!، عندما كنتُ أغيب عن عملي قليلًا، كان الناس يقومون بثورة، لأن عملي -كما تعلمون- كان متَّصلاً بالجمهور. فكيف أهرب وأنا عليَّ واجبات؟ فكنتُ حزينًا، ولكن كلما ازدادت واجباتي كلما كنتُ أتيقن بضرورة الخروج من العالم.(اﻷب متى المسكين)
كانت أمنيتي الوحيدة أن أُعطي المسيح الـ٢٤ ساعة في اليوم كله، فظللتُ أصلِّي حتى فكَّني الرب من العالم وذهبتُ إلى الدير. وبدأتُ أقرأ في كتابي المقدس في العهدين وأتمتع، وازدادت قراءاتي من ٣٠ إلى ٥٠ إصحاح في اليوم، فحقَّقتُ شيئًا من فرحتي بالإنجيل. ولكن قابلتني مشكلة أحزنتني فبكيتُ، إذ أنني لما ابتدأتُ بسفر التكوين ووعيته جدًا، وكنتُ أخطط بالأحمر تحت الآيات المهمة، حتى بَدَأتْ الآيات تدخل في حياتي؛ وجدتُ أن الذي حصَّلته كان قليلًا جداً!، ثم أمسكت بسفر التكوين مرة ثانية، وأحضرتُ كراسةً وقلمًا لم يكن يوجد غيرهما في الدير، لأن الاتصال كان مقطوعًا وأنا قطعته بيديَّ، فلا أحد يبعث لي خطابات، ولا أردُّ على أحد ولا صلة لي بإنسان قط؛ فقطعتُ كل الصلات لكي أتمتع بالرب، وليس كحالة مَرَضية أو عزوف عن الدنيا أو كراهية للناس؛ لا، فكما ترونني فإنني أحب الناس، ولكنني لم أَدَعْ شيئًا يعوقني إطلاقًا عن حبي الكامل للمسيح، وعن استيعابي للكتاب المقدس.(اﻷب متى المسكين)
يمكن أن نقول بارتياح أنه صار “ناسكًا إنجيليًا”، فقد شهدت جنبات دير الأنبا صموئيل المعترف ملحمة تشكل ذهن الراهب القادم سعيًا للتعرف على، والتعمق في، كلمة الله، حتى انفتحت له بكنوزها وأسرارها.
كنتُ أسهر كل ليلة. وكانت إمكانات الدير شحيحة، فقلتُ: يا رب، أعطني نعمة. وصلَّيتُ كثيرًا حتى انفتح الإنجيل أمامي وصرتُ أستوعب كثيرًا، فوجدتُ نور الإنجيل ومجده بقدرٍ كبير جدًا فارتعبتُ. ثم شعرتُ بقوة الإنجيل وسلطانه في نفسي وعلى حياتي. فبعد أن أحسستُ بقوة التغيير تسري في جسمي وقلبي بصورة جارفة كل يوم، بدأتُ أبكي كثيراً، لماذا؟ لأنني قلتُ: يا رب، الإنجيل مليء بالذخائر، ومجرد آيات قليلة أخذتُ منها الكثير جدًا، فمتى انتهي من الكتاب بعهديه؟(اﻷب متى المسكين)
كانت نفسه قلقة متعجلة فى إصرار على إدراك سر المسيح، لذا كان إلحاحه في الصلاة أن يتحقق ما جاء لأجله:
عبدك يطلب منك يا سيدي أحد أمرين: إما أن تُطيل في عمري، أو تعطيني ذهن شاب لكي أستوعب الإنجيل كله، لأن حرام أنه يكون أمامي ١٠ – ١٢ سنة بعد سن الثلاثين، ثم يبدأ الذهن ينطفئ! يا ليتك تعطيني استيعابًا كثيرًا جدًا حتى تُعوِّضني فأستوعب في شهر ما كنتُ أستوعبه في سنة أو سنتين، وبغير ذلك سأكون حزينًا جدًا. أريد أن أفرح بالإنجيل، وأخاف أن ينتهي عمري ولا أكمل استيعاب هذا الإنجيل بجماله….(اﻷب متى المسكين)
ويعلن أمام الرهبان بعد سنوات:
والآن أُعْلمكم كيف كان ردُّ المسيح الحلو الطيب عليَّ؟ كان ردُّه أنه أعطاني هذه وتلك: أي طول العمر والذهن الذي يستوعب. لم أظن أن ذهني سيظل يستوعب أكثر من عشر سنوات، ولكنه أعطاني بسِعَة جدًا، من سن ٣٠ سنة حتى الآن. وها أنا كما ابتدأتُ في الإنجيل تمامًا بعافيتي هي هي في ذهني وروحي. صدِّقوني أن الرب من حنانه لم يرضَ أن قلبي يشيخ، فإنني أقرأ كما كنت زمان بقوة روحية كما ابتدأتُ في الإنجيل.(اﻷب متى المسكين)
يعود فيقول:
