تتبعت بقدر أحسبه قريبًا أحوال كنيستي القبطية الأرثوذكسية واشتبكت مع قضاياها وإشكالياتها المعاشة، في المجال العام وفي داخل أسوارها، بامتداد ثلاثة عقود، باحثًا ومشاركًا وساعيًا لطرح رؤية لتفكيك تلك الإشكاليات، وطرح مداخل للخروج بها إلى براح دعوتها ورسالتها، كصوت صارخ في برية العالم القاحلة، راعية وكارزة ومعلنة نور المسيح ودعوته لجميع المتعبين والباحثين عن ملاذ يحمي إنسانيتهم.

ويبدو أنني بغير انتباه، أو قصد، دخلت “أعشاش” دبابير، أرقهم دخولي وهدد ما استقر عندهم من رؤى وهو استقرار أحسبه جمودًا، ومصالح استقرت لهم، وتحقق أخفقوا في الوصول إليه في المجال العام. فإذا بأسرابهم تهاجمني وتشخصن اطروحاتي بل وتمتد إلى تشويه ينال من سيرتي وشخصي بالمخالفة للواقع وبالمخالفة لما يزعمونه من حماية الإيمان، الذي جاء خلوًا من ثماره المستقرة بحسب القديس مَحَبَّةٌ، فَرَحٌ، سَلاَمٌ، طُولُ أَنَاةٍ، لُطْفٌ، صَلاَحٌ، إِيمَانٌ، وَدَاعَةٌ، تَعَفُّفٌ [1].

وفي كل هذا لم أنازلهم في ميدانهم الذي يتحصنون به، ولم التفت يوما إلى ضجيجهم، ووثقت أطروحاتي، حتى اللحظة، في أربعة كتب، على أمل أن تصادف يومًا أجيالًا واعدة لا تربط عربتها بحصان شخوص، وتبني وعيها على الأسس التي رصدها القديس بولس مَبْنِيِّينَ عَلَى أَسَاسِ الرُّسُلِ وَالأَنْبِيَاءِ، وَيَسُوعُ الْمَسِيحُ نَفْسُهُ حَجَرُ الزَّاوِيَةِ الَّذِي فِيهِ كُلُّ الْبِنَاءِ مُرَكَّبًا مَعًا، يَنْمُو هَيْكَلًا مُقَدَّسًا فِي الرَّبِّ. الَّذِي فِيهِ أَنْتُمْ أَيْضًا مَبْنِيُّونَ مَعًا، مَسْكَنًا للهِ فِي الرُّوحِ. [2].

وأتذكر عندما كنت طالبًا بالمرحلة الثانوية ما استقر في علوم الفيزياء “أن المادة لا تفني ولا تستحدث من عدم” وهو ما ينطبق على الإشكاليات الكنسية المعاشة، إذ لها جذور ممتدة بامتداد تاريخ الكنيسة، وهي ممتدة مع الزمن القادم، اتساعًا وانحسارًا، بقدر انتباه الكنيسة لها ولتفكيكها وقراءة التطورات الجيلية وامتداد مجالها إلى خارج مصر بما يحمله من اشتباك مع ثقافات وأجيال مختلفة تمثل تحديات مستجدة تتطلب قراءة واعية لها حتى تستطيع الوصول برسالتها لهم، وهو نفس الأمر المطلوب مع الكنيسة بالداخل، حتى لا نتفاجأ يوما بما يؤرق سلام ووحدة الكنيسة وثمة مؤشرات تقول بأن هناك ما ينذر بذلك، خاصة في كنائس المهجر، وفي الحالين على الكنيسة فيما يتعلق بمسائل التدبير أن تدرك أن المفاتيح القديمة لا تفتح الأبواب الجديدة.

في طرحي هذا، أحاول قراءة واقعنا الكنسي بتجرد كامل، باحثًا في الجذور التي شكلته، بامتداد التاريخ، سواء كنسية أو عامة، والتحولات التي حدثت للأقباط، وأتوقف ملياً عند أربعينيات القرن العشرين بما تحمله من تغيرات عاصفة واجتهادات لرأب الصدع، كما في السياسة كذلك في الكنيسة، في مواجهة تلك التغيرات، وما طرأ على التيارات الإصلاحية من تحولات بين التوافق والتضاد، بغير أن نحاكم شخوصها، فثمة مدخلات تتجاوزهم شكلت المشهد المعاش.

الجذور

لا أزعم إنني أملك مفاتيح سحرية تفتح الأبواب الموصدة، ولا جرَّافات كونية تزيح متاريس عتية تتحصن خلفها، فقط أملك انتماءً عضويًا تمتد جذوره في تربة الكنيسة بما يجعلها عصية على الانتزاع، رغم أعاصير تستهدفها تشكك في هذا الانتماء، ولا أزعم أنني بطل قادر على مواجهتها، فقط أحتمي بوشائج الحب التي تربطني بذلك الكيان وتشكلت وتنامت بامتداد عمر طال وموروث وقر في قلبي وعقلي وضميري.

