في هذا المناخ تتبلور ثلاثة تيارات رئيسية تحمل رؤى مختلفة للخروج بالكنيسة من حالة الجمود التي أصابتها وإعادتها إلى وضعها السوي، كل تيار له مبرراته ورؤيته وفق تكوينه الفكري وخبراته وطموحاته.
كان التيار الأول مدارس الأحد وتبنيها مسارات النهوض بالتعليم، وقد تفاعلت مع تلك الجمعيات وشاركت في تأسيس بعضها، وكانت تحظى بدعم البابا كيرلس الخامس وكان هذا أهم عوامل انتشارها، وإن لم تجد هذا الدعم من غالبية الإكليروس وقتها وإلى زمن قريب نسبيًا، وقد حملت مجلة مدارس الأحد عديد من المقالات التي تكشف عن غياب دعم الإكليروس لها. وسعت مدارس الأحد للدفع بمؤسسها حبيب جرجس للرسامة أسقفًا على إيبارشية الجيزة بعد رحيل مطرانها، وكانت مجلة مدارس الأحد وقتها توالي نشر مقالات تحمل الأسانيد التاريخية والقانونية الكنسية التي تدعم أحقيته في الرسامة، لكن سعيها قوبل بالرفض من مجمع الكنيسة المقدس.
جاء التيار الثاني ويمثله “جماعة الأمة القبطية” محملًا برؤية مزدوجة، دينية سياسية، ترى أن الإصلاح يجب أن يكون بالثورة على ما هو قائم، وبشكل من الأشكال وجدت تعاطفًا من قيادات ضباط يوليو، أو للدقة من أحد أجنحة القيادة، فكان أن اقتحمت المقر البابوي عشية الاحتفال بالعيد الأول للثورة، وأجبرت البابا يوساب على توقيع وثيقة تنازل عن الكرسي البابوي، واقتادوه إلى أحد أديرة الراهبات بمصر القديمة، للإقامة فيه، لكن مسعاهم لم يكتمل إذ سرعان ما انتفضت الدولة لتلقي القبض عليهم وتعيد البابا البطريرك إلى مقره. وتوسط البابا يوساب لدى الدولة للإفراج عنهم، واستجابت له، إلا أنها عادت وقبضت عليهم وقدمتهم للمحاكمة بسبب المذكرة التي تقدموا بها للجنة إعداد الدستور وأثنى عليها الفقيه الدستوري ورئيس اللجنة عبد الرزاق السنهوري لما تضمنته من نصوص تحقق مواطنة الأقباط [1].
كان التيار الثالث نفر من الشباب الجامعي رأوا أن البداية الصحيحة تبدأ من الأديرة، ذلك أن قيادات الإكليروس تخرج منها، فيكون ضبط الأديرة هو السبيل لتوفير كوادر قادرة على خدمة الكنيسة، وتعددت توجهاتهم بين من ذهب للرهبنة طلبًا لذاتها، كنسق حياة يرونه طريقًا لحياة روحية أعمق، تأسيًا بمؤسسي الرهبنة وقديسيها، فيما رأها بعضهم، بجوار البعد الروحي، الطريق الأوحد للوصول إلى قيادة الكنيسة، التي تملك وحدها تأسيس طريق الإصلاح وفق نظام الكنيسة الهيراركي، وإيمانهم “إن ابتغى أحد الأسقفية، فيشتهي عملًا صالحًا” بحسب توصيف القديس بولس الرسول في رسالته الأولى لتلميذه تيموثاوس. وهو توجه شكله إخفاق تجربتي جماعة الأمة القبطية وجماعة مدارس الأحد في المشاركة في تدبير الكنيسة.
وظهر تيارًا موازيًا لتيار الرهبنة اختار التكريس والخدمة وسط الناس طريقًا، ويرون أن التفرغ لخدمة الكنيسة خاصة في دوائر التعليم والتواصل المعرفي مع آباء الكنيسة الأولى، وهم باقون داخل المجتمع، يناسب قدراتهم ويملك التواصل الفاعل مع الشباب والأجيال الواعدة، لتحقيق غاية الخدمة وتأهيلهم للسير في طريق التلاقي والوحدة الكنسية.والتواصل المعرفي مع آباء الكنيسة الأولى، وهم باقون داخل المجتمع، يناسب قدراتهم ويملك التواصل الفاعل مع الشباب والأجيال الواعدة، لتحقيق غاية الخدمة وتأهيلهم للسير في طريق التلاقي والوحدة الكنسية.
والتوجهات الأربعة كان يحركها غيرة إيجابية على الكنيسة وتطلعات جادة لإصلاحها وإعادة تواصلها مع جذورها التاريخية والآبائية، بقدر ما توفر لديهم من معارف وخبرات.
كان فرسان التيارات الأربعة نظير جيد (البابا شنودة فيما بعد)، الدكتور يوسف إسكندر (الأب متى المسكين)، الدكتور إبراهيم فهمي هلال المحامي، الدكتور نصحي عبد الشهيد.
هؤلاء، المؤسسون والتيارات التي تشكلت بعدهم، وغيرهم من الرواد هم أصحاب الفضل في سعي خروج الكنيسة من نفق طال وقد كافحوا بصلابة وتحدوا المناخات المناوئة خارج الكنيسة وداخلها، وأسسوا لمن أكمل طريق الخروج والتواصل الجيلي، وهم الذين تعبوا في تمهيد الطرق الوعرة.
وثمة ملاحظات نستقرأها من مسارات تلك التيارات، أن قوامها شباب يبحث عن طريق لإقامة الكنيسة من عثرتها، والخروج بها من نفق طال، وأنها اعتمدت على رؤى ذاتية يحركها الحماس العاطفي كل بحسب خلفيات التكوين، وأنها كانت تفتقر على الأقل في بداياتها للمرجعية اللاهوتية بفعل المناخ السائد، وقتها، الذي كان يعاني من تداعيات الانقطاعات المعرفية، وكان المتاح ما أنتجته الكنائس والطوائف الأخرى والوافدة لنا من لبنان، وبعض من كتابات قبطية تنازع قلة الإمكانات ومحدودية الانتشار.
انعكس هذا بالضرورة على مناهج ومسارات تلك التيارات، متدرجة من العنف المادي ـ ولما لم يجد قبولًا على الأرض فلم يستمر ـ إلى جوار الاشتباك الفكري بطرق متعددة بين المقالات النارية التي تنتقد الواقع المتراجع وبين محاولات التنقيب عن كتابات الكنيسة الأولى وتعريبها من لغاتها الأصلية أو من ترجمات بلغات وسيطة، والبناء عليها، وبين هذه وتلك تشكلت ملامح الخلافات الفكرية بين تلك التيارات.
ربما تحمل سطورنا القادمة محاولة للاقتراب من مرحلة ما بعد الانطلاق، للبحث عن تفسير لتحول الأمل إلى قلق، وصل في بعضه إلى الاحتراب وربما القطيعة.
صدر للكاتب:
كتاب: الإشكالية القبطية: رؤية من الداخل ١٩٩٨
كتاب: العلمانيون والكنيسة: صراعات وتحالفات ٢٠٠٩
كتاب: قراءة في واقعنا الكنسي: شهادة ورؤية ٢٠١٦
كتاب: الكنيسة.. صراع أم مخاض ميلاد ٢٠١٩
كتاب: كنيستنا القبطية إلى أين؟ ٢٠٢٦