من كثرة تأملي في كلمة الله، بدأ الإنجيل ينفتح أمامي آية وراء آية، شيء لا نهاية له. فقد ذُقتُ معنى قول داود النبي:كلمتك حلوة في حلقي، أفضل من العسل والشهد في فمي[1]؛ إذ صارت كلمة الله أحلى من العسل والشهد، وهذا الطعم في فمي لم يُفارقني قط مدة من الزمن كأنني أكلتُ صفيحة عسل! أقول لكم ذلك لكي أؤكِّد لكم أن كلمة الله مذاقها بالفعل على المستوى الحسِّي أحلى من العسل، هذا ما اختبرتُه بنفسي.(اﻷب متى المسكين)
ويضع قاعدة أساسية تنير الطريق لمن يسعى لفهم وإدراك سر الكلمة، الإنجيل والمسيح:
إنَّ تعمُّقنا في الإنجيل لا يزداد بمقدار علمنا أو ذكائنا، بل بمقدار علاقتنا بالرب. فإن وُجد علم أو معرفة، فإنني أقرع عليهما لكي يوجد مجال في قلبي أكثر لتلك العلاقة. فلا العلم في حدِّ ذاته أو المعرفة أو الفحص أو البحث أو التأمُّل الكثير يتأتَّى منه شيء؛ بل علاقتنا الشخصية والقلبية بالرب. أو بمعنى آخر، فإنه بطهارة ونقاوة قلوبنا وأفكارنا يُستعلَن الروح الذي في كلمة الله.(اﻷب متى المسكين)
قد تمتعتُ بكلمة الإنجيل جدًا، ولكن ليس بذهني. أخاف أن يُفهم كلامي على أنني صرتُ عالماً في الكتاب المقدس، فلا أنا عالمٌ ولا أي شيء؛ أو أنني صرتُ مفسِّرًا، ولا أنا مفسِّر ولا أي شيء. ولكن مُتعتي بالكلمة هي في كونها صارت لي أبًا ومرشدًا ومعلِّمًا وطبيبًا يقطع بمشرط! نعم، إنها سيفٌ ذو حدَّين، يدخل ويقطع السرطانات، أي النموات الكاذبة التي تؤدِّي إلى الهلاك. فالكلمةحيَّة وفعَّالة وأمضى من كل سيف ذي حدَّين[2].(اﻷب متى المسكين)
كانت هذه الخبرات الكتابية الرهبانية وراء إصداره نحو 280 كتابًا لقراء العربية، بعضها مجلدات تتناول دراسات في أسفار الكتاب المقدس، وبخاصة الأناجيل الأربعة وسفر أعمال الرسل ورسائل القديس بولس الرسول، ودراسة متعمقة عن القديس بولس الرسول، وكذلك عن الرهبنة القبطية التاريخ والمبادئ والحياة، أما شخص المسيح فكان محتلًا للعديد من عناوين كتبه ودراساته.
ويقتحم دوائر عديدة تشكل العقل اللاهوتي الأرثوذكسي بنكهة آبائية مدققة لعل أبرزها مجلدَي “الروح القدس.. الرب المحيي” (953 صفحة)، ويعود فيكتب “الروح القدس وعمله داخل النفس – عرض لأقوال الآباء النساك”، وتصطدم دوائر راسخة بالكنسة بأطروحاته التي تشكل عصفًا ذهنياً في مناخ رتيب، وتدور رحى المواجهات التي يصل بعضها إلى حد المطاردات والحصار، وهو أمر يحتاج إلى دراسات متخصصة تسعى لسبر أغوارها، وتحليلها بعيدًا عن الإنحيازات العاطفية، وضغوط المصالح، أو التناول السطحي الذي يستريح للإجابات المعلبة والمنقولة، والمحكومة في غالبها بالتراجع المعرفى وربما اللاهوتى والروحي أيضًا.
أرى أن سنوات الأب متى المسكين، يمكن أن نعدها سنوات بعث للروح القبطية الأرثوذكسية، أسست لخروج الكنيسة من نفقها الطويل الذي دخلته قبل قرون بتعدد الأسباب، التي أقتربنا عبر أطروحاتنا من بعضها، آثرت أن أشير هنا إلى منطلقاته الأولى التي تمحورت في الإنجيل والآباء وهي نفسها المحاور التي تنطلق منها الكنيسة لتسترد دورها في عالم يطالبها أن تعبر إليه وتعينه، كنيسة إنجيلية آبائية.
صدر للكاتب:
كتاب: الإشكالية القبطية: رؤية من الداخل ١٩٩٨
كتاب: العلمانيون والكنيسة: صراعات وتحالفات ٢٠٠٩
كتاب: قراءة في واقعنا الكنسي: شهادة ورؤية ٢٠١٦
كتاب: الكنيسة.. صراع أم مخاض ميلاد ٢٠١٩
كتاب: كنيستنا القبطية إلى أين؟ ٢٠٢٦