لم أقف بعيدًا عن اشكاليات الكنيسة فقد اقتربت منها مبكرًا، فاحصًا ومحللًا عبر متابعات استندت لمشاهدات ووقائع معاشة طرحتها على ما حفظته لنا صفحات التاريخ وما استقر في أدبيات قبل وبعد الإنشقاق الكبير، بقدر ما توفر لديَّ، والربط بين هذا وبين المناخات العامة المتعاقبة سياسية واجتماعية منذ عرفت مصر المسيحية وحتى اللحظة، وكانت في أغلبها مناوئة للكنيسة بتعدد أنظمة الحكم، وتوالي الاحتلالات الأجنبية التي شهدت أحقاب من الاضطهادات والاستهداف والاستبعاد.

ولن أقف كثيرًا أو قليلًا أمام التفاصيل فهي محملة بمآس وخطوب تشهد بصلابة الأقباط وقدرتهم على عبور دروبها الوعرة حاملين إيمانهم بثبات، وبالتوازي لم يتزعزع انتمائهم لوطنهم بل وانتبهوا مبكرًا لما قدموه من دماء شهدائهم فدشنوا تقويمهم ونسبوه للشهداء وجعلوا بدايته مع اعتلاء الإمبراطور الروماني كرسي الحكم، وشهد عصره إحدى ذرى الإضطهاد وأولها.

في مواجهة هذا تحصن الأقباط بكنيستهم، وصنعوا حولهم سياجًا يحمي قيمهم وتقاليدهم، دون أن ينعزلوا عن المجتمع العام ودون أن يتحولوا إلى “جيتو”، ربما لهذا استطاعوا أن يكونوا رقمًا فاعلًا في المعادلة المصرية حضورًا وإسهامًا وارتقاءً رغم صيرورتهم أقلية عددية. وظني أن هذا كان نتاجًا طبيعيًا لماهية الإيمان المسيحي الذي يرسخ قيم المحبة والعطاء والبذل وإنكار الذات، وهو ما عزز قبولهم مجتمعيًا، رغم ممارسات أنظمة الحكم الجائرة بامتداد التاريخ.

على أن تلك المناخات جعلت الأقباط أكثر توجسًا وخوفاً من الذوبان، وهو توجس بدأ مبكرًا مع الإنشقاق الأول عقب ـ القرن الخامس ـ فهجروا اليونانية لساناً إلى القبطية، ومازال هذا التوجس قائمًا ويمثل أحد عوائق التلاقي والحوار المسكوني، خشية الذوبان، ومعه اختلط القومي بالعقيدي، وتجذر هذا التوجس ليشكل معلمًا في تكوين الذهنية القبطية الشعبوية، خاصة بعد الدخول العربي (غزوًا أو فتحًا).وما أعقبه من تحولات ومن تداول الحكم حتى وصل إلى حقبة الخلافة العثمانية الممتدة لثلاثة عقود وما حملته من عنت وتخلف وعنف طال كل المصريين.

وفي ذات السياق كان هذا التوجس أحد أهم أسباب الاستفاقة القبطية “الأرثوذكسية” في التاريخ المعاصر، التي تمتد إرهاصاتها إلى حبرية (عصر) ال الرابع (1853 ـ 1861م.)، وتتنامى مع حبرية ال (1874 ـ 1927م.) الذي تبلورت في عصره في مسارين، أحدهما إداري تنظيمي والثاني تعليمي، تعثر الأول وتنامى الثاني وأنتج منظومة والمعاهد الدينية ـ الإكليريكية و ـ وكان للتعثر والتنامي دورهما في تفاقم إشكاليات الكنيسة المعاصرة.

هوامش ومصادر:
  1. رسالة بولس إلى غلاطية 5: 22 [🡁]
  2. رسالة بولس إلى أفسس 2: 20 ـ 22 [🡁]

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي 0 حسب تقييمات 0 من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

كمال زاخر موسى
كاتب ومفكر قبطي في التيار ال المصري   [ + مقالات ]

صدر للكاتب:
كتاب: الإشكالية القبطية: رؤية من الداخل ١٩٩٨
كتاب: : صراعات وتحالفات ٢٠٠٩
كتاب: قراءة في واقعنا الكنسي: شهادة ورؤية ٢٠١٦
كتاب: الكنيسة.. صراع أم مخاض ميلاد ٢٠١٩
كتاب: كنيستنا القبطية إلى أين؟ ٢٠٢٦