المقال رقم 4 من 4 في سلسلة الكنيسة من الحلم للصدام

من الضروري أن نتوقف لنقترب من التيارات الأربعة التي تشكلت في بدايات حراك الخروج بالكنيسة من نفق طال، وتنوعت من التغيير بالعنف المادي، ونموذجه جماعة ، الذي لم يجد قبولًا على الأرض، سواء في صفوف الأقباط الذين رأوه مخالفًا لما استقر عندهم من قيم نبذ العنف وقيم الإصلاح السلمي بتجديد الفكر حسب المسيح، أو نظام الحكم الذي تنبه إلى مخاطر تمدد هذا الحراك ليشتبك مع سياسة الدولة ويتحول إلى تيار سياسي معارض يتبنى المطالبة بحقوق الأقباط.

وهذا يفسره العفو عن رموزه بعد حادثة اختطافهم للبابا البطريرك الأنبا يوساب، وهو إفراج جاء تلبية لطلب البابا نفسه، ثم القبض عليهم مجددًا، فيما بعد، بسبب المذكرة التي تقدموا بها، بطلب من قادة الثورة وقتها، للمشاركة في أعمال لجنة إعداد دستور 1954، مطالبة تضمين الدستور مواد تؤكد حقوق الأقباط بما يحقق مساواتهم ببقية المصريين، في استشراف مبكر لمفهوم المواطنة.

ثم جاء الانقلاب عليهم بعد أزمة مارس وإزاحة اللواء وتولي جمال مقاليد الحكم، وقُدموا للمحاكمة التي أدانتهم وأصدرت بحقهم أحكاما بالسجن، وفيها قضت بسجن رائدها المحامي سبع سنوات قضاها كاملة خلف الأسوار، ومعها يصدر قرارًا رئاسيًا بحل الجماعة.

بجوار هذا التوجه كان هناك من اختار الاشتباك الفكري مع الواقع الكنسي، بطرق متعددة بين المقالات النارية التي تنتقد الواقع المتراجع، ونموذجه المتقدم جماعة ومجلتهم التي تحمل اسمهم، وبين محاولات التنقيب عن كتابات الكنيسة الأولى وتعريبها من لغاتها الأصلية أو من ترجمات بلغات وسيطة، والبناء عليها، وتعددت الجهات التي تبنت هذا التوجه ما بين الرهبنة والتكريس انتهاءً بالمبعوثين إلى جامعات غربية لاستكمال دراساتهم اللاهوتية العليا، وبين هذه وتلك تشكلت ملامح الخلافات الفكرية بين حلفاء الأمس الذين جمعهم الحلم وفرقتهم الطرق. ليتحول الأمل إلى قلق، وصل في بعضه إلى الاحتراب وربما القطيعة.

دعونا نقرأ الصورة ونحاول أن نرسمها بمعطيات وقتها، فقد كانت مجموعات “التغيير بالفكر” شباب متقاربون في العمر، يحكم كل تيار تكوينه الفكري والسياسي وقدر اشتباكه مع الشأن العام، تيار مدارس الأحد كان يمتلك حراكًا في الشارع بحكم تواجده وخدمته وسط الناس، وبعضه كان مشتبكًا مع الحياة الحزبية، في محاولة أن يجد له موقعًا على غرار السياسي اللامع ، وقد أعتبروه أيقونتهم، وتتلمذوا عليه، وانعكس هذا على منهجهم في إدارة معاركهم، سواء على صفحات مجلة مدارس الأحد أو في مراحل مسيرتهم نحو قيادة الكنيسة، بل وأيضًا في إدارتهم للكنيسة فيما بعد.

بحكم تعليمهم الجيد، الذي كان سمة عقود نشأتهم وتكوينهم، سواء في المدارس الحكومية أو مدارس الإرساليات، تشكل وعيهم على ما توفر وقتها من كتب أدبية ودينية، كانت الساحة الأدبية تموج بإبداعات متنوعة، بينما كانت الساحة الدينية تئن من الندرة، كان المتاح الكتب التي توفرها مطابع لبنان وبعض من مطابع الجمعيات الأهلية القبطية، وكان أغلبها تحمل مؤلفات كنيسة انطاكية أو كنائس الإرساليات.

وانعكس هذا على ما قدمه الرائد ، الرائد المؤسس لمنظومة مدارس الأحد، ليسد فراغ المكتبة القبطية، وقد سعي بقدر المتاح أن يؤسس لثقافة قبطية معاصرة فكتب عدة كتب عن الأسرار الكنسية وعن تربية النشء وموضوعات روحية مختلفة، نذكر منها: الصخرة الأرثوذكسية، السبعة المقدسة، عزاء المؤمنين، الكنز الأنفس في ملخص الكتاب والتاريخ المقدس، سر التقوى، المبادئ المسيحية الأرثوذكسية، الوسائل العملية للإصلاحات القبطية.

تيار التكريس كان يؤمن أن التغيير يبدأ فكرًا، وأن ما وصلت إليه الكنيسة من جمود كان بسبب الانقطاعات المعرفية المتتالية، جراء هجرة اليونانية إلى القبطية بدوافع قومية، القرن السادس الميلادي، ثم هجرة القبطية قسرًا إلى العربية في غضون القرنين العاشر والحادي عشر بضغوط سياسية، وبعدهما وجدت الكنيسة نفسها تصارع من أجل البقاء والحفاظ على ما في حوزتها من مخزون عقيدي وطقسي ولاهوتي، دون تفاعل مع الدراسات والأبحاث اللاهوتية التي استمرت في الكنائس الأخرى، لكون علم اللاهوت حقل معرفي حي يتفاعل مع الحياة ومع مستجدات التلاقح الثقافي بين المدارس اللاهوتية كما كان يحدث في قرون ما قبل الانشقاق، التي شهدت حوارات لاهوتية بين أقطاب الآباء سجلته رسائلهم المتبادلة. وترجمتها المجامع المسكونية وقتها في مقراراتها وما صدر عنها من وثائق وقوانين.

نفر من هذا التيار اختار الرهبنة مناخًا ومكانًا يعكفون فيه على التنقيب عن التراث الآبائي وتعريبه وتحقيقه، ونفر أخر رأى أن رسالة التكريس تكون بين الناس، فأسسوا بحلوان، ومن خلاله سعوا هم أيضًا للتواصل مع الزخم اللاهوتي في الكنيسة الأولى، سواء في لغاته اليونانية والقبطية، أو فيما توفر منه في ترجمات للغات حية وسيطة. ولأسباب عديدة انتقل بيت التكريس من حلوان إلى حدائق القبة ثم يتطور ليصبح مؤسسة ثقافية تحمل اسم مؤسسة القديس أنطونيوس للدراسات الآبائية، وتعرف في الأوساط القبطية باسم .

فيما اشتبك نفر ثالث ـ ممن اختاروا الرهبنة ـ مع الحياة الكنسية خارج أسوار الأديرة، عن إيمان بأن التغيير يأتي من منظومتها الهيراركية الية، فطرقوا أبواب الترشح للكرسي البابوي بعد نياحة (رحيل) ال، كان أبرزهم الأب الراهب والراهب ، الأمر الذي استنفر مطارنة الكنيسة والقيادة السياسية للدولة وكان وقتها ضباط .

كان المطارنة يخشون الرؤي التي يحملها هؤلاء بحكم الاختلاف الجيلي، فيما كان توجس ضباط يوليو من احتمال اشتباك هؤلاء الشباب مع المشهد السياسي وما يترتب عليه من تداعيات مقلقة، فكان أن اجتمعت الآراء على تعديل لائحة البطريرك فتأتي اللائحة الجديدة (1957) بشرطين حالا دون قبولهم كمرشحين؛ ألا يقل سن المترشح عن أربعين سنة وألا تقل مدة رهبنته عن خمسة عشر عامًا. لكنهم يواصلون مسعاهم، فيما بعد عندما تحقق فيهم الشرطين.

تجري في نهري الكنيسة والوطن مياه كثيرة، لتجد القيادات الكنسية وقد عبروا مرحلة الشباب والحلم، في حالة مواجهة واقع يتجاوز الحلم، وتحديات عنيفة جراء التحولات التي طالت توجهات الدولة وأعادت إحياء نسق بتحالفات جديدة وسياسات تتصادم مع ما استقر في الوجدان المصري وتتقاطع مع التعايش والقبول المتبادل، الأمر الذي حمل الكنيسة أدوارًا سياسية ليست لها.

تلامس هذا مع الخبرات السياسية عند القيادة الكنسية، وأضافت إلى أعبائها الرعوية عبء الاشتباك مع السياسة، ووجد هذا قبولًا عند الأقباط بفعل تصاعد نفوذ تيارات الإسلام السياسي، بل ووجد توافقًا مع أجهزة الدولة وبخاصة مؤسسة الرئاسة، التي بحسب الدكتور المفكر المصري استراحت أن تختزل الأقباط في الكنيسة وتختزل الكنيسة في شخص البابا، في إعلان مبكر لانتقاص مواطنة الأقباط، ولكنه توافق لم يدم إذ تحول إلى نفور وصل إلى ذروته بقرار رئاسي بعزل البابا وتحديد إقامته ب بوادي النطرون.

استطاع البابا شنودة أن يكتسب شعبية جارفة عبر تواصله المباشر مع الأقباط من خلال اجتماعه الأسبوعي الذي أسسه وهو بعد أسقف، ومن خلال الإصدار الثاني ل، وكانا منبران يحملان رؤية البابا ومن ثم الكنيسة في الأحداث الجارية، وربما ساهما بهذا في تعميق حالة النفور بين وبينه، إذ صاراتا نافذة البابا في التواصل مع الناس ونجح في توظيفهما في تعميق شعبيته على المستويين الديني والسياسي، بما تحمله من رسائل قوية للشارع والدولة، وكانت أجهزة الدولة تترقب ما يأتي فيهما وتحليله لقياس تعاظم نفوذه السياسي، ما شكل تحديًا للرئيس وهو ما عبر عنه السادات بغضب في خطاب الأزمة 5 سبتمبر 1981.

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي 0 حسب تقييمات 0 من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

‎ ‎ جزء من سلسلة: ‎ ‎ الكنيسة من الحلم للصدام[الجزء السابق] 🠼 تيارات الإصلاح: الأمل والقلق
كمال زاخر موسى
كاتب ومفكر قبطي في التيار ال المصري   [ + مقالات ]

صدر للكاتب:
كتاب: الإشكالية القبطية: رؤية من الداخل ١٩٩٨
كتاب: : صراعات وتحالفات ٢٠٠٩
كتاب: قراءة في واقعنا الكنسي: شهادة ورؤية ٢٠١٦
كتاب: الكنيسة.. صراع أم مخاض ميلاد ٢٠١٩
كتاب: كنيستنا القبطية إلى أين؟ ٢٠٢٦